الخطبة بعنوان الممنوع والمشروع من زيارة القبور، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 26 رجب 1444هـ الموافق 17 فبراير 2023م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
في بداية الإسلام، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور حماية للتوحيد، ثم أباحها ليتذكر المسلمون الآخرة ويدعون للمتوفين. زيارة القبور مشروعة لما فيها من تذكير بالآخرة والدعاء للموتى.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، وهناك أربع صور لهذا الفعل تشمل وضع القبور في المساجد وبناء المساجد عليها. هذا النهي يمنع تعظيم القبور والشركيات التي قد تنشأ منها.
يجب على المسلمين اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور، وعدم البناء عليها أو تجصيصها وكتابة الكتابات، وعدم زيارة النساء للقبور. هذه الآداب تحافظ على التوحيد وتجنب الشركيات.
الممنوع والمشروع من زيارة القبور اعلموا عباد الله أن زيارة القبور كانت في أول الإسلام منهيًا عنها، نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم حماية لحم التوحيد وسدًا لذريعة الشر، لما كان الناس حدثاء عهد بإسلام وبقيت فيهم من مخلفات الجاهلية وخرافاتها وشركياتها وثنياتها. نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام عن زيارة القبور حتى لا تبقى تلك الوثنيات والشركيات والخرافات التي كانت قد وجدت قبل إسلامهم. فلما قوي الإسلام وتعلم الناس العقيدة الصحيحة وتمييز بين الصواب والخطأ والممنوع من المشروع، أذن لهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في زيارة القبور، ثم حثهم على ذلك. ليس في الإسلام مساجد يوضع فيها قبور، إنما هذا من سنة أهل الجاهلية، سنة المشركين، حتى اليهود والنصارى، إنما دخل عليهم من الوثنيين من المشركين. وهذا من مواضع التحريف الذي حرفت به دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ﴿إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ﴾. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى شرع لعباده المؤمنين زيارة إخوانهم ممن سبقهم من أهل الإيمان في قبورهم، ليتذكروا الآخرة وليجعلوا لهم بدعوات صالحة تكون نافعة لهم بإذن الله تعالى. فإن الله سبحانه جعل هذه الدنيا دار ممر لا دار مستقر، وجعلها محلًا للامتحان والابتلاء ولاستزادة المسلم من الأعمال الصالحة والاقوال النافعة التي تنفعه في دنياه وفي آخراه. والإسلام قد شرع لعباد الله أحكامًا وآدابًا لزيارة القبور، وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى، إنه سبحانه وتعالى جعل للناس علمًا وجعل أحكامًا يسيرون بها بما يصلحون به أمرهم في دينهم ودنياهم وفي معادهم وآخراهم. ومن ذلك أنه جعل في الإسلام أحكامًا لزيارة القبور يجب على كل مسلم ومسلمة أن يتعلم من هذه الأحكام ما يميز به بين الصحيح والباطل والصواب والخطأ والزيارة المشروعة من الزيارة الممنوعة. اعلموا أيها المسلمون، اعلموا عباد الله أن زيارة القبور كانت في أول الإسلام منهيًا عنها، نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم حماية لحم التوحيد وسدًا لذريعة الشرك، لما كان الناس حدثاء عهد بإسلام وبقيت فيهم من مخلفات الجاهلية وخرافاتها وشركياتها وثنياتها. نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام عن زيارة القبور حتى لا تبقى تلك الوثنيات والشركيات والخرافات التي كانت قد وجدت قبل إسلامهم. فلما قوي الإسلام وتعلم الناس العقيدة الصحيحة وتمييز بين الصواب والخطأ والممنوع من المشروع، أذن لهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في زيارة القبور، ثم حثهم على ذلك. ففي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». وزاد الترمذي وأحمد بإسناد صحيح كذلك أنه قال عليه الصلاة والسلام: «ولا تقولوا هجرًا، فإنها تذكركم الآخرة». فأفاد هذا الحديث عددًا من الأحكام، أولها اعتناء هذا الدين العظيم بحماية حمى التوحيد وسد ذرائع الشرك، إذ كانت زيارة القبور في أول الإسلام ممنوعة لأجل حماية حمى التوحيد وسد ذريعة الشرك لما كان منتشرًا من أنواع الخرافة ومظاهر الشركيات والوثنيات في عدد من المقابر في ذاك الزمان. فلا توجد مقبرة إلا وفيها وثن يعبد مع الله ومن دون الله سبحانه وتعالى، وكانت زيارات شركية يعودونها بين الحينة والفينة. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل تلك الزيارات الشركية التي كانوا يقومون بها. وأفاد الحديث كذلك أنه متى ما قوي التوحيد وانتشر العلم، فإنه يؤذن للناس بزيارة القبور. ولهذا قال غير واحد من أهل العلم أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن زيارة القبور فيها تفصيل. فإن كانت المجتمعات فيها من الشركيات والوثنيات والخرافات والخزعبلات وكثرة مظاهر الجاهلية، فينبغي على ولي الأمر أن يمنع الناس من زيارة القبور، وأن يقيد ذلك بالشروط والقيود التي يكون بها حماية حمى التوحيد وسد ذرائع الشرك، حتى يسلم الناس من تلك الشركيات والوثنيات والخرافات والخزعبلات. أما إذا ثبت فيهم العلم والسنة والتوحيد والعقيدة الصحيحة، فإنه يؤذن لهم بزيارة القبور. ومع ذلك ينبه على أن لا يقال في هذه الزيارة إلا الحق، ويترك الباطل. ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقال هجرًا، أي لا يقال بأي قول فيه منافى للعقيدة الصحيحة والإسلام وما تعلمه الناس من التوحيد والسنة. وكذلك أن يعلم الناس أن من حكمة الله عز وجل في زيارة القبور أمران اثنان: الأمر الأول أن يتذكر الزائر فيكون ذلك كاسرًا لنفسه الأمارة بالسوء وشهواته وخواطره، بأن يتذكر أنه راحل من هذه الدنيا لا محالة، فيدفعه ذلك إلى الإحسان في عمله وإصلاح أمره ومسارعة توبته إلى ربه وخالقه سبحانه وتعالى. والأمر الآخر أن يكون فيه كذلك دعوة لأصحاب القبور، كما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾. هذا الذي ينبغي أن يكون، أن يدعو الحاضر للسابق، يدعو المسلم لمن سبقه في الإسلام والإيمان. وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة وغيرها أن من جاء وزار القبور يسلم عليها ويدعو لأهلها، فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون وإن إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية». فأهل القبور يفتقرون لدعاء من بعدهم من المؤمنين، ومن باب أولى من قراباتهم وأهلهم ومحبيهم أن يدعو لهم، فإنهم يحتاجون لهذه الدعوات. فلذلك شرعت هذه الزيارة في الإسلام لهذا المقصد العظيم. ومع ذلك جاءت آداب كثيرة حماية لحم التوحيد وسدًا لذريعة الشرك في زيارة هذه القبور. وهكذا كذلك آداب أخرى في إعطاء أهل القبور حقوقهم من الدعاء لهم وعدم الاعتداء عليهم بأي نوع من أنواع الاعتداءات والتعديات. ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تتخذ المساجد قبورًا، والقبور مساجد. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في متفق الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وفي رواية: «اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد». فنهى النبي صلى الله عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. بل قالت عائشة رضي الله عنها وارضاها بعد أن ذكرت الحديث: «ولولا ذلك لأبرز قبره عليه الصلاة والسلام». ومعناه أن هذا الحديث أفاد مسائل عدة. من أول ما أفاد هذا الحديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد. وصوره أربع: أولها أن توضع القبور في المساجد، فهذا محرم في الإسلام. ليس في الإسلام مساجد يوضع فيها قبور، إنما هذا من سنة أهل الجاهلية، سنة المشركين، حتى اليهود والنصارى، إنما دخل عليهم من الوثنيين من المشركين. وهذا من مواضع التحريف الذي حرفت به دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ولهذا لم يقبل الله عز وجل من اليهود والنصارى دينهم، لأن دينهم ملئًا بأنواع من التحريفات عما جاءت به رسلهم عليهم الصلاة والسلام. فمن الخطأ أن نقول: أن اليهودية دين موسى، بل موسى كان مسلمًا موحدًا عليه الصلاة والسلام، اليهودية دين اليهود، وهم من حرف دين موسى عليه الصلاة والسلام، فهو دين محرف، موسى عليه الصلاة والسلام بريء من دين اليهودية ومن دين اليهود، لأنهم غيروا وبدلوا وحرفوا. ولهذا بعث بعده عيسى عليه الصلاة والسلام ليرد الناس إلى العقيدة الصحيحة والتوحيد والعلم الذي أراده الله عز وجل. فعاد اليهود عيسى عليه الصلاة والسلام وأرادوا قتله، وقصة عيسى عليه الصلاة والسلام معروفة عند أهل الكتاب فضلًا عند أهل الإسلام. فرفعه الله عز وجل إليه، وبقي طائفة من النصارى على التوحيد والعقيدة حتى تتابعت بهم السنون فحرفوا عقيدتهم ودينهم كذلك، فصار دين النصرانية الذي هو كذلك دين محرف. ومن الخطأ أن ننسب النصرانية دينًا لعيسى عليه الصلاة والسلام، بل عيسى عليه الصلاة والسلام بريء من دين النصارى، لأنه دين محرف حرف في جوانب كثيرة في باب العقيدة والعبادات والمعاملات والأخلاق وغير ذلك. فعلوا مثل ما فعل اليهود، وسلكوا سبيلهم وطريقهم. ومن ذلك تلك الوثنيات التي دخلت عليهم من وثنيات أهل اليونان وغيرهم من الوثنيين في زمانهم ومكانهم في ذاك الزمان. ومنه هذه المسألة: اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، فإن هذا من سنة الوثنيين التي دخلت على أهل الكتاب، فكان دينًا محرفًا. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم محذرًا مما صنعوا: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر ما صنعوا عليه الصلاة والسلام، وأن لا يصنع مثله في الإسلام. والصورة الثانية من صور اتخاذ القبور مساجد: أن تبنى المساجد على القبور أو بجانب القبور أو كذلك في قبلتها القبور، كل هذا من مظاهر الوثنيات والشركيات التي كان عليها أهل الجاهلية، وظل فتبعهم على ذلك من ظل من أهل الكتاب. فحذر النبي صلى الله عليه وسلم أهل الإسلام أن يصنعوا مثل ما صنع أولئك. والصورة الثالثة من صور اتخاذ القبور مساجد: أن يفعل أي عبادة من العبادات عند تلك القبور، فإنها من مظاهر الشركيات والوثنيات المحرمة، وهو يدخل في اتخاذ القبور مساجد، ويؤكده ويدل عليه نهي النبي صلى الله عليه وسلم على أن يترك المسلم صلاة النافلة في بيته، وأن لا يجعل بيته قبورًا، يعني خاليًا من الصلاة. وفي هذا دليل على أن المقابر لا يجوز أن يصلى فيها، ولا أن يفعل فيها أي عبادة من العبادات. فلا يجوز الاجتماع الجماعي بقيام الأجعية وقراءة القرآن، وهكذا قراءة كتب السيرة أو غير ذلك. ومنه كذلك الصلاة عند تلك القبور، كل هذا من معاني الوثنيات والشركيات التي حرمها الإسلام. والصورة الرابعة: أن تدعى هذه القبور فتجعل قبلة للدعاء. وللأسف تجد عند بعض الفرق الضالة التي تنتسب للإسلام مزورًا وكذبًا من الباطنية والصوفية والرافضة، يجعلون الأحاديث المكذوبة والموضوعة في فضل الصلاة في المساجد التي فيها قبور أو عند القبور، أو تجعل بعض القبور في قبلة تلك المساجد، أو يدعى عند بعض تلك القبور، زعمًا منهم أنهم يطلبون من أصحابها الشفاعة عند الله سبحانه وتعالى، وخصوصًا ما يفعلونه مع من زعموا أنهم من الأولياء والصلحاء. وهذا من الشركيات والوثنيات التي حذر منها نبينا صلى الله عليه وسلم. ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: «ولولا ذلك أي هذا النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم لأبرز قبره»، يعني لجعل قبره مع المسلمين، ولكنه قبر في حجرته عليه الصلاة والسلام، وفي المكان الذي مات فيه، حماية لحم التوحيد وسدًا لذريعة الشرك، حتى لا يعظم قبره أحد في أي زمان من الأزمنة، فيأتيه فيدعوه أو يبني عليه أو يجعل له من الزيارات الوثنية والشركية. فحماية لحم التوحيد حمي قبره عليه الصلاة والسلام، بجعله في حجرته، وفي حراسة الصحابة وحفظهم، حماية لحم التوحيد وسدًا لذريعة الشرك. ولا ينافيه أن الصحابة كذلك دفنوه بمكان الذي مات فيه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الأنبياء يدفنون حيث ماتوا». فإن الله عز وجل أراد لي قبره عليه الصلاة والسلام الحماية، حمايةً للتوحيد وسدًا لذريعة الشرك. فأماته عليه الصلاة والسلام في مكانه الذي هو فيه، في حجرته عند عائشة رضي الله عنها وارضاها، لأجل أن يحمى قبره من أن يكون وثنًا يعبد. ويؤكد هذا أن الله استجاب دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم، حيث كان يدعو: «اللهم لا تجعل قبر وثنًا يعبد»، فاستجاب الله دعاءه عليه الصلاة والسلام، فأماته في حجرته لأجل أن يدفن في حجرته، فيحفظ قبره الشريف عليه الصلاة والسلام من أن يكون عنده ومعه شيء من المظاهر الشركية والوثنية. وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى على رسوله عليه الصلاة والسلام، إذ استجاب دعاءه، وفضل الله سبحانه وتعالى على أهل الإسلام. فاحذروا أيها المسلمون أن تدخل مثل هذه الوثنيات والشركيات في المجتمعات المسلمة، فكل ذلك محرم في دين الإسلام. ومن هذه الآداب كذلك عباد الله: أن لا يجعل في المقابر أو في القبور شيء من مظاهر التعظيم مما يكون فيه فتنة لغيرهم من الناس. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبنى على القبور، أو أن تجصص، أو أن يسرج عليها، أو أن يكتب عليها، كما جاء بحديث جابر بإسناد حسن، وجاء موقوفًا مرفوعًا، والموقوف له حكم المرفوع. فإن هذه الأحاديث فيها النهي عن هذه الأمور، والشرع يلحق بها ما كان مثلها أو أعظم منها. والمقصود من هذا النهي: أن لا تقع الفتنة بتعظيم بعض القبور بأي أنواع التعظيم. من ذلك أن يبنى عليها، فإن البناء عليها سبب للإفتتان بها وتعظيمها، وكان هذا من سنة أهل الجاهلية. وكذلك أن يوضع عليها التصاوير، كما في حديث أم حبيبة، كذلك أنها حكت للنبي صلى الله عليه وسلم ما رأت في أرض الحبشة، فقال: «أولئك شرار الخلق، إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح اتخذوا على قبره مسجدًا، وجعلوا تلك التصاوير». «أولئك شرار الخلق عند الله تعالى». فحذر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبنى على القبور أو يجعل عليها التصاوير. ومن ذلك تجصيصها، أي تزينها بالجص، والجص معروف. ومن ذلك الكتابة عليها بأي نوع من أنواع الكتابات، أو تزينها بأي نوع من أنواع التزجين، سواء بالأشجار أو بغيرها. ومن ذلك الإصراج عليها، سواء أكان بشمع كحال أهل الكتاب ومن ضل، فإنهم يسرجون على قبورهم بالشمع وغيره، أو كان بغيره من أنواع السرج، فكل هذا منهي عنه بالإسلام، حماية لحم التوحيد وسد لذريعة الشرك. وهكذا عباد الله، من ذلك نهي الإسلام كذلك عن شد الرحال إلى القبور، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد هذا -يعني مسجده صلى الله عليه وسلم- والمسجد الأقصى». فلا يجوز زيارة القبور بسفر، حتى ولو كان قبر النبي صلى الله عليه وسلم. إذا أردت أن تزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم، اجعل نيتك زيارة مسجده صلى الله عليه وسلم، فإذا وصلت زرت قبره عليه الصلاة والسلام تبعًا. أما أن تجعل نيتك في السفر في زيارة القبر، فإن هذا من المحرم في الإسلام، حماية لحم التوحيد وسد لذريعة الشرك. فكيف بعد ذلك يكون حال ما نراه اليوم من حرص الناس من جعل هذه الزيارات الشركية -ما يسمى بزيارة هود وزيارة الولي فلان والولي فلان- العيدروس والمحضار وفلان وفلان، كلها زيارات شركية تعيد تلك الوثنيات والخرافات التي نهى عنها أهل الإسلام. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا بموجب شرعنا، وأن يفقهنا بموجب ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. ﴿إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ﴾. أما بعد، عباد الله، وإن من الآداب التي أرشد إليها ديننا دين الإسلام في زيارة القبور: ألا تزور النساء القبور، وذلك حماية لهن ألا يفتن، ولا يفتن، فإن النساء ضعيفات لا يصبرن على مثلي هذا الحدث. فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم النساء عن زيارة القبور، وتصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه لعن «زوارات القبور». وفي روايات: «بالضم زوارات القبور»، أي التي يكفرن من زيارة القبور، أو التي يكون من وصفها زيارة القبور. وذلك أولًا لأنها ضعيفة قد لا تتمالك نفسها، فتفعل بنفسها ما لا يجوز أن تفعله إذا أتت إلى المقبرة، من شق الجيوب وضرب الخدود والدعاء بدعوة الجاهلية والصراخ والبكاء ونحو ذلك. فإن المرأة ضعيفة لا تملك نفسها، ولا تتمالك بعواطفها. وثانيًا: حماية لها أن لا يعتدي عليها أحد، فالغالب أن القبور خالية، والمرأة بضعفها إذا أذن لها لم تبالي أن تذهب في ليل أو نهار، لغلبة العاطفة عليها، فيكون ذلك مظنة الخطر عليها. فحماية لها وصيانة لها حرم الإسلام أن تذهب النساء إلى القبور. وهكذا كذلك من تلك الآداب: أن يعطى أهل القبور حقوقهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كسر عظم الميت ككسره حيا». فإن الميت يتأذى كما يتأذى الحي. ومن ذلك أنه لا يجلس على القبور، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لأن يجلس أحدكم على جمر فيصلى إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر». وهكذا النهي أن يمشي الإنسان بين القبور بالنعال، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا صاحب السبتيتين قد آذيت». فنهاه وأمره بخلع نعليه ألا يمشي بين القبور بالنعال. وصح عند الترمذي وأحمد بإسناد حسن من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لأن يمشي أحدكم على جمر أو على سيف خير له من أن يمشي على قبر». كل هذا تعظيمًا لأهل القبور. ومن ذلك: أن لا يذكروا الأموات إلا بخير، ولا يذكرون بسوء، لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وغير ذلك من الآداب الكثيرة التي يحتاج المسلم أن يتفقهها، وأن يقرأ كلام أهل العلم فيها، لأجل أن نميز بين الزيارة الممنوعة والزيارة المشروعة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا ويحفظ بلادنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم أصلح لنا حوادث المسلمين بكل مكان. اللهم أصلح لنا في اليمن وفي سوريا والعراق وسائر بلاد المسلمين. اللهم ادفع عن بلاد المسلمين الزلازل والمحن والفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم اغفر لموتانا وموتى المسلمين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، ورد كل غائب من المسلمين يا رب العالمين. اللهم أصلح أمتنا ولاة أمورنا، واجعل ولايتك فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك. والحمد لله رب العالمين.