الصحيح المسند من دلائل النبوة  86

الصحيح المسند من دلائل النبوة 86

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 86، الدرس السادس والثمانيون:من( فصل:في عصمة الله له وقول الله عز وجل والله يعصمك من الناس ... والمشاطة من مشاطة الكتان أخرجه مسلم وقد كتبته في الدعوات المستجابة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الناس وسحر اليهودي لبيد بن الأعصم

يتناول عصمة الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم من الناس، وقصة سحر النبي على يد اليهودي لبيد بن الأعصم. يُشير إلى أن السحر حرام وكفر.

دليل نبوته صلى الله عليه وسلم وعصمته من السحر وحكم السحر في الإسلام

يتناول دلائل نبوّة النبي صلى الله عليه وسلم وعصمته من السحر، وحكم السحر في الإسلام وأنه محرم ويعاقب الساحر بالقتل.

حقيقة السحر وطرق الوقاية والعلاج منه ودور اليهود في السحر

يشرح حقيقة السحر وأنه قد يصيب حتى الأنبياء، ويبين طرق الوقاية والعلاج منه، ويشير إلى حقد اليهود على المسلمين واشتغالهم بالسحر.

عقوبة السحرة وتطبيق الحدود الشرعية

يجب تبليغ السحرة إلى السلطان لينفذ فيهم حكم الله، ولا يتساهل في تطبيق الحدود الشرعية حفاظًا على المجتمع من شرورهم.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال فصل في عصمة الله له، وقول الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. قال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا عيسى بن يونس عن هشام عن أبيه، وهو هشام بن عروة، وأبوه عروة بن الزبير الملقب بالصابر المحتسب، قال: عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني زريق، يقال له لبيد بن الأعصم، وهو يهودي، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله. حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي، لكنه دعا ودعا، ثم قال: «يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ -يعني ما سبب مرضه- فقال: مطبوب. ومعنى مطبوب: أي مسحور. قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلع نخلة ذكر. ومعنى أن السحر وضع في مشط ومشاطة: ومشاطة بقايا الامتتشاط، أي من الشعر. وهكذا يفعل السحرة، يأخذون بقايا الإنسان، فيستعينون بالجن في تحديد من يريدون إصابته، ثم لهم بهذا أفعال خاصة يكون بها أولًا إرضاء الجن من الكفر والشرك، ويكون بها ثانيًا التأثير على المسحور، وهو علم خاص تعامل به من يتعامل مع الجن من السحرة وأهل الكهانة، وحرم السحر دين الإسلام لما فيه من الأضرار العاجلة والآجلة، بل حكم فعل السحر كفر، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. قال: في مشط ومشاطة وجف طلع نخلة ذكر. قال: وأين هو؟ -أي هذا الذي جعل فيه السحر- قال: في بئر ذروان، بئر معروفة في المدينة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس من أصحابه، فجاء فقال: «يا عائشة، كأن ماءها نقاعة الحناء» -يعني متعكر، نقاعة الحناء ماء غير صافي، إذا نقع الحناء في ماء ماذا يكون لون الماء؟ يكون ماءً معكرًا بلون الحناء- وكذلك تلك البئر. وهذا يدل أن السحرة أعمالهم وأفعالهم في الأنجاس والأرجاس والقاذورات وما كان بمعناها. قال: «وكأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين»؛ لأن الشياطين تميل إلى الأشياء الخبيثة، كما قال الله عز وجل في ذلك: ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾. وكذلك في الحديث: «أعوذ بك من الخبث والخبائث». قال: قلت: يا رسول الله، أفلا استخرجته؟ قال: «قد عافاني الله، فكرهت أن أثير على الناس فيه شرًا»، فأمر بها فدفنت. تابعه أبو أسامة وأبو ضمرة وابن أبي الزناد عن هشام. وقال الليث وابن عيينة عن هشام: في مشطة ومشاطة. ويقال: المشاطة ما يخرج من الشعر إذا مشط -يعني إذا امتشط- قال: والمشاطة من مشاطة الكتان -يعني مأخوذ أصله من عروق أو شعرات الكتان- ثم سمي به كذلك ما يخرج من الإنسان بالمشط. قال: خرجه مسلم. وقد كتبته بالدعوات المستجابة -يعني أن الشيخ رحمه الله كتب هذا الحديث في باب الدعوات المستجابة له عليه الصلاة والسلام-. أورد شيخنا رحمه الله هذا الفصل وهذا الحديث، وستأتي معنا فيه أحاديث كثيرة. وأراد رحمه الله أن يبين -كما ذكر من قبله ممن ألف في هذا الموضوع- أن من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام وعلامات صدق رسالته كونه عليه الصلاة والسلام عصم بعصمة الله، فإن الله عز وجل عصمة من أن يناله أحد. وهذه العصمة تدل أنه مؤيد منصور من عند الله، وأنه نبي الله صدقًا وحقًا. ودلائل علامات هذه العصمة كثيرة في وقائع وقصص، بل وآيات في كتاب الله، فضلًا عن الكثير من سنته عليه الصلاة والسلام الصحيحة. ومنها قصة السحر، فإن اليهودي لبيد بن الأعصم سحر النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الله عز وجل عصم نبيه عليه الصلاة والسلام، فأبطل سحر هذا الساحر. بل أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بما أرسل إليه من أمر الملكين، كما سمعنا في الحديث يتحدثان يخبران النبي عليه الصلاة والسلام بحقيقة ما وقع له، وأنه سحر، وسحره هذا اليهودي، وأن سحره في المكان الذي حدد له، فشفى الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام بدعائه، وبذلك ما جاء في بعض الروايات من رقيا جبريل له عليه الصلاة والسلام. وفي هذا الحديث مجموعة من المسائل من أهمها هذه المسألة، وهي كونه عليه الصلاة والسلام معصوم عصمه الله وحفظه من شر الأشرار. وهذا دليل من أدلة كثيرة تدل على صدق رسالته ونبوة عليه الصلاة والسلام، فإن مثل ذلك لا يكون إلا بتأييد إلهي. وقد دلت أدلة الكتاب والسنة على ذلك، ومنها الآية التي صدر بها المؤلف رحمه الله الفصل: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. وقد جاء أنه كان عليه الصلاة والسلام يتخذ حارسًا يحرسه، فلما نزلت هذه الآية لم يتخذ من يحرسه عليه الصلاة والسلام. وفيه من المسائل كذلك بيان أن السحر له حقيقة وأصل، خلافًا لمن أنكر ذلك من العقلانيين، فإنهم زعموا أن السحر ليس له حقيقة وأنه إنما هو عبارة عن خيال يراه الإنسان، وليس له أثر ولا حقيقة، وهذا خطأ. بل أدلة الكتاب والسنة دلت على أن السحر له أصل وحقيقة، وله أثر يؤثر على المسحور، وهو علم خاص يتعلق بأمور غيبية. ولا مانع أن يكون من السحر ما يكون بالحركات الخفية، وما يكون بالحيل والكذب. ولهذا ذكر العلماء أن السحر ينقسم إلى قسمين: باسم منه ما يكون بالحيل والحركات الخفية التي يستعملها بعض الناس عند أهل الإسلام وغيرهم. ومنها ما يستعمله بعض الناس اليوم فيما يسمى بالسرك، وهذا نوع من أنواع السحر، وهو كذلك محرم، ولا يجوز لما فيه من الكذب، ولما فيه كذلك من الذريعة في الوصول إلى النوع الثاني الذي هو الكفر. والنوع الثاني من أنواع السحر هو ما يكون من الاستعانة بالجن بأخذ فضلات المسحور واستعمالها في الإضرار به، مع أقوال وأفعال تفعل يكون لها تأثير على هذا المسحور. وهو علم خاص له قواعده وأصوله، حتى ألف بعض الناس فيه مؤلفات. وتعلم هذا العلم كفر في دين الإسلام، فلا يجوز تعلم هذا العلم، ولا يجوز الإقرار بوجوده في المجتمع المسلم لما فيه من الإضرار بالعباد والبلاد. وهكذا أمر نبينا عليه الصلاة والسلام قد جاء موقوفًا عن عدد من الصحابة، وله حكم الرفع بقتل كل ساحر وساحرة. فحكم السحرة في الإسلام القتل. وقد روي موقوفًا وله حكم الرفع: «حد الساحر ضربة بالسيف». وقد أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقتل كل ساحر وساحرة، وروي عن عدد من الصحابة قتل السحرة، وليس ذلك إلا عن سنة أخذوها عن النبي عليه الصلاة والسلام. فحكم السحرة في دين الإسلام القتل، أن يقتلوا ليستراح من شرهم وإفسادهم بين الخلق. وهذا إن دل على شيء دل على خطورة السحر وقبح أثره وفعله وفاعله. وهكذا هذا السحر مع ما فيه من هذه المفاسد هو واقع يقع، وله أثر. ويدلنا على ذلك ما وقع للنبي عليه الصلاة والسلام، فإن نبينا عليه الصلاة والسلام -كما جاء في هذا الحديث البخاري ومسلم وغيرهما من الأحاديث الأخرى- تدل على أن السحر له حقيقة، وأنه قد يقع في السحر بعض الصالحين، ليس فقط يسحر من ليس له صلة بالاستقامة، بل قد يكون بعض المستقيمين كذلك يصابون بالسحر. فإذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام قد سحر من هذا اليهودي، فمن دون النبي عليه الصلاة والسلام من باب أولى أنه قد يسحر. ولهذا أمر المسلم بأن يتعود بالتعودات التي تعصمه وتحفظه من شر الأشرار ومنهم الجن، أذكار الصباح وأذكار المساء وأذكار الدخول والخروج إلى المنزل، وهكذا أذكار أدبار الصلوات وأذكار النوم وغيرها من الأذكار. فهي حصن يتحصن به المسلم من شر الأشرار، مع ملازمته للطاعة، والله عز وجل هو الحافظ. وفيه من المسائل كذلك حقد اليهود على أهل الإسلام، فإن حقدهم قديم، قد حاولوا قتل النبي عليه الصلاة والسلام بأكثر من مرة، ومنها هذا الحديث، ومنه قصة اليهودية التي وضعت السم في الطعام، ومنه قصة اليهود الذي أراد أن يرمي الحجر على رأس النبي صلى الله عليه وسلم وهو تحت داره. وكلها أحاديث صحيحة تدلنا على حقد اليهود وعداوتهم، وصدق ما أخبر الله عز وجل به عنهم من قتلهم الأنبياء والرسل. وهكذا كذلك في هذا الحديث بيان أن السحر من أفسد ما يكون به الإفساد، وأن اليهود لخفثهم كانوا من المنشغلين به، وإلى يومنا هذا فالسحر أكثر من ينشغل به اليهود، ومن تعلم السحر أكثرهم يتعلمه من اليهود أو ممن تعلم من اليهود. وفيه كذلك من المسائل بيان أنه يجوز إبطال السحر بما يكون من الطرق الشرعية، ومنها إذا علم الساحر وما سحر به أن يبطل بإحراق ذاك الشيء وإفساده. وليس بلازم، فقد يكون الشفاء بمجرد الأذكار والأدعية. فكون أن الملك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن السحر في مشط ومشاطة وجف طلع نخلة ذكر، استدل العلماء بهذا أن من علاج السحر إفساد هذا السحر إذا اكتشف بأن يحرق أو يدفن أو غير ذلك من معاني الإفساد والإبطال. وقد يكون كذلك بالدعاء والأذكار. وهذا الحديث يدل على المعنيين. فهنا النبي عليه الصلاة والسلام أمر بدفن البئر، ولما قالت له عائشة: «يا رسول الله، أفلا استخرجته؟» -يعني السحر حتى تحرقه وتؤكد إفساده وإبطاله- قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قد عافاني الله». واستدل العلماء بهذه الجملة أن الصحيح في شفاء النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن بإفساد السحر، ولكنه كان بدعائه ورقي جبريل له. وفي هذا دليل أن علاج السحر ليس من شرطه اكتشاف السحر، بل قد يكون العلاج بالدعاء والأذكار، حتى لا يتعلق الناس بالبحث عن السحر والساحر؛ لأن هذا قد يكون من المحال. وحتى كذلك لا يظن بعض الناس أنه لا يفك السحر إلا بسحر مثله، ولا يفك السحر إلا ساحر آخر كما يظنه بعض العامة، بل هذا حرام لا يجوز، فلا يجوز الذهاب للسحر حتى ولو كان لأجل فك السحر، حتى ولو كان هذا الساحر يستطيع أن يعالج، فلا يجوز أن يذهب إليه؛ لأن الذهاب إليه كفر. قال الله عز وجل كما سمعتم: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. والصحيح أن الآية نزلت في بعض اليهود، وليس في ملكين من ملائكة الله. وهكذا كذلك في هذا الحديث من المسائل أن من اكتشف شيئًا من السحر فعليه أن يفسده ويبطله بإحراقه أو دفنه أو غير ذلك من معاني الإبطال والإفساد. وهذا الحديث يدل عليه. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، وبه نفتفيه، والله تعالى أعلم. يقول: هل يجوز قتل الساحر بغير إذن الأمير؟ الجواب: لا، لا يجوز. وأنت سمعت أنه حد من الحدود، وإذا كان حدًا من الحدود فالحدود لا يقيمها إلا السلطان، فهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة. ولو فعل ذلك -أي كل ساحر قتله أولياء المسحور- صار بهذا فساد في الأرض، لكن الواجب تبليغ أمره إلى السلطان، وعلى السلطان أن لا يتساهل في هذه الحدود الشرعية، بل عليها أن يقيمها امتثالًا لشريعة الله، وكذلك حفظًا للمجتمع من شرور أمثال هؤلاء.