الصحيح المسند من دلائل النبوة  118

الصحيح المسند من دلائل النبوة 118

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 118، الدرس الثامن عشر بعد المائة:من( قال البخاري رحمه الله:حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب ... فقيل:هلكت دوس قال:اللهم اهد دوساً وائت بهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

استجابة دعاء النبي لقبيلة دوس

دعا النبي صلى الله عليه وسلم لقبيلة دوس بالهداية بعد أن طلبوا منه الدعاء عليهم، فاستجاب الله دعاءه وأسلمت القبيلة، مما يدل على نبوته وصدق رسالته. هذا يظهر رقة النبي ورحمته حتى مع من عصى.

فضل الصبر في الدعوة إلى الله

يبرز المقطع أهمية الصبر في الدعوة إلى الله من خلال دعاء النبي لقبيلة دوس، ويشير إلى فضل الصحابة في صبرهم على تبليغ الدين وأهمية لقاء أهل العلم في الثبات على الهداية.

أحكام الدعاء على الكفار والإنفاق في طلب العلم

يناقش جواز الدعاء على الكفار في ظروف معينة مثل قتالهم للمسلمين، ويشرح معنى الدعاء بـ 'اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف'. كما يتناول مسألة أخذ المال لطلب العلم وتأثيره على الدين.

أحكام الصدقة والإنفاق في سبيل الله

يبرز أهمية أن يكون الإنسان معطاءً بيد عليا، ويشير إلى جواز قبول العطاء إذا جاء دون مسألة أو إلحاح، مع التأكيد على الالتزام بشرع الله في جميع الأحوال.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال البخاري، رحمه الله تعالى، حدثنا أبو اليمان، وهو الحكم بن نافع، قال: أخبرنا شعيب، أخو ابن أبي حمزة، قال: حدثنا أبو الزناد، وهو عبد الله بن ذكوان، أن عبد الرحمن -يعني الأعرج- عبد الرحمن بن هرمز، قال: قال أبو هريرة رضي الله عنه: قدم طفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، إن دوسًا عصت وأبت، فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس، قال: «اللهم اهد دوسًا وأت بهم». أورد شيخنا، رحمه الله تعالى، هذا الحديث في سياق ذكره للأحاديث التي فيها شيء من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام وصدق رسالته، وخصوصًا في استجابة الدعاء، فإن من دلائل نبوته -كما ذكر في هذا الفصل- استجابة دعائه عليه الصلاة والسلام. واستجابة الدعاء على هذا التواتر وهذه الصفة التي ذكر في هذا الفصل شيء من الأحاديث، وسيأتي شيء آخر، وغيره كثير يدل أنه رسول الله حقًا وصدقًا عليه الصلاة والسلام. فإن تتابع مثل هذه الحوادث تدل على هذا المعنى وتحققه. وقد تقدم معنا هذا المعنى في أحاديث سابقة، ووجه الشاهد من الحديث أنه قد استقر عند الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مجاب الدعوة، إذ لما جاء القوم فقالوا: فادع الله عليها -أي على قبيلة دوس- قيل: هلكت دوس، يعني لو دعا النبي عليه الصلاة والسلام أصابها الهلك كما دعا على أقوام في زمانه، فأصابهم ما أصابهم، دعا على قريش بأن يصابوا بسنين كسني يوسف، فأصيبوا بقحط شديد حتى رأوا الدخان من شدة الجوع والعطش وشدة الحر، وأكلوا الجلود، حتى جاء المشركون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون له: ألست تدعو بصلة الرحم؟ وإلى آخر ما ذكروا -أي طلبوا منه أن يدعو الله عز وجل فيخفف ويكشف عنهم ما هم فيه-. وهكذا لو دعا على دوس لهلكت، ولكنه عليه الصلاة والسلام هو الرؤوف الرحيم، لم يدع على دوس بل دعا لها، فاستجاب الله عز وجل دعاءه كما جاء في بعض الروايات الأخرى، فأسلمت قبيلة دوس، وهذا علم من أعلام نبوته ودليل من دلائل صدق رسالته. كما أن فيه كذلك أنه عليه الصلاة والسلام أعلم بشيء من الغيب الذي معه استطاعًا، يعلم أن دوسًا سيهديهم الله عز وجل بدعائه، فالله عز وجل أعلم بمن اهتدى وبمن يهتدي، ولهذا لم يدع عليهم نبي عليه الصلاة والسلام بل دعا لهم. وفيه من المسائل: فضل الدعوة إلى الله، وصبر الدعاة، أي أن الداعي إلى الله ينبغي أن يوطن نفسه على الصبر، فليس طريق الدعوة إلى الله -كما يقال- مفروشة بالورود، ولكنها طريق مليئة بالصعاب والإعراب وغير ذلك من المشاق، فلا يظن الناظر أنه إذا دعا إلى الله يستجيب الناس، بل يمتحن ويبتلى ويعرض عنه، فإذا وقع هذا في زمن الصحابة رضي الله عنهم وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن دونهم من باب أولى. وفيه فضل الصحابة رضي الله عنهم في صبرهم في تبليغ دين الله عز وجل، وكما قيل: لولا أنهم حملوا هم هذا الدين وأدوا الأمانة بعد رسولنا عليه الصلاة والسلام، ونقلوا الرسالة لما بلغ ﴿لا إله إلا الله﴾ إلينا، ولما سمعت صوت المآذن في هذه الديار الواسعة اليوم من ديار المسلمين، فالفضل يعود إليهم بعد الله ورسوله عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك فيه من المسائل: فضل قبيلة دوس، فإنها أسلمت جميعًا، وقد علم الله عز وجل بخيرها، فهدى نبيه عليه الصلاة والسلام أن يدعو لها لا عليها، والله يهدي من يشاء. وفيه كذلك من المسائل: فضل العلم، واللقاء بهم، وأنه من أعظم أسباب الثبات على الهداية. قال النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: «اللهم اهد دوسًا وأت بهم»، فمن تمام ثباتهم على الهداية دعا الله عز وجل أن يأتي بهم، فأتوا وكانوا مع من زاره عليه الصلاة والسلام، فكان ذلك سببًا في زيادة هدايتهم وثباتهم على دين الله عز وجل. وهكذا ينصح كل من كان حديث عهد بإسلام إذا أراد أن يثبت على إسلامه، يؤمر بالرحلة إلى أهل العلم والجلوس بين أهل العلم، فإنه من أعظم أسباب ثباته ورسوخ هدايته. وهذا الحديث قليل من كثير من شواهد ونظائر كثيرة تؤكد وتدل على هذا المعنى. وفي واقع الناس من ذلك شواهد أكثر، كم من إنسان يهديه الله عز وجل بعد كفر أو ضلال، ولكنه لأنه بقي في مكانه الذي هو فيه ربما انتكس بعضهم أو ضعف إيمانه بعد قوة، وتزعزع يقينه إلى الشك بعدما كان من اليقين، بينما على العكس إذا رحل هذا الذي هداه الله إلى أهل العلم وإلى مجالسهم وبلادهم، لأن الغالب أن البلد الذي يكون فيه العلماء يكون أكثر تدينًا وأهله أكثر ثباتًا وهداية، فيكون المجتمع بما فيه من العلم والعمل عونًا لهذا الإنسان على إتمام هدايته وتقوية استقامته. وهذا من جوامع دعائه عليه الصلاة والسلام، ودليل آخر من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم. وهكذا كذلك ينصح في هذا الزمان بهذا، فإذا هدى الله عز وجل رجلًا إلى السنة بعد بدعة، أو إلى الاستقامة بعد انحراف، أو حتى إلى الإسلام بعد شرك وكفر، فإنه يؤمر بالرحلة إلى أهل العلم وملازمة مجالس أهل العلم، فإن ذلك من أعظم أسباب تمام هدايته. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، وبه نكتفي، والله تعالى أعلم. يقول السائل: هل يجوز الدعاء على الكفار بقولك: «اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف»؟ وما هذه السنين؟ يجوز الدعاء لمن هو أهل لذلك الدعاء، كنبي من الأنبياء أو أحد من أهل العلم يعرف المواضع التي يكون فيها الدعاء على الكفار، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم على المشركين، فكذلك يشرع -مثلًا في قنوت النوازل- أن يدعو المسلمون على بعض الكفار المعتدين على المسلمين وديارهم، فإذا -مثلًا- غزا بعض الكفار المسلمين وبطشوا بهم وفعلوا وفعلوا، يجوز أن يدعو المسلمون في صلاتهم في قنوت النوازل على الكفار كما قنت ودعا النبي عليه الصلاة والسلام. ويكون من الدعاء: «اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف»، كما ثبت ذلك وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. ومعنى سنين يوسف: أي قحط وشدة كتلك السنين السبع التي ابتلي بها قوم يوسف عليه الصلاة والسلام. ويقول: أنا طالب علم بحمد الله، وأمي تنفق علي، فأستطيع أن أستعمل الوقت كله في طلب العلم. السؤال: هل الأفضل أن آخذ هذا المال لكي أستطيع أن أستعمل وقتي كله في طلب العلم، أم الأفضل أن أعمل لأن اليد العليا خير من اليد السفلى ولو أخذ وقتًا من طلب العلم؟ الجواب في هذا تفصيل: إن كان أخذك المال منها يكون سببًا لمنعك دينك أو دينها، أو يوقع فيما يخالف الشرع لك أو عليها، أو يوقع بالضرر عليك أو عليها، فلا شك اليد العليا خير من اليد السفلى، ولو نقص بعض الوقت من طلب العلم. وأما إذا لم يكن الأمر كذلك، فلا بأس أن تأخذ من ذلك ما دامت مستطيعة، وليس في هذا إعطاء ما يخالف الشرع، ولا ما يضر بأحد. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأحد الأخوين حين شكا أخاه في النفقة عليه وهو مستطيع: «لعلك ترزق به». وفي هذا وسطية ينبغي أن يدركها كل من سلك طريق العلم، وهو أن طالب العلم ينبغي عليه أن يكون متعففًا وغير مستشرف لمال أحد، حتى ولو كان أقرب الناس إليه، فإن هذا من العمل بالعلم. لكن إذا جاء المال من غير مسألة وبغير منه، وانتبه لهذا المعنى: بغير منه، وليس فيه ما يخالف الشرع، ولا فيه ضرار على أحد، فإنه يرضى لنفسه بذلك، لا حبًا في الدنيا، ولا كذلك اتكاءً على غيره وتكاسلًا عن الاكتساب، فهو يستطيع أن يكتسب وهو يعلم ذلك، لكنه يؤثر التفرغ لطلب العلم ليكمل نفعه ويكثر، على أن ينشغل بشيء يصرفه عن شيء من العلم. ولهذا فهو يبرهن هذا بصبره على القليل من العيش، إيثارًا بقلة العيش لأجل طلب العلم. وهكذا يبرهن هذا كذلك أنه إذا مرت به ضائقة لم يمد يده لأحد، بل يبادر، فتكون يده العليا، وهو لا يتردد في ذلك، بخلاف الذي هو عال على غيره، فإنه ربما سأل، وكان هذا من خلقه ودندنته. أما كما قلنا: إذا كان يأتيه من غير مسألة وبغير منه، فضلًا عن ما يكون من مخالفة الشرع والضرر، فهذا إن شاء الله لا شك أنه جائز، والله تعالى أعلم.