كيف ننصر الأقصى

الخطبة بعنوان كيف ننصر الأقصى، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 9 شوال 1442هـ الموافق 21 مايو 2021م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أسباب النصر والتمكين في الإسلام

التمسك بدين الله والإعتصام بكتابه وسنة رسوله سبب رئيسي للنصر والتمكين، كما أن الرجوع إلى الله ودينه يحقق العزة للأمة الإسلامية. تاريخ أهل الإسلام يشهد على التمدد والتمكين عند التمسك بدينهم.

أهمية الوحدة والابتعاد عن الفرقة

النصر يتحقق بالوحدة والاجتماع والابتعاد عن الفرقة والتفرق، بينما تأتي الهزيمة نتيجة للتفرق والخيانة ووجود أهل البدع والأهواء الذين يعينون الأعداء على المسلمين. يجب التمسك بدين الله وسنة رسوله لتحقيق النصر.

دعاء للمسلمين بالحفظ والصلاح

الدعاء يحث على حفظ المسلمين من الفتن وإصلاح أمتهم وتوجيه الولاية لمن يتقي الله. يتضمن طلبًا لدرء الفتن وإصلاح الأمة وعدم معاقبتها بسبب أفعال السفهاء، وينتهي بحمد الله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. نحمد تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى أجرى سبحانه وتعالى سنته في هذه الدنيا في الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل، وقد جعل جل وعلا في هذا الصراع سننًا كونية وأخرى شرعية يكون بها الظفر تارةً وتارة. عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى إن نصر نصر بفضله، وإن خذل خذل بعدله سبحانه وتعالى. ولذلك قد يبتلي سبحانه وتعالى أهل الحق أحيانًا بخذلانٍ أو بعدم نصرٍ بسبب تقصيرٍ من بعضهم. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم، مبينًا هذه السنة وهذه الحقيقة في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾. عباد الله، إن الله جل وعلا جعل للنصر أسبابًا وجعل للخذلان أسبابًا. فمن أخذ بأسباب النصر نصره الله، ومن لم يأخذ بها خذله الله سبحانه وتعالى. ولذلك فإن من أعظم أسباب النصر التي بيّنها الله عز وجل في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، أن يعتصم المسلمون بالله جل وعلا، أن يعتصم المسلمون بكتاب الله جل وعلا، أن يعتصم المسلمون بسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. متى اعتصم المسلمون بكتاب الله، متى ما تمسكوا بدين الله، متى ما تمسكوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، نصرهم الله سبحانه وتعالى. وهكذا من تتبع التاريخ على طوله، من أوله إلى آخره، إلى زماننا هذا، فترة فترة وحقبة حقبة، ودولة دولة، يجد هذه السنة وهذه الحقيقة ماضية في هذه الدنيا. وهذه سنة الله سبحانه وتعالى، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، ولن تجد لسنة الله سبحانه وتعالى تحويلًا. فإذا كان كذلك، فلنعلم عباد الله أن حقيقة قوة هذه الأمة إنما هو بتمسكها بكتاب ربها وبسنة نبيها صلى الله عليه وسلم، باعتصامها بالله جل وعلا وبدينه وبشرعه. فهذه هي حقيقة قوة هذه الأمة. ولهذا فإن الله عز وجل نصر نبيه صلى الله عليه وسلم وقد خرج من مكة مهاجرا وحيدًا عليه الصلاة والسلام في أمة قليلة. وما مرت السنون القليلة إلا وجاء النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه في عام الفتح معززًا مكرمًا، نصره الله عز وجل نصرا عظيما كبيرا. هذه سنة الله سبحانه وتعالى. وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة، هذه سنة الله سبحانه وتعالى. إن السنن الكونية التي أجراها الله عز وجل وجعل معها أسبابًا للنصر، قد يكون منها الإعداد والعدة، وهو أمر مطلوب. ولكن حقيقة النصر وأعظم أسباب النصر أن يعتصم أهل هذا الدين بدين الله عز وجل. هنا تكمن قوتهم، وهنا يكون أمر عزتهم. ولهذا نصر الله عز وجل أهل هذا الدين في أول الأمر لما كانوا بهذه القوة الحقيقية، ولما كانوا بهذه الصفة الصادقة، نصرهم الله عز وجل، فبلغ ملك أهل الإسلام ما لم يملك ملك ولا دولة في تاريخ البشرية كلها. بلغ ملك أهل الإسلام أقصى الشرق شرقًا، وأقصى الغرب غربًا، وأقصى الشمال شمالًا، وأقصى الجنوب جنوبًا. لا يعرف في تاريخ البشرية دولة ملكت ملك ما ملكه أهل الإسلام في تاريخ البشرية جميعًا. إذا تأملنا ما هو سبب ذلك، إن السبب الأعظم هو التمسك بدين الله عز وجل. فإذا تمسكنا بدين الله عز وجل أعزنا الله عز وجل، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: «إن الله عز وجل أعزنا بهذا الدين، فمتى ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله، متى ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله». هذه سنة الله سبحانه وتعالى. وقضية الأقصى، عباد الله، وقضية فلسطين، من القضايا العظيمة التي يتألم لها أهل الإسلام، وتحزن لها القلوب، وتدمع لها العيون، ويكون ما يكون معها من الأججان، وهي من المآسي بمكان. قضية آلمت الجميع، آلمت الراعي والرعية، آلمت القريب والبعيد، آلمت كل منصف وكل عادل. ولكننا مع مرور هذه السنون، تمر علينا السنون سنةً فسنة، وتمر علينا تلك المآسي مأساة بعد مأساة، وقضية خلف قضية. وهكذا نتألم ونحزن، ولكن من أين يأتي الفرج؟ من أين يأتي النصر؟ إنه لن يأتي إلا من الله سبحانه وتعالى. عباد الله، إنه لن يأتي إلا من الله سبحانه وتعالى. أعزنا الله عز وجل بهذا الدين، فمتى ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله سبحانه وتعالى. إن الذي مكن أهل الإسلام من هذه الأرض المقدسة يومًا كانت تحت يد اليهود، ثم كانت تحت يد النصارى، فصارت بعد ذلك في يد أهل الإسلام. مكن الله أهل الإسلام من هذه الأرض المقدسة بعد أن كانت أرضًا تتداول بين اليهود والنصارى، يتحاربون عليها ويتنازعون بها، ويسفك بعضهم دم بعض، ويقتل بعضهم بعضًا، ويذل بعضهم بعضًا. فمكن الله عز وجل أهل الإسلام، فكان فيها العدل الذي لا تعرفه البشرية. اقرأوا سورة الإسراء، أين منزلت الأقصى عند أهل الإسلام؟ اقرأوا السير والتاريخ حين دخل عمر رضي الله عنه وأرضاه إلى بيت المقدس، ماذا صنع؟ وكيف كان النصر؟ وماذا كان بعد النصر؟ وكيف كان حال الناس في المسجد الأقصى وما حوله قبل هذا النصر؟ لنعرف أن النصر الحقيقي لا يكون إلا بهذا الدين، وبالتمسك بالله عز وجل العظيم، وبالرجوع الصادق إلى ثوابتي وحقائق هذا الدين. أما بعد، عباد الله، إن من يرى حال المسلمين في هذا الزمان يتألم ويصيبه الأسى مما وصل إليه حال المسلمين، إلا من رحم الله، من هذه التبعية المقيتة، وهذا الذل والصغار الذي تمكن من أكثر المسلمين، إلا من رحم الله. وهذه بعض ما أخبر به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومع ذلك فإن الأمل لا يزال يرفرف بما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من النصر والتمكين الذي يكون لأهل هذا الدين. فقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما جاء في صحيح مسلم من حديث ثوبان، أن الله «زوى له هذه الأرض مشرقها ومغربها»، وأنه «سيبلغ ملكه ما زوي له منها». وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذلك، من حديث تميم الداري رضي الله عنه، فيما جاء عند أحمد وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليتمن الله هذا الأمر حتى لا يأتي بيت مدر ولا وبر إلا ودخله هذا الدين، بعز عزيز، وذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام وأهله، ويذل به الكفر وأهله». عباد الله، فينبغي لأهل الإسلام أن يأخذوا بأسباب هذا الظفر، وأسباب النصر الذي تكون به العزة في الدنيا، وكذلك في الآخرة. وإن من أعظم الأسباب، كما تقدم، أن يرجع الناس إلى دين الله بحق وصدق، وأن يقوم الناس بالتمسك بدين الله جل وعلا بحق وصدق. وينظرون إلى هذه الثوابت الشرعية والضوابط المرعية التي يكون بها معالجة الأمور. ومن أولها الرجوع إلى العلماء الذين هم صمام هذه الأمة، يوجهونها بما يكون به نصرها، وما يكون به عزها، وما يكون به كذلك كرامتها. إذا رجع الناس إلى علمائها، وإلى موجهيها بحق وصدق، كانوا بذلك، بإذن الله، أخذوا بأحدى وأعظم أسباب النصر. لأن النصر الحقيقي بالرجوع إلى العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، والذين هم كذلك حصن حصين يحفظون هذه الأمة من الفتن ما ظهر منها وما بطن. ولهذا قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين استنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا﴾. عباد الله، إن الرجوع إلى العلماء أمر عظيم، فبه تعرف الأولويات في هذا الدين، وبهم كذلك تميز وتعرف المصالح من المفاسد. فرب مصلحة يوجد ما هو أصلح منها، ورب واجب يكون أمامه ما هو أوجب منه. وهكذا تعرف الأولويات، وهكذا تتبين المصالح من المفاسد، وهكذا تعرف الفتن من غيرها. وبهذا يكون الأمة في أمان، وفي كذلك حفظ، ما داموا يأخذون بنصائح العلماء. عباد الله، إنه من أسباب النصر كذلك أن يحرص الأمة على الاجتماع الذي يكون به قوتهم، وتكون به عزتهم، وأن يحذروا من جميع أسباب الفرقة. لا تكون أبدًا لن تكون أبدًا نصر، لن يكون أبدًا نصرٌ ولن تكون عزة لهذه الأمة إذا كانوا هم متفرقين، إذا كانت البنادق توجه لبعضهم بعضًا، إذا كان استحلال الدماء يكون بين بعضهم بعضًا. والله لن يكون نصر لهذه الأمة ما دام حال بعض الأمة على هذا الحال. وللأسف، وهكذا كذلك من ذلك، عباد الله، أن ينظر إلى الأعداء ومن خلفهم. فإن أعداء أهل الإسلام أمةٌ واحدة، اليهود والنصارى، ومن خلفهم، ومن معهم من الكافرين والملحدين، ومن تبعهم، ومن استخدمهم. هؤلاء من أعداء الدين، من المبتدعين وغيرهم. فمن عرف هذه الحقائق وسبر التاريخ، علم من أين تؤتى هذه الأمة، وكيف يكون نصرها، وكيف يكون سد أبواب خذلانها. فرب خذلان يأتي من بعض من ينتسب إلى هذا الدين، تكون بهم الهزيمة، ويكون منهم كذلك الدخن، ويكون بهم كذلك تمكن الأعداء. انظروا إلى ما وقع في تاريخ هذه الأمة، كيف وصل التتار إلى بلاد الإسلام حين فعل الرافضة ما فعلوا من الخيانة الماكرة، والأمر العظيم الذي به تمكن التتار من أن يقتلوا أكثر من مليون مسلم، وأن يصلوا إلى محرمات ومقدسات المسلمين بهذه الخيانة العظيمة التي قام بها الرافضة. وهكذا كذلك انظروا في تاريخ بيت المقدس، فإن من أعظم ما وقع فيها من الخيانات ما كان كذلك من خيانة الرافضة في زمن من تلك الأزمان المتقدمة. وهكذا التاريخ يعيد نفسه، فإن بعض أسباب الهزيمة وقعت على هذه الأمة من بعض أهل البدع والأهواء، كالرافضة في هذا العصر، ولهم خيانات كثيرة لا يخفى علينا. ولهذا نرى أنهم أعوان لليهود والنصارى والعلمانيين والملحدين، وأعداء هذا الدين في بلاد شتى. وهكذا كذلك بعض أهل البدع والأهواء من المتصوفة والقبوريين الذين زينوا لبعض ضعفة المسلمين الاستعمار وأهله، فكانوا سببًا للهزيمة كذلك، وغير ذلك، وغير هؤلاء من أهل البدع والأهواء الذين أعانوا أعداء هذا الدين على أن يتمكنوا من المسلمين. فلذلك، عباد الله، بمثل هذه الحقائق وغيرها، يتبصر أهل الإسلام، فيعلمون ويعرفون من الصديق من العدو، من القريب من البعيد. وهكذا يعرف أهل الإسلام كيف ترتب الأولويات، وكيف ينظر كذلك إلى دفع المساوئ التي ترد على أهل الإسلام. فليس من الحكمة بمكان أن يوجه من عنده عدو إلى أن يذهب لينصر بيت المقدس، وعنده عدو آخر هو من جنس اليهود، وهو ممن يفرح اليهود بظفرهم على أهل السنة وعلى أهل الإسلام. فالرافضة واليهود ينطلقون من خندق واحد، ويسيرون في باب واحد، كلهم أعداء هذا الدين، وكلهم يريدون الخسارة لأهل هذا الدين. فالله الله، أيها المسلمون، في التمسك بدين الله، التمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يعتصم أهل الإسلام جميعًا بكتاب الله وبحبل الله، كما أمر الله عز وجل بقوله سبحانه: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا﴾. أسأل الله عز وجل أن ينصر الإسلام وأهله، وأن ينصر السنة وأهلها بكل مكان، وأن يدفع عنا وعن المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم ادفع عنهم الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم أصلح أمتنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، واجعل ولايتك فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين.