زيارة هود في ميزان الشرع

الخطبة بعنوان زيارة هود في ميزان الشرع، والتي كانت بدار الحديث بالشحر 10 شعبان 1444هـ الموافق 3 مارس 2023م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية التمسك بالدين الصحيح وتحذير النبي من مخالفة أمر الله

يؤكد الشيخ على أهمية التمسك بالدين الإسلامي الصحيح ويحذر من الابتداع، ويشرح تحذير النبي لأمته من مخالفة أمر الله ورسوله. يشير إلى أن الناجين من النار قليلون وأن الطائفة المنصورة تتمسك بما كان عليه النبي.

تحذير الأنبياء والمسلمين من الشركيات والوثنيات

يتناول المقطع تحذير النبي والأنبياء السابقين من الشركيات والوثنيات، ويشرح كيف نهى الإسلام عن زيارة القبور وتعظيمها. ينتقد بعض الممارسات الحديثة التي تشابه الشركيات مثل زيارة قبر نبي الله هود.

حماية الإسلام للتوحيد وسد ذرائع الشرك

يشرح كيف حرص النبي على حماية التوحيد وسد أبواب الشرك من خلال أحاديث نبوية، مثل منع بناء القبور وتزيينها ومنع زيارتها. يبرز أمثلة من حياة الصحابة والتابعين في تدعيم ذلك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، و الله عز وجل، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى أرسل لنا رسوله صلى الله عليه وسلم ليخرجنا به من الظلمات إلى النور، فإن الله سبحانه وتعالى الحكيم العليم الذي خلق الخلق سبحانه، علم ما يصلحهم، فلم يتركهم سبهللا، بل أرسل إليهم رسلًا وبعث فيهم كتبًا، وجعل لهم شريعةً ودينًا، وختم هؤلاء الرسل برسالة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وختم الديانات بدين الإسلام الذي لا يقبل دينًا سواه، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ولذلك، عباد الله، كان لأهل الإسلام في هذا الدين العظيم ما يغنيهم ويكفيهم عما سواه مما في الأرض من أديان، وعما سواه مما في الأرض من قوانين وأنظمة، فإن الله عز وجل أكمل لأهل هذا الدين دينهم، وأكمل لأهل هذا الدين شرعهم، فإنهم يستغنون به عما سواه، كما قال الله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. وكما روي عن عمر وغيره، وجاء عن عدد من الصحابة والتابعين، وروي عن الإمام مالك رحمه الله تعالى، أنه كان يقول: «ما لم يكن يومئذ دينًا فلن يكون اليوم دينًا»، فالدين هو دين الله الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم، فالواجب على أهل الإسلام أن يتمسكوا بهذا الدين الذي بعث به ربنا محمد صلى الله عليه وسلم وختم به الأديان. فما لم يكن دينًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلن يكون دينًا لنا أبدًا بعده عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم مبينًا أنه سيحصل بعده من التغيير والتبديل والتحريف والتعطيل، محذرًا أن يكون في هذه الأمة من يتابع هؤلاء المغيرين والمبدلين والمعطلين والمحرفين لدين الله سبحانه وتعالى. كما جاء في السنن من حديث العرباض رضي الله عنه وأرضاه، وفي أوله أن النبي صلى الله عليه وسلم وعظهم موعظةً درفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقالوا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا، قال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجد، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار». فقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»، أي عليكم بطريقي ومنهجي وديني الذي كنت عليه أنا وأصحابي، تمسكوا به، فهذا تفسيرٌ لقول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾، وهذا تفسيرٌ لقول الله عز وجل: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. فإن النبي صلى الله عليه وسلم يبين ويفسر القرآن، ففي هاتين الآيتين يبين ربنا سبحانه وتعالى أن الدين الصواب والحق الذي يوزن به حال الناس من بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فيعلم المصيب من المخطئ والمحسن من المسيء، هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم أرضاهم. وفي مسند الإمام أحمد، والسنَّة لابن أبي عاصم، عن عبد الله بن عمر بن العاص، بإسنادٍ صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». وفي رواية معناها صحيح، ويحسنها بعض أهل العلم، سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، فقال عليه الصلاة والسلام: «هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي». ولهذا تضافرت الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتحذير من البدع والمحدثات في دين الله عز وجل، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». وفي مسلم عنها رضي الله عنها وأرضاها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، أي مردود عليه. وبه نعلم، أيها المسلمون، أن من أعظم الأمور التي يجب أن يعلمها المسلم، وأنها الفاصل بين أهل الحق والباطل، وأهل الصواب من الخطأ، بل والفاصل بين أهل التوحيد والشرك، وأهل الإيمان والكفر، وأهل التقوى من أهل الإثم والشقاء، ذلك هو التمسك بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في عقيدته، وفي عبادته، وفي معاملته، وفي أخلاقه وسلوكه. وعند ذلك فقار ما عليه الناس في هذا الزمان في عقائدهم، وفي عباداتهم، وفي معاملاتهم، ومنهاجهم، وأخلاقهم، وسلوكهم، فمن وافق ما هو عليه النبي صلى الله عليه وسلم عقيدةً وعبادةً ومنهاجًا وسلوكًا ومعاملةً وأخلاقًا، فهو الذي على الصواب والهدى، ومن كان ليس كذلك، فهو الذي على الخطأ والردى، ويخشى عليه من خسارة الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. تأملوا، عباد الله، تأملوا، عباد الله، حال الكثير من الناس في هذا الزمان، أين هم من اتباع النبي صلى الله عليه وسلم علمًا وعملًا، ظاهرا وباطنا، عقيدةً وعبادةً ومعاملةً وأخلاقًا وسلوكًا؟ فعند ذلك تعلم معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وستختلف أو ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة»، أي أن الناجي واحد من ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. وفي الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقال لآدم يوم القيامة: أخرج بعث النار، فيقول آدم عليه السلام: وما بعث النار؟ قال: فيقول الله عز وجل: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين نفسًا»، فكبر ذلك على الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم، إذ فهموا من الحديث أنه لا ينجي من كل ألف إلا واحد فقط. فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أينا ذلك الواحد من ذلكم الألف؟ ثم ذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم ما عليه الأمم، ويأجوج ومأجوج، أي أن الهالكين من الأمم، ومن يأجوج ومأجوج كثير، وهكذا من هذه الأمة، والناجون هم قليل. وهؤلاء الناجون هم الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، ففي صحيح مسلم، وعند الإمام البخاري، من حديث ثوبان ومعاوية رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك». فالطائفة المنصورة، والفرقة الناجية، هم الذين يتمسكون بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وهم قليل من كثير، وعند ذلك تعرف أن الحق لا يعرف بالكثرة، ولكن الحق يعرف بالصواب، وموافقته وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ومتابعته. ولهذا يحذرنا ربنا جل وعلا من الاغترار بالكثرة، فيقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، أي الذي يشكر الله قليل، الذين يشكرون الله قليل وليسوا كثيرًا. ويقول الله عز وجل: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي أن أكثر من في الأرض هم ممن يضل عن سبيل الله، وليس ممن يهدي إلى سبيل الله. فإذا علمت ذلك، اعلم، أيها المسلم، أنه لا ينبغي أن يشوش عليك كثرة أهل الباطل، فإن النار تطلب الكثير، فإن النار تطلب الكثير، والذين خرجوا عن الدين القويم والصراط المستقيم كثير بالنسبة للذين اتبعوا ما جاء به نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم. وثبت في الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «يأتي أصحابي يوم القيامة، وفي رواية: أمتي، أعرفهم بمواضع الوضوء»، قال: «فإذا هم يردون علي الحوض، فتطردهم الملائكة، فأقول: أمتي، أمتي، وفي رواية: أصحابي، أصحابي»، فتقول له الملائكة: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم غيروا وبدلوا»، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأقول: سحقًا سحقًا لمن غير وبدل». وفي صحيح مسلم، من حديث جابر بن عبد الله، ومعناه في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا، فجعل الجنادب والجراد يقعن فيها، وأنا آخذ بحجزكم من النار، وأنتم تفلتون من يدي». ضرب النبي صلى الله عليه وسلم هذا المثل العظيم، مثل عملي في حال ما بعث به عليه الصلاة والسلام، وحال الناس معه، قال: «مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا»، أي رجل أشعل نارًا في ظلمة شديدة في الليل، «فجعل الجنادب والجراد»، أي الحشرات التي تكون في الليل، تهوي إلى هذه النار، تظنها أنها نور وفرجة، فيتساقطون في هذه النار، وهذا الرجل من رحمته وشفقته بهذه الحشرات والطائرات التي تطير في الليل، يدفعها، لا يريدها أن تحترق في هذه النار، وتأبى هذه إلا أن ترمي نفسها في النار فتحرق نفسها. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأنا آخذ بحجزكم»، أي أنا حريص على أن لا تقعوا في نار جهنم، بمخالفة أمري والخروج عن الدين الذي بعث به، وثلَّمَ ذلك من شدة حرصه وتمسكه، أنه ماسك للناس من ربطة الوسط، وهي الحجزة، قال: «وأنتم تفلتون من يدي»، ومعناه أن الكثير من الناس قد بلغته الرسالة، ووصلته الأمانة، ومع ذلك يأبى إلا أن يرمي نفسه في نار جهنم، بما كان من مخالفته لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، بالصحيح، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم يدخل الجنة إلا من أبى»، قالوا: «ومن يأبى يا رسول الله؟» قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى»، من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى. فإذا علمنا ذلك، عباد الله، فلنعلم أن من خالف ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل العقيدة، أو العبادة، أو المعاملة، أو المنهاج، أو السلوك، أو الأخلاق، فإنه عاصٍ لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ويخشى عليه من نار جهنم. ويقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. جاء عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، أنه تلا هذه الآية، ثم قال: «من اتبع الهدى فقد نجا، ومن خالف الهدى فقد شقا»، ثم قال: وتلا هذه الآية: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي المؤمنين الأولين، وهم الصحابة المذكورون في الآيات الأخرى: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ﴾، أي وله الله ما تولى من طريقه الذي اخترعه، ودينه الذي أحدثه، ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. وفي مسند الإمام أحمد، بإسناد صحيح، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطًا مستقيما، وخطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: «هذا صراط الله، وهذه سبل الشيطان، على كل سبيل أو طريق شيطان يدعو إليه»، ثم تلا قول الله عز وجل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يفقهنا بأمور شرعنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، بعد إذ سمعنا ما سمعنا، فلنعلم أن ما يحدث الناس بين الحين والآخر، والفينة والأخرى، يُعرض على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما وافقها فهو الصواب، وما خالفها فهو الباطل والضلال الذي حذرنا الله عز وجل منه، ونبينا صلى الله عليه وسلم. وإن مما نراه، وللأسف، ما يحدثه بعض الناس بين الحين والآخر من الزيارات الشركية، وإعادة الاجتماعات الوثنية، هذه الزيارات الشركية والاجتماعات الوثنية التي يقوم بها عباد القبور، ومن يريد أن يعيد سنة الجاهلية، تلك السنة التي نهانا عنها ديننا دين الإسلام، وحرمها نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام. فقد كان أهل الجاهلية لهم من الزيارات الشركية والاجتماعات الوثنية، والإحتفالات ما هو من دين الجاهلية، فكانوا يجتمعون حول الأشجار والأحجار والمشاهد والقباب، وبعض قبور الأنبياء والصالحين. ثم إن الله عز وجل بعث نبيه صلى الله عليه وسلم ليحذر المسلمين من هذه الشركيات والوثنيات، وليكون الناس في عقيدتهم على عقيدة واحدة، بأن يعبدوا الله عز وجل وحده، لا يشركوا معه غيره، لا ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا، ولا صالحًا من الصالحين. وقد أخبرنا الله عز وجل في قصة نوح عليه الصلاة والسلام، كيف أنهم اتخذوا تلك الأوثان لعدد من الصالحين، فصوروا تلك الصور، وجعلوا تلك الأوثان، وعبدوها من دون الله عز وجل، فأرسل الله عز وجل نبيه نوح عليه الصلاة والسلام ليحذرهم من ذلكم الشرك وتلك الوثنية. وهكذا أيضًا ما بعث الله عز وجل من نبي ولا رسول إلا كان مفتتح دعوته قوله سبحانه وتعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. فإذا علمنا ذلك، علمنا أن من يعيد الزيارات الوثنية والاجتماعات الشركية، بأن يحتفي الناس بقبور أنبياء أو صالحين أو غيرهم، يجتمعون عندها، فيعظمونها، ويسألونها مع الله، ومن دون الله، هذا يطلب المدد، وذاك يطلب العافية والشفاء، وذاك يأتي عنده للدعاء، وغير ذلك من الشركيات والوثنيات مما لا يجوز في دين الإسلام، بل هو من مظاهر أهل الجاهلية. وأعظم من ذلك أن تنابذ هذه الزيارات أعظم العبادات، كما هو الحال فيما يسمى بزيارة نبي الله هود، فإنهم جعلوها تضاهي حج بيت الله الحرام، فجعلوا وقت اجتماعها في يوم الثامن من شعبان، كما أنهم يجتمعون في الحج يوم الثامن من ذي الحجة، وجعلوا يوم الوقفة يوم التاسع من شعبان، كما أن يوم الوقفة للحجيج يوم التاسع من ذي الحجة، وجعلوا ثلاثة أيام يجتمعون فيها، تضاهي تلك الأيام الثلاثة التي يجتمع فيها الحجيج في أيام التشريق. وجعلوا نهرًا وماءً زعموا أنه نهر نبي الله هود، يغتسلون ويشربون منه، ينابذون ويزاحمون ماء زمزم الذي تعبدنا الله عز وجل به، وجعلوا مقامًا يصلون عنده ركعتين، كما يصل المسلمون عند بيت الله ركعتين، وجعلوا كذلك مزارًا يطوفون حوله، كما يطوف الناس حول الكعبة، وجعلوا مرمى يرمونه بالجمار، كما أن المسلمين يرمون الجمرات بالجمار. وهكذا جعلوا كذلك موضعًا للدعاء يدعون عنده، كما أن المسلمون يدعون عند بيت الله الحرام، وغير ذلك كثير من هذه الشركيات والوثنيات التي تزاحم العبادة لله سبحانه وتعالى، حتى أنهم سطروا في كتبهم أن الذهاب إلى زيارة نبي الله هود تعدل كذا وكذا حجة، بعضهم يقول: سبعين حجة، وبعضهم ينقص أو يزيد. سبحان الله، قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، أين هذا في كتاب الله، أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن أحد من الصحابة أو التابعين، أو أئمة الدين؟ لا تجدون شيئًا من ذلك، لا في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا عن أحد من أئمة هذا الدين المعروفين. وإنما هي بدع ومحدثات أحدثها بعض السفهاء والجهال ممن ينتسب إلى دين الله كذبًا وزورًا، وتابعهم على ذلك الجهال، وزاد على ذلك بعض المتكسبين بدين الله عز وجل، فقد جعلوا لهذه الزيارات سدنة يتعيشون بهذه الزيارات، كما كان أهل الجاهلية يتعيشون من تلك الزيارات الشركية والوثنية. فإنه كذلك يوجد لهذه الزيارات سدنة يتعيشون منها، كما يتعيش أهل الجاهلية من تلك الزيارات الوثنية، وأعظم من ذلك أنهم شابهوا النصارى بأعظم مما عند النصارى من الشركيات والوثنيات، وذلك ما ظهر في بعض التسجيلات، وأحدهم يتبجح ينقل عن بعض كتبهم، وهو ما يسمى بكتاب «بدل المجهود»، فإنه ينقل عنه أن من أتى إلى زيارة هود، فإن نبيًا -لا يهود كما زعموا- يأخذ ذنوب الناس الزائرين، ويضعها عليه، فيخرجون وقد طهروا من ذنوبهم. وهذه بعينها هي عقيدة النصارى الذين يفعلون ما يفعلون من الذنوب والآثام والشركيات والكفريات، ثم يأتون إلى الكنائس، وإلى صور عيسى عليه الصلاة والسلام، وإلى الصليب، ويزعمون أن عيسى يحمل عنهم ذنوبهم، فيرجعون وقد غسلت ذنوبهم -كما زعموا-. أين هذا في كتاب الله، أو بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كذلك عن أحد من الصحابة والتابعين، أو أئمة الدين؟ إنما هذه الشركيات والوثنيات أتت من ظلال أهل الكتاب، أو دخلت على بعض ظلال المسلمين الذين خلطوا الحق والباطل، وأحدثوا في دين الله عز وجل، فجعلوا مثل هذه الشركيات وهذه الوثنيات وهذه الخرافات والخزعبلات دينًا لله سبحانه وتعالى. والله سبحانه وتعالى بريء من هذا الدين الباطل، ونبينا صلى الله عليه وسلم بريء من هذا الدين الباطل، فضلًا عن غيره مما يفعلونه من الذبح لغير الله، والنذر لغير الله، وغير ذلك من العبادات التي تصرف لغير الله سبحانه وتعالى. فيا معاشر المسلمين، الله الله بالتمسك بهذا الدين العظيم، صافيًا نقيًا، كما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي السنن عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك»، تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. فمن ترك ذلكم الدين الواضح البين، دين التوحيد والسنة، دين العلم والإيمان، دين السنة والقرآن، دين النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، دين التابعين وأتباع التابعين، وأئمة المسلمين المهتدين، فإنه من الأشقياء الضالين، إنه من المحرومين الذين حرموا أنفسهم وأهلهم الصراط المستقيم، والدين القويم الذي به يكون الفوز في الدنيا وفي الآخرة. الله عباد الله، أن يغتر أحد برفقة السوء، ودعاة السوء، وكذلك فرق السوء، أن يجرونه إلى هذه الضلالات، وإلى هذه الشركيات والوثنيات، بأي مسمى من المسميات، فإنهم ربما غيروا المسميات، فسموها زيارة دينية، أو سموها سياحة دينية، أو سموها تاريخًا عريقًا، وغير ذلك من المسميات، كل هذا من الباطل، لا يغير الحقائق، العبر بالحقائق لا بالمسميات. ما فعل هؤلاء لا يبتعد كثيرًا عما فعله المشركون الأولون، إذ قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾، وهكذا يقول هؤلاء: «ما نأتي هؤلاء إلا ليقربنا هؤلاء إلى الله»، فأين الفرق بين العبارتين؟ وأين البرهان بين الجملتين؟ فكلاهما عبارة واحدة، وجملة واحدة، وتنتهي إلى نتيجة واحدة، وهو الشرك بالله والعياذ بالله، وهو المحادة لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثبت في السنن من حديث ثابت بن الضحاك، أن رجلًا نذر أن ينحر إبلًا ببوانة، وبوانة اسم مكان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل: «هل فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟» قالوا: «لا»، قال: «هل فيه عيد من أعياد الجاهلية؟» قالوا: «لا»، قال: «أوفي بنذرك»، فإنه لا وفاء للنذر في معصية الله. تأملوا هذا الرجل أراد أن ينحر إبلًا لله سبحانه وتعالى نذرًا، ومع ذلك لحرص نبينا صلى الله عليه وسلم على حماية حمى التوحيد، وسد أبواب الشرك وذرائعه، سأل هذا الرجل، وسأل من حوله: «هل في هذا المكان...؟» لماذا هذا الرجل يريد أن يخص هذه العبادة في هذا المكان؟ فقال: «هل فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد»، يعني ولو كان من قبل، فقالوا: «لا»، «هل فيه عيد من أعيادهم»، يعني ولو كان من قبل، قالوا: «لا»، قال: «أوفي بنذرك»، ومفهومه أنه إذا كان في ذلكم المكان وثن من أوثان الجاهلية يعبد، ولو كان سابقًا، لمنعه، ولو كان فيه عيد من أعياد الجاهلية، ولو كان سابقًا، لمنعه. لماذا؟ سدا لذريعة الشرك، وإغلاقًا لأبوابه، وحماية لحمى التوحيد، انظروا كيف أن ديننا دين الإسلام سد ذرائع الشرك بجوانب كثيرة. فهذه صلاة الجنازة لم يشرع فيها الركوع والسجود، حماية لحمى التوحيد، وسدًا لذريعة الشرك، حتى لا يسجد لغير الله سبحانه وتعالى، فلا يظن ظان أن هذا الركوع والسجود لهذا الميت، ولكن كانت الصلاة على الأموات قيامًا، ليس فيها ركوع، وليس فيها سجود. ومن حماية الإسلام لحمى التوحيد، وسدًا لذريعة الشرك، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبنى على القبور، أو تجصص، أو يكتب عليها، أو كذلك تزين، أو يسرج عليها، كل هذا حماية لحمى التوحيد، وسدًا لذريعة الشرك. بل إن النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام، لما كانت الشركيات كثيرة، والناس حدثاء عهد بإسلام، منعهم من زيارة القبور، منعهم من زيارة القبور مطلقًا، لا يجوز لمسلم أن يذهب إلى المقابر ويزور القبور، حماية لحمى التوحيد، وسدًا لذريعة الشرك. فلما قوي دين المسلمين، وقويت عقيدتهم، قال عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم وغيره، من حديث أبي هريرة: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة». وجاء في الصحيحين، من حديث عائشة رضي الله عنها، ومعناه بصحيح مسلم، من حديث جندب، وابن عباس، وجماعة من الصحابة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم -وفي رواية: وصالحيهم- مساجد»، قالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: «يحذر ما صنعوا»، يعني ألا يقع في هذه الأمة ما وقع عند اليهود والنصارى. قالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: «ولولا ذلك لأبرز قبره صلى الله عليه وسلم»، يعني لولا هذا النهي من النبي صلى الله عليه وسلم، لأخرج الصحابة قبر النبي صلى الله عليه وسلم في مقابر المسلمين، لكنه قبر في المكان الذي مات فيه، لعدة أمور، منها هذا الحديث، حماية لحمى التوحيد، وسدًا لذريعة الشرك، حتى لا يغلو أحد في قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فيعبده من دون الله، أو يدعوه مع الله. وقد كان يدعو عليه الصلاة والسلام، ومن دعائه: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد»، فاستجاب الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، فعلى عظيم منزلته، لم يُعبد قبره صلى الله عليه وسلم، حماه الله بما كان من تصرف الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إن الأنبياء يُدفنون حيث ماتوا»، فاصطفاه الله واختاره، حماية لجسده ألا يُعبد من دون الله، وألا يُشرك به، أن يموت في حجرة عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ليدفن فيها. فعند ذلك اجتمعت هذه الخصال، فكان ما كان من حماية قبر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُعبد من دون الله، وثبت عن الصحابة رضي الله عنهم، في زمان عمر رضي الله عنه، أنهم لما قاتلوا الفرس، وجدوا جسد رجل يعظمه الفرس، كانوا إذا أرادوا أن يستغيثوا، أو أن يطلبوا المطر، يُخرجون جسده، وله ثلاثمائة سنة، لم يتغير جسده، يُقال له: دانيال، وكان نبيًا من الأنبياء، كما هو مكتوب في كتب أهل الكتاب. فأخبر الصحابة عمر رضي الله عنه، ما يصنعون بجسد هذا الصالح الذي افتتن به أهل الفرس، فكانوا يدعونه من دون الله، ويعبدونه من دون الله، ويستغيثون به، فيخرجون به إلى الفلاة، فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: «احفروا له عدة حفر، فإذا كان في الليل فادفنوه، حتى لا يعرف مكانه أحد»، ففعل الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم، فحفروا حفرًا كثيرًا، فلما كان في المساء دفنوه، فأصبح الناس يبحثون عن قبر دانيال، فلم يجدوه. وكان بفعلهم هذا سدًا لذريعة الشرك، وحمايةً لحمى التوحيد، حتى لا يفتتن الناس بقبر هذا النبي، أو الرجل الصالح، وهكذا قال العلماء: إذا كان عالمًا من العلماء، يخشى الفتن به، فإنه ينبغي أن يعمى قبره، حتى لا يفتتن الناس بقبره، ولا يعبد من دون الله سبحانه وتعالى. ولهذا نضائر كثيرة، عباد الله، في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي حياة الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يردنا إلى الحق ردًا جميلًا، وأن يدفع عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين في كل مكان. اللهم أصلح إمتنا، وولاة أمورنا، واجعلنا من خافك واتقاك و