الخطبة بعنوان شعبان فضائل وأحكام، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 4 شعبان 1444هـ الموافق 24 فبراير 2023م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شهر شعبان له فضائل عديدة، منها رفع الأعمال إلى الله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الصيام فيه لما فيه من الأجر العظيم. كما كان السلف الصالح يستعدون لرمضان بمراجعة القرآن والطاعات.
لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تخصيص ليلة النصف من شعبان بعبادة معينة، وتخصيصها يعتبر بدعة، لكن يجوز الصيام لمن له عادة في الصيام بعد النصف. يُستحب إزالة الشحناء والبغضاء في هذه الليلة.
يتضمن الدعاء للمسلمين في مختلف البلدان بالصلاح، وطلب من الله دفع الفتن عنهم وإصلاح أحوالهم. التأكيد على أهمية ولاية الله لمن يخافه ويتبع رضاه.
شهر شعبان فضائل وأحكام، هذا الشهر الذي يغفل عنه الكثير من الناس، فقد روى النسائي وغيره من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرا كما تصوم في شعبان؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذلك شهر بين رجب ورمضان يغفل عنه الناس، وشهر يرفع فيه الأعمال، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». فكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من أحكام شهر شعبان وفضائله، أنه كان صلى الله عليه وسلم يقدر الصيام فيه. هذا الشهر الذي سمي بشعبان؛ فيه لتشعبه، فإن الناس فيه بعد شهر الله المحرم رجب يتشعبون في الشعاب، ينشغلون بجمع الماء والزاد، وهكذا يتشعبون فرارا وطلبا للحروب والقود وغيره مما كان بين العرب في ذاك الزمان، فكانوا يغفلون فيه، فيكون أكثر الناس فيه بشغل وغفلة عن طاعة الله سبحانه وتعالى. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، كانت بتاريخ الرابع من شهر شعبان لعام 1444 من الهجرة النبوية، سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش، حرسها الله. إن الحمد لله، نحمد تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى جعل في هذه الشهور والأيام من الأحكام ما يكون فيها زادا لهذا الإنسان، فالله الحكيم الرحيم سبحانه وتعالى الذي خلق الخلق وعلم ما يصلحهم، سبحانه وتعالى جعل لهم من أحكامه المحكمة وتشريعاته المتقنة ما هي كفيلة بإصلاح حالهم في الدنيا والآخرة. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، كما قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله وحاله وتقريره ما يكون به كمالنا في هذه الدنيا والآخرة، وما يكون به تزودنا من أنواع الخيرات وصنوف المبرات وأجناس الطاعات ما يكون زادا لنا للدار الآخرة. ومن ذلك عدد من الأحكام والفضائل في شهر شعبان، هذا الشهر الذي يغفل عنه الكثير من الناس، فقد روى النسائي وغيره من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرا كما تصوم في شعبان؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذلك شهر بين رجب ورمضان يغفل عنه الناس، وشهر ترفع فيه الأعمال، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». فكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من أحكام شهر شعبان وفضائله، أنه كان صلى الله عليه وسلم يقدر الصيام فيه. وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما صام شهرا كاملا قط إلا رمضان، وكان يصوم من شعبان كله إلا قليلا»، أو كما قالت رضي الله عنها وأرضاها. وهكذا جاء معنى من حديث أنس وحديث أم سلمة، ففي حديث أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها: «ما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرين متتابعين، ما صام من شعبان ورمضان». والصحيح من أقوال أهل العلم، جمعا بين الأدلة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصم شعبان كاملا كما كان يصوم رمضان، ولكنه كان يصوم منه كثيرا، صلى الله عليه وسلم، وذلك لحكم وفوائد. فمن هذه الحكم ما جاء في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه وأرضاه، فإنه شهر يغفل عنه الناس، أي يغفل الناس عن الطاعة فيه، هذا الشهر الذي سمي بشعبان، قيل لتشعبه، فإن الناس فيه بعد شهر الله المحرم رجب يتشعبون في الشعاب، ينشغلون بجمع الماء والزاد، وهكذا يتشعبون فرارا وطلبا للحروب والقواد وغيره مما كان بين العرب في ذاك الزمان، فكانوا يغفلون فيه، فيكون أكثر الناس فيه بشغل وغفلة عن طاعة الله سبحانه وتعالى. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعبد الله سبحانه وتعالى في وقت غفلة الناس، وفي هذا أجر عظيم، ولهذا نضائر كثيرة في دين الله عز وجل، لنعرف الحكم ونتتبعها، فإن صلاة الليل، الصلاة في جوف الليل، أفضل الصلاة بعد الفريضة، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة وغيره: «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل»، وأفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم. ولا ينافي ما جاء من فعله صلى الله عليه وسلم من الإكثار من الصيام في شعبان ما جاء من فضل الصيام في محرم، فإن أفضل الصيام بعد رمضان الصيام في شهر الله المحرم، ولكن في شعبان فضيلة أخرى، وهو أن الناس يغفلون عن الصيام فيه، فيحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يعبد الله ويذكره في وقت غفلة الناس. ومن هذه النضائر كذلك ما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما يكون من الفتن في آخر الزمان، حتى قال صلى الله عليه وسلم: «القابض على دينه يومئذ له أجر كأجر خمسين»، فقالوا: منا أو منهم يا رسول الله؟ قال: «بل منكم». ثم بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: «إنكم تجدون على الخير أعوانا»، معناه أن من لم يجد على الخير عونا فإن عمله يضاعف. فلذلك صلاة الليل حين يصلي المرء وحده في جوف الليل لله سبحانه وتعالى يكون له من الأجر المضاعف ما لا يكون إذا صلاها في رمضان مع الناس، وهو يجد على هذا الخير أعوانا. ومما يدل على ذلك من النضائر ما جاء في الصحيحين كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله صلى الله عليه وسلم، مبينا فضيلة العبادة في وقت الغفلة ووقت انشغال الناس، قال عليه الصلاة والسلام: «العبادة في الهرج كهجرة إلي». وهكذا جاء معناه في أحاديث أخرى كثيرة. فصار العبادة والتفرغ للعبادة لله عز وجل في وقت انشغال الناس بالقتل والقتال والفتن والمحن فيه أجر عظيم، ومن ذلك أن من أجره كأجر هجرة إليه صلى الله عليه وسلم. وهذا يدلنا على أصل عظيم، وهو أن العبد ينبغي أن يترقب وقت الغفلة والانشغال فيذكر الله سبحانه وتعالى، ولهذا جاء كذلك في فضل ذكر الله عز وجل عند دخول السوق، والسوق مظنة الغفلة، فإن فيه من الأجر العظيم كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء دخول السوق. وهذا قليل من كثير من نظائر كثيرة تدل على هذا الأصل العظيم في دين الله سبحانه، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من شعبان ما لا يصوم من غيره من الشهور، رجاء أن يجد الفضل في ذكر الله سبحانه وتعالى وعبادته وقت غفلة الناس. وثانيا أن من خصائص شهر شعبان أنه يتقدم رمضان، فلما كان رمضان شهر العبادة والصيام وقراءة القرآن، كان من حكمة الله عز وجل أن يشرع لمن اصطفى من عباده أن يتقدموا بنوافل الطاعات، كما تتقدم الفرائض بنوافل الطاعات، فإن الفريضة يسبقها راتبة ونافلة، ويتبعها راتبة ونافلة. فكان من راتبة ونافلة الصيام بعد رمضان صيام الست من شوال، يكمل نقصها ويجبر تقصيرها، وكان من حكمة الله عز وجل أن شرع لنبيه صلى الله عليه وسلم وعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أمته أن تتقدم رمضان بصيام يكون معينا ومنشطا وجابرا لمن كان مقصرا. وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم كذلك يتقدم رمضان بصيام الكثير من شهر شعبان، وكذلك من حكم صيام الكثير من أيام شعبان أن صيام شعبان في الغالب يكون فيه قضاء من يقضي الصيام لانشغاله في العام، فيجتمع عليه الصيام، فينشق في شعبان ما لا ينشق في غيره، فيكون ذلك عونا له. فيكون صيام الصائم في شعبان بالنافلة عونا لمن فاته صيام الفريضة، فحين يرى غيره من أهل الفضل قد تطوع لله بصيام شعبان، وهو لم يكمل أصلا ما عليه من قضاء رمضان، يستحي من الله سبحانه وتعالى، فيفتح له طاعة الطائعين أولئك أن يكمل ويجبر ما كان عنده من تقصير من قضاء رمضان، فيقضي رمضان ما بقي عليه من رمضان في شعبان. ومما يعينه على ذلك صيام الصائمين وتطوع المتطوعين في ذلكم الوقت، ولذلك كانت عائشة رضي الله عنها تقول، كما جاء بصحيح مسلم: «أنه كان يكون عليها الصيام من رمضان، فلا يتيسر لها قضاؤه أو صيامه إلا في شعبان»، قال بعض أهل العلم: وذلك لما كان من مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه، ولما كان مما يعرض لهم مما يعرض للناس. فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من شعبان كثيرا، كان هذا معينا لأزواجه وأهل بيته أن يقضوا ما بقي من صيامهم في رمضان في هذا الشهر، فكان هذا حكمة أخرى من حكم صيام شعبان، إعانة لمن فاته صيام رمضان أن يصوم في شعبان. وهكذا كذلك عباد الله، من حكمة صيام شعبان أنه يروض النفس ويهيئها ويعلمها ويجهزها لصيام رمضان، فإن من صام قبل رمضان أعانه ذلك على صيام رمضان، وهذا كذلك له نظائر كثيرة في دين الله سبحانه وتعالى وشرعه. ولهذا كان الصالحون من عباد الله يتجهزون في هذا الشهر بالاستعداد لشهر رمضان، بالتفرغ في شعبان لمراجعة القرآن، لما كان مما عليهم من الصلاة والقيام في شهر رمضان، فيحتاجون أن يتجهزوا لشهر رمضان بمراجعة القرآن في شهر شعبان. فكان يقول أهل العلم من السلف ولئمة من التابعين وغيرهم: «إن شهر شعبان شهر القرآن». ثبت عن عدد من لئمة، جاء عن سلمة بن كهيل رحمه الله تعالى أنه كان يقول: «إذا دخل شعبان دخل شهر القرآن». وعن حبيب بن أبي ثابت رحمه الله تعالى: «كان يقول: شهر شعبان هو شهر القرآن». وعن عمرو الملائي رحمه الله تعالى: «أنه كان إذا دخل عليه شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة ومراجعة القرآن». هكذا كان أئمتنا وسلفنا رحمهم الله تعالى يستعدون لرمضان في شهر شعبان في الصيام وقراءة القرآن وعمل صنوف من الطاعات، تجهزا واستعدادا لشهر رمضان. وهكذا كذلك عباد الله، إن من أحكام وفضائل هذا الشهر ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، في أنه يحب أن يرفع عمله وهو صائم، فإنه شهر ترفع فيه الأعمال، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الأعمال ترفع في اليوم والليلة، كما جاء في الصحيح في صحيح مسلم وغيره: «أنه يرفع عمل النهار قبل الليل، ويرفع عمل الليل قبل النهار». وأن الملائكة يتعاقبون بالليل والنهار، يرفع بعضهم عمل الليل، وآخرون عمل النهار، فهذه الأعمال حين ترفع شرع ربنا سبحانه وتعالى فيها أنواعا من العبادات لأجل أن ترفع هذه الأعمال والناس في عبادة، فيكون ذلك سببا في حصول زيادة الأجر لهم حين تأتي الملائكة فترفع الأعمال وهم في عبادة. وأن من أحكام وفضائل هذا الشهر ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، في أنه يحب أن يرفع عمله وهو صائم، فإنه شهر ترفع فيه الأعمال. وها هنا تنبيه، عباد الله، أننا نتعبد الله سبحانه وتعالى بما شرع مما جاء في كتابه وصح عنه صلى الله عليه وسلم في سنته، وليس بالكتاب والسنة ما يدل على تخصيص شهر شعبان بنوع من العبادات، ولا يوما من أيامه، ومن ذلك ليلة النصف من شعبان. فقط ذكر أهل العلم أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل ليلة النصف من شعبان شيء من الأحاديث أبدا، لم يصح شيء من الأحاديث، ولم يصح تخصيص ليلة النصف من شعبان بعبادة من العبادات، لا تخصيصها بصيام ولا بقيام ولا بذكر ولا بغير ذلك. ومن خصها فقد نص أهل العلم أنه قد أتى بدعة من البدع ومحدثة من المحدثات، لأن السلف الصالح لم يكونوا يفعلوا ذلك، بل حذر علماؤنا وإمامنا من كل ما روي في هذا الباب، إنما هو من الأحاديث الضعيفة والمكذوبة. إلا أنه روي حديث واحد يحسنه بعض أهل العلم، وأكثر أهل العلم على تضعيفه، وهو ما جاء في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه، بإسناد ضعيف، وله طرق كثيرة حسنها به بعض أهل العلم، وأكثر أهل العلم على تضعيفه، ذلك قوله صلى الله عليه وسلم فيما يروى عنه: «أن الله يطلع على عباده ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميعهم إلا لمشرك أو مشاح». فدل هذا الحديث على من قال بتحسينه وتصحيحه أنه ينبغي أن لا يأتي ليلة النصف من شعبان ويكون في قلبي مؤمن شيء من الشحناء مع أحد من إخوانه، فإنه ينبغي أن يبادر بالتسامح مع إخوانه وإزالة الغل والشحناء والبغضاء من قلبه. ولهذا كان من أعظم الطاعات وأفضل القربات أن يزيل المسلم ما في قلبه من غل على إخوانه المؤمنين، فإن ذلك مما يعينه على تقبل الطاعات ورفع الدرجات، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك في أحاديث أخر، ومنها ما جاء في فضل صيام الاثنين والخميس: «أن الله عز وجل يرفع فيها الأعمال لكل من لا يشرك بالله شيئا، إلا لرجلين أبينهما شيء من الشحناء، فيقول الله عز وجل لملائكته: امسكوا عن هؤلاء حتى يصطلحا». فكان من سبب عدم رفع درجاتهم وقبول أعمالهم والتوقف فيها ما كان بينهما من الشحناء ومن التقاطع والبغضاء، ولذلك كان السلف الصالح حريصون غاية الحرص على سلامة صدورهم للمؤمنين، كما أمرهم الله عز وجل بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا بأمور شرعنا، وأن يفقهنا بأمور ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليه الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. أما بعد، عباد الله، وإن من الأحكام التي ينبغي أن يتنبه لها أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى، كما جاء بالصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، أن يتقدم رمضان بصيام يوم أو يومين، فلا يجوز لمسلم أن يتقدم رمضان بصيام يوم أو يومين، فإن ذلك نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. ويزداد الأمر تأكيدا وإثما إذا كان صيام يوم الشك، فقد صح من حديث عمار من أوجه كثيرة أنه قال: «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم». ولهذا نص غير واحد من أهل العلم أن صيام يوم الشك إثم وليس ببر وأجر، بل هو إثم ووزر، لما صح من حديث عمار رضي الله عنه وأرضاه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما الصيام بعد النصف من شعبان، فإن أهل العلم اختلفوا في ذلك، فقد جاء حديث من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا يحسنه بعض أهل العلم، وأكثر أهل العلم على تضعيفه، في نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يصام النصف الثاني من شعبان. فإن أكثر أهل العلم من الحفاظ والعارفين بالحديث، كأحمد بن حنبل وابن المديني وابن معين، وجماعة من أئمة الحديث، على تضعيف هذا الحديث، فلا حرج لمن أراد أن يصوم من شعبان بعد النصف، سواء أكان يصوم صوما قبل ذلك كمن اعتاد أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، أو كان يصوم الاثنين والخميس، أو لم يكن كذلك، فأراد لما تقدم من حديث أسامة، ولفعل النبي صلى الله عليه وسلم، أن يخص شهر شعبان بشيء من زيادة الطاعات والقربات؛ لأنه شهر يغفل عنه الناس، فأراد أن يصوم. ومن ذلك أراد أن يصوم النصف الثاني من شعبان، فيقال له على الصحيح: لا حرج من ذلك، أن تصوم، وأن كذلك تتعبد لله عز وجل فيه، ولكن ينتبه هنا أنه لا يخص صيام يوم بعينه، مثل ما يفعل بعض الناس، خصوصا الرافضة والصوفية والباطنية، إذ يخصون صيام النصف من شعبان وقيامه والدعاء فيه والذكر فيه بأحاديث مكذوبة وضعيفة رواية. فقد تقدم معنى أنه لا يجوز تخصيص صيام ولا قيام ولا دعاء ليلة النصف من شعبان؛ لأنه لم يثبت شيء من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. أما إنسان كان يصوم فأراد أن يصوم النصف من شعبان لأنه وافق صيامه كالثلاث البيض، أو أراد أن يصوم الثلاث البيض لا أن يخص النصف من شعبان، فكذلك له أن يصومه، أو أراد أن يقوم كغيره من ليالي شعبان أو ليالي العام، ليس تخصيصا لهذا اليوم بذاته، فله أن يقومه. وأما أن يخصه بشيء من العبادة والطاعة، فإن ذلك من البدع والمحدثات كما سمعنا، عباد الله. ولنعلم عباد الله بعد هذا أننا بحاجة لتعلم العلم الشرعي وسؤال أهل العلم فيما يمر بنا، فليس كل ما يرويه ويحكيه الناس يصح أن ينسب لدين الله عز وجل، ولكل ما يستحسنه الناس فهو حسن في دين الله عز وجل. ولكن العلم بالتعلم، والعلم كما قال ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه: «إنما العلم آية ناطقة، أو سنة ماضية، أو لا أدري». فليس بعد الكتاب والسنة شيء من العلم، أي من العلم الذي يتقرب به إلى الله، وإنما يتقرب إلى الله بما أنزل في كتابه وعلم في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين بكل مكان، وأن يدفع عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم أصلح أحوال المسلمين بكل مكان، اللهم أصلح أحوالهم في اليمن وفي العراق وسوريا وليبيا وأفغانستان وبورما وسائر بلاد المسلمين، يا رب العالمين. اللهم ادفع عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم أصلح إمتنا، ولاة أمورنا، واجعل ولايتك في من خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.