جواهر البلاغة 109

جواهر البلاغة 109

الدرس في جواهر البلاغة 109، الدرس التاسع بعد المائة:من( تنبيهان:الأول:لما كانت الحال تجيء جملة ... وذلك الجامع إما عقلي أو وهمي أو خيالي ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شروط ربط الجملة الحالية بالواو ومواضع الوصل

تناول الدرس شروط ربط الجملة الحالية بالواو، ومواضع الوصل بين الجملتين، مبينًا الحالات التي يجب أو يجوز فيها الوصل بالواو مع ذكر أمثلة من القرآن والشعر.

شروط الحال ومواضع وجوب الفصل بين الجمل

يتناول المقطع شروط الحال ومواضع وجوب الفصل، ويشرح استخدام "قد" مع الفعل الماضي وتأثيرها على الحال، مع توضيح مواضع امتناع "قد" مع الماضي.

أساليب القرآن في مخاطبة العقول وتأثيرها البلاغي

يشرح الكاتب كيف يستخدم القرآن أسلوبًا بلاغيًا في مخاطبة العرب، حيث يبدأ بذكر ما يهمهم ويجذب انتباههم ليقودهم إلى التفكير والتأمل.

  • 20 جمادى الآخرة 1430هـ - 13/06/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال: تنبيهان، الأول: لما كانت الحال تجيء جملة، وقد تقترن بالواو، وقد لا تقترن، فأشبهت الوصل والفصل، ولهذا يجب وصل الجملة الحالية بما قبلها بالواو إذا خلت من ضمير صاحبها، نحو: جاء فؤاد والشمس طالعة. قال معلقًا: بيان ذلك أن الحال إما مؤكدًا، فالواو للاتحاد بين الجملتين؛ لأنها مقررة لمضمونها، نحو: «سعد أبوك كريم»، وإما منتقلًا لحصول معنى حال النسبة، أي: نسبة العامل إلى صاحب الحال، يلزم فيها أمران: الحصول والمقارنة. فالحال المفردة صفة في المعنى، فلا تحتاج لواو للاتحاد، وأما الحال الجملة، فالمضارع المثبت لا يؤتى له بواو للارتباط؛ لما لوجود الحصول والمقارنة والمقارنة ما، فلا حاجة للربط بها، نحو: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾، ونحو: «قدم الأمير تتسابق الفرسان أمامه»، ولا يجوز: «وجاءوا أباهم عشاء ويبكون»، ولا «قدم الأمير وتتسابق». وهذه إحدى المسائل السبع المذكورة في النحو التي تمتنع فيها الواو، والثانية: الحال الواقعة بعد عاطف، نحو: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾، والعاطف هو «أو»، قال. الثالثة: المؤكد لمضمون الجملة، نحو: «هو الحق لا شك فيه»، «ذلك الكتاب لا ريب فيه»، يعني جملة «لا ريب فيه»، قال. الرابعة: الماضي التالي «ما»، نحو: «تكلم زيد إلا قال خيرا»، وقيل: يجوز اقترانه بالواو كما ورد في قوله: «نعم امرؤ هرم لم تعر نائبة إلا وكان لمرتاع بها وزر»، والشاهد: «إلا وكان»، قال. الخامسة: الماضي المتلوب «أو»، نحو: «لأضربنه ذهب أو مكث»، والشاهد: «أو مكث»، ومنه قول الشاعر: «كن للخليل نصيرا جارا أو عدلا» يعني من الجور، «ولا تشح عليه جاد أو بخل» من الجود، «جاد» من الجود، والشاهد في قوله «أو قال». السادسة: المضارع المنفي بـ«لا»، نحو: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾، وما لي لا أرى الهدهد، فقوله «لا نؤمن بالله» ولا «أرى الهدهد» هذا هو الشاهد، قال. وقوله: «لو أن قومًا لارتفاع قبيلة دخلوا السماء دخلتها لا أحجب» يعني زعمًا أنه من على قبيلة عالية، قال. السابعة: المضارع المنفي بـ«ما»، كقوله: «أعهدتك ما تصب وفيك شبيبة فما لك بعد الشيب صبا متيمما أو متيما نعم صبا متيما»، والشاهد: أن النفي بـ«ما» «تصبو»، قالوا: أبعد الجمل في الصلاح للحالية الجمل الإسمية؛ لدلالتها على الثبوت لا على الحصول والمقارنة، فيجب فيها الواو، نحو: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وهنا جمل إسمية دخلت عليها الواو، قال. وقد يكتفي فيها بالضمير نادرًا، نحو: «كلمته فوها إلى في أي مشافهة»، ثم الماضي مثبتًا؛ لعدم المقارنة، فيحسن معها الواو؛ لأن الماضي يدل على الحصول المتقدم للحصول حال النسبة، يعني: المضارع فيه التفصيل الذي سبق، والجملة الإسمية يكون بعدها الواو، أو يعني معها الواو، والجملة الفعلية بالماضي أو بالمضي يستحسن، قال. وتجب «قد» تحقيقًا أو تقديرًا؛ لتقربها من الحال، أي: لتجعل «قد» الفعل الماضي الدال على حصول متقدم لا حصول حال النسبة قريبًا من حال النسبة لا من حال التكلم؛ إذ اللازم في الحال مقارنتها لزمان النسبة لا لزمان التكلم. وإنما اكتفي بهذا التقريب في صحة الحال، وإن كان اللازم الاقتران إما لأنه ينزل قرب الحال إلى زمان النسبة منزلة المقارنة مجازًا، وإما لأنه يعتبر قربها في الفعل هيئة للفعل، فإذا قلت: «جاءني زيد وقد ركب»، فكأنك نزلت قرب ركوبه من مجيئه منزلة مقارنته له، أو جعلت كون مجيئه بحيث يقرب ركوبه هيئة لمجيئه وحالا له. قالوا: وتمتنع «قد» مع الماضي الممتنع ربطه بالواو، وهو التالي «إلا» هو المتلوب «أو»، لكن بشرح الرضي أنهما قد يجمعان بعد «إلا»، نحو: «ما لقيته إلا وقد أكرمني»، ويلي الماضي المثبت الماضي المنفي؛ لأنه هيئة للفعل بالتأويل؛ لأن قولك: «جاء زيد ليس راكبًا» في قوة «جاء زيد ماشيًا»، فيتحقق الحصول أو يستمر غالبًا فيقارن كذلك، فيحسن ترك الواو نظرًا إلى تحقق الحصول والمقارنة، ويجوز ذكرها أيضًا نظرًا إلى كونه ما كان هيئة للفعل إلا بعد تأويل، ونظرًا إلى كون استمراره أغلبيًا لا دائمًا. فالخلاصة: أن الفعل الماضي فيه هذا التفصيل بهذه الأوجه الثلاثة، إذا كان ماضيًا مطلقًا فيحسن معها الواو، وإذا كان بـ«قد» فعلى التفصيل الذي ذكره، ثم ذكر امتناع «قد» مع الماضي الممتنع ربطه بالواو، والمتلوب «أو» على ما ذكره رحمه الله عن الرضي. قال: والأحسن في الظرف إذا وقع حالا ترك الواو؛ نظرًا للتقدير بمفرد، تقول: «نظرت الهلال بين السحاب»، ومثله الجار والمجرور، نحو: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾، ونحو: «أبصرت البدراء في السماء»، وإن جوزوا الواو بتقدير فعل ماضي، يعني: إذا دخلت الواو على شبه الجملة من الظرف مع ما يلحق به والجار والمجرور، فإنه يقدر فعل ماضي لذلك، أي: لشبه الجملة؛ لما تقدم من أنه يستحسن دخول الواو مع الفعل الماضي. قال: وما يخشى فيه التباس الحال بالصفة أتي فيه بالواو وجوبًا؛ ليتميز الحال، فيقال: «جاء رجل ويسعى»، إذ لو قيل: «يسعى» لالتبس الحال بالصفة في مثله؛ لأنه بعد نكرة، «جاء رجل يسعى»، والجمل بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال، فلدفع هذا اللبس جاء بالواو. قال: «يسعى» لالتبس الحال بالصفة في مثله، وهذه التفاصيل أكثرها معروفة في النحو، قال: قال رحمه الله: ويجب فصلها في ثلاثة مواضع، إذا كان فعلها ماضيًا تاليًا «إلا»، أو وقع ذلك الماضي قبل «أو» التي للتسوية، نحو: «ما تكلم فؤاد إلا قال خيرا»، «ما تكلم فؤاد إلا قال خيرا»، قال. وكقول الشاعر: «كن للخليل نصيرا جارا أو عدلا» يعني في الجور، «ولا تشح عليه جاد أو بخلا»، وهذا تقدم. قال: الثاني: إذا كان فعلها مضارعًا مثبتًا أو منفيًا بـ«ما» أو «لا»، نحو: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾، ونحو: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾، ونحو: «عهدتك ما تصبو وفيك شبيبة فما لك بعد الشيب صبا متيمما»، وهذا كذلك مر معنا. قال: الثالث: إذا كانت جملة اسمية واقعة بعد حرف عطف، أو كانت اسمية مؤكدة لمضمون ما قبلها، كقوله تعالى: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾، وكقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، وهذا كذلك تقدم. قال: الثاني: هذا كل ما يتعلق بالحال، وهو الأول، قال: الثاني: علم مما تقدم أن من مواضع الوصل اتفاق الجملتين في الخبرية والإنشائية، ولا بد مع اتفاقهما من جهة بها يتجاذبان وأمر جامع به يتآخيان، وذلك الجامع إما عقلي، أو وهمي، أو خيالي. وهذا سبق معنا في أوائل هذا الدرس أن أشير إليه، وعلق بقوله: فالجامع العقلي أمر بسببه يقتضي العقل اجتماع الجملتين في القوة المفكرة، كالاتحاد في المسند أو المسند إليه، أو في قيد من قيودهما، نحو: «زيد يصلي ويصوم»، «ويصلي زيد وعمر»، «وزيد الكاتب شاعر وعمر الكاتب منجم»، «وزيد ماهر وعمر طبيب ماهر». وكالتماثل والاشتراك فيهما أو في قيد من قيودهما أيضًا، بحيث يكون التماثل له نوع اختصاص بهما أو بالقيد لا مطلق تماثل، فنحو: «زيد شاعر وعمر كاتب» لا يحسن إلا إذا كان بينهما مناسبة لها، نحو: إلا إذا كان بينهما مناسبة لها لها نوع اختصاص بهما، كصداقة أو أخوة أو شركة أو نحو ذلك. وكالتضايف بينهما، بحيث لا يتعقل أحدهما إلا بالقياس إلى الآخر، يعني: لا يفهم هذا إلا بارتباط وهو مرتبط بالآخر، قال: كالأبوة مع البنوة، والعلة والمعلول، والعلو والسفول، والأقل والأكثر إلى غير ذلك، فهي أمور متلازمة، وهي عقلية، لا يقال: «عالٍ» إلا وهناك «سافل»، لا يقال: «أب» إلا وهناك «ابن». قال: والجامع الوهمي أمر بسببه يقتضي الوهم اجتماع الجملتين في المفكرة، كشبه التماثل الذي بين نحو لون البياض والصفرة، فإن الوهم يبرزهما في معرض المثلين من جهة أنه يسبق إليه أنهما نوع واحد، زائد في أحدهما عارض في الآخر، بخلاف العقل فإنه يدرك أنهما نوعان متباينان داخلان تحت جنس واحد، وهو اللون. وكالتضاد بالذات، وهو التقابل بين أمرين موجودين بينهما غاية الخلاف، يتعاقبان على محل واحد، كالسواد والبياض، أو التضاد بالعرض، كالأسود والأبيض؛ لأنهما ليسا ضدين لذاتهما لعدم تعاقبهما على محل واحد، بل بواسطة ما يجتمعان عليه من سواد وبياض. وكشبه التضاد، كالسماء والأرض، والتلازم ليس عقليًا، ولكنه وهمي؛ باعتراف العادة والعرف أن هذا يكون مع هذا في الغالب، قال: فإن بينهما غاية الخلاف ارتفاعًا وانخفاضًا، لكن لا يتعاقبان على محل واحد كالتضاد بالذات، ولا على ما يشمله كالتضاد بالعرض، يعني: بالعرض، يعني: بالصفة، الأعراض الصفات. قال: والجامع الخيالي، هذا الثالث، أمر بسببه يقتضي الخيال اجتماع الجملتين في المفكرة، بأن يكون بينهما تقارب في الخيال سابق على العطف؛ لتلازمهما في صناعة خاصة أو عرف عام، كالقدوم والمنشار، القدوم الذي يقطع به العشق، والمنشار معروف، الخيال يظهر وجهًا من التشابه، وهو في نوع أسنان القدوم وأسنان المنشار، أسنانهما متشابهة، لكن شكل القدوم غير شكل المنشار. قال: والمنقار في خيال النجار، والقلم والدواء والقرطاس في خيال الكاتب، وكالسيف والرمح والدرع في خيال المحارب، وهلم جراء، وللقرآن الكريم اليد البيضاء في هذا الباب، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾. فالمناسبة بين الإبل والسماء وبينها وبين الجبال والأرض غير موجودة بحسب الظاهر، ولكنه أسلوب حكيم في غاية البلاغة؛ لأنه لما كان الخطاب مع العرب، وليس في تخيلاتهم إلا الإبل؛ لأنها رأس المنافع عندهم، والأرض لرعيها، والسماء لسقيها، وهي التي توصلهم إلى الجبال التي هي حصنهم عندما تفاجئهم حادثة، أورد الكلام على طبق ما في تخيلاتهم. هذا توضيح لهذه المعاني الثلاثة، وقد سبقت معنا الإشارة إليها في أوائل هذا الدرس.