الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 29، الدرس التاسع والعشرون: الحديث الغريب ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الحديث الغريب هو ما يرويه راوٍ واحد فقط، وقد يكون التفرد في الإسناد أو المتن أو اللفظ. الغرابة لا تعني بالضرورة الضعف أو المخالفة.
الغرابة في الحديث النبوي قد تكون بسبب تفرد راوي معين، وتنقسم إلى غريب لا يضر إذا كان الراوي ثقة، وغريب يضر إذا كان الراوي ضعيفاً أو خالف الثقات. قبول أو رد الغريب يعتمد على خبرة الناظر.
قبول أو رد الأحاديث الغريبة يعتمد على قوة معرفة الناظر وخبرته، وبعض الأحاديث الغريبة قد تكون ضعيفة، وينبغي الحذر من جمع الغرائب دون تثبت.
المقطع الأخير يشير إلى انتهاء الحديث حول موضوع معين مع التأكيد على أن العلم الكامل عند الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الناظم رحمه الله تعالى: قال وقل غريب ما راوى راوى فقط. قال الشارح رحمه الله: الحديث الغريب، قوله: «وقل غريب» هو لغة المنفرد عن وطنه، سمي الحديث بذلك لانفراد راويه عن غيره. قال: الغريب لغة هو المنفرد عن وطنه، يعني كونه واحدًا من ذاك البلد يسمى غريبًا، فيقال: هذا رجل غريب؛ لأجل انفراده من بلده. وكما ترون، هذا المعنى اللغوي متضمن أن الانفراد ليس بالواحد، فأنت تقول: غريب، ربما لأكثر من واحد، أليس كذلك؟ فتقول: هؤلاء غرباء، وهم ربما من بلد واحد، لكن باعتبار انفرادهم بهذا الوصف عن غيرهم ممن هم أكثر منهم سموا غرباء. والمقصود من هذه اللفتة والإشارة أن نصل إلى ما سيأتي إن شاء الله، التنبيه له: ليس من شرط وصف الغرابة التفرد بالواحد، ليس من شرط وصف الغرابة التفرد بالواحد. ولذلك كما سيأتي الإشارة إليه إن شاء الله، ذكر بعض أهل العلل معنى الإغراب في أكثر من تفرد واحد، فربما قالوا: أغرب به فلان وفلان، وربما ذكروا أكثر من اثنين. فصار معنى الإغراب ها هنا التفرد بالنسبة عن الآخرين، وإن كان الغالب الأعم يطلق معنى التفرد لانفراد الواحد عن غيره. وهكذا لاحظ أن لفظ التفرد في اللغة لا يستلزم المخالفة، لفظ التفرد في اللغة لا يستلزم المخالفة، فكونه على وصف لا يوافقه وصف آخر مثله، فهو فيه معنى الغرابة، وليس من شرط الغرابة المخالفة. وهذا سنحتاج إليه إن شاء الله فيما سيأتي التنبيه له في مبحث الغريب. ثم ذكر الشارح رحمه الله قال: سمي الحديث بذلك، أي هذا النوع من الحديث سمي غريبًا، قال: «لانفراد راويه عن غيره»، فكونهم فردًا، سواء كما سيأتي إن شاء الله حصل في الإسناد أو حصل في المتن أو حصل في لفظ، فإنه لذلك سمي غريبًا. وسبق في الإشارة أنه تحت معنى الغرابة معانٍ، فهو لا ينحصر بالمخالفة ولا ينحصر بقول الواحد، فإذا فيه معنى الغرابة التي أشير إليها في اللغة قائم. الغرابة أو حصل في لفظ هو قائم الغرابة الذي رواه وفظ أي سرد في المتن أو الإسناد بأمر لا يذكره غيره من الرواة، يعني قوله ما يشير إلى قول صاحب النظم: «وقل غريب ما روا راوٍ فقط». فقوله: «ما» أي الذي، وإن شئت فقل: معينًا، «ما» أي الحديث الذي رواه راوٍ واحد فقط. قال: أي تفرد في المتن أو الإسناد بأمر لا يذكره غيره من الرواة. وسبقت الإشارة إلى أن هذا لا يلزم أن يكون على وجه شخص واحد. قال: مثاله ما جاء مرفوعًا: ﴿الولاء لحمة كلحمة نسب لا يباع ولا يوهب﴾، فإنه تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر، يعني من الرواة عن ابن عمر في هذا الحديث تفرد به عبد الله بن دينار. وإلا فالحديث لم يأت عن ابن عمر فقط، روي عن ابن عمر وعن أبي هريرة، وروي كذلك مرفوعًا وروي غير مرفوع. والحديث يحسنه بعض أهل العلم ويعله جماعة، وقد أشار جماعة من الحفاظ إلى إعلال هذا الحديث كما ذكر ذلك الزيلعي في «نصب الراية»، أشار إلى إعلال هذا الحديث. ومن نظر إلى كثرة طرقه فإنه حسنه بمجموع طرقه، كما تجده في تخريج جماعة ومنهم العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه. الشاهد: كون عبد الله بن دينار تفرد به عن ابن عمر، صح أن يسمى بهذا المعنى أنه غريب، وإن كان هو في الحقيقة ليس هو فيه معنى التفرد برجل واحد؛ لأنه كما سبق جاء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه كذلك. فإذا حصول معنى التفرد جعل من سمى من أهل العلم يسمي هذا الحديث غريبًا بهذا المعنى. قال رحمه الله: «وكحديث إنما الأعمال بالنيات رواه عبد المجيد عن زيد بن أسلم»، قال الخليل: أخطأ عبد المجيد، وهو غير محفوظ من حديث زيد بوجه، يعني لم يصح من طريق زيد بن أسلم. ومر معنا فيما تقدم أن هذا الحديث هو حديث فرد، وهو صحيح، فهو لم يصح عن الصحابة إلا من حديث عمر بن الخطاب، ولم يصح من حديث عمر إلا من حديث علقمة، وهكذا إلى يحيى بن سعيد، فإنه انتشر. الشاهد: أن الحديث صح من طريق فيه إفراد وإغراب؛ لكونه جاء من حديث عبد الله بن عمر، ولكن هذا الإغراب لا يضر؛ لأنه بإسناد صحيح. وجاء من طريق أخرى فيها إغراب، لكنه ضعيف، وهو ما أشار إليه ها هنا من رواية عبد المجيد، وهو ابن عبد العزيز بن أبي رواد، عن زيد بن أسلم، وهو لم يصح. وبه نعرف أن الإغراب ينقسم إلى قسمين: غريب لا تضره الغرابة. فإن تفرد الراوي ليس دائمًا يكون سببًا في الطعن في الحديث؛ لأنه من خبر الثقة، إذا كان من الثقات وخبر الثقة يقبل. وأحيانًا يكون سببًا للطعن في الحديث، وهذا يكون باعتبارات، من هذه الاعتبارات أن يكون المخالف بهذا التفرد فيه ضعف، فهو لا يتحمل أن يأتي بشيء جديد لا يأتي به غيره من الثقات. ولهذا أنكر العلماء إغراب من فيهم شيء من الضعف، فضلًا عن الضعفاء، من فيه شيء من الضعف فضلًا عن الضعفاء؛ لماذا؟ لأن أمثال هؤلاء لا يتحملون الإتيان بشيء جديد لا يأتي به غيرهم من الرواة. وأحيانًا، وهذا كما قلنا: إذا لم يكن هناك مخالفة، وأما إذا كانت هناك مخالفة، فأحيانًا ترد رواية الثقة إذا خالف من هو أوثق منه؛ لإغرابه، هو ثقة، لكنه لأنه خالف من هو أوثق منه، فكان ذلك سببًا في رد روايته، خصوصًا إذا لم يمكن الجمع وقبول الروايتين معًا. ولهذا ذكر بعض أهل العلم أن هذا الباب باب دقيق، ليس من السهل أن تجعل فيه قواعد تنضبط، ولكنه بحسب خبرة وقوة معرفة الناظر في القضية التي يحتاج فيها الترجيح في مثل هذا الموضع، يقال: هذه زيادة ثقة مقبولة، أو هذا من التفرد المردود. وهكذا نوع ثالث من الغرابة: غرابة قد تكون بحصول معنى التفرد من الثقة، وإن كان هذا التفرد ليس فيها مخالفة، لكن مثله ليس يتحمل مخالفة لإمامة، إذ أن مثل هذا الحديث لا يمكن أن يرويه مثل هذا، ويوجد من هو أكثر إمامة وعلما لم يذكروا ذلك. يعني أحيانًا حتى بغير المخالفة قد يردون بعض الأحاديث من بعض الثقات، وهذا قليل نادر؛ بسبب فقط التفرد، وإن كان هو ثقة، وهذا قليل نادر، ستأتي إن شاء الله أمثلته في الكلام على التعليق. قال رحمه الله تعالى: أخطأ عبد المجيد، وهو غير محفوظ من حديث زيد بوجه. وحكمه أنه فيه الصحيح والحسن والضعيف، وهو الغالب، يعني الغريب منه ما هو الصحيح، مثل حديث عمر بن الخطاب: «إنما الأعمال بالنيات»، والحسن مثل تفرد عبد الله بن دينار، مع غيره مما يشده على قول من يقول بتحسينه، والضعيف مثل رواية عبد المجيد عن زيد بن أسلم في حديث: «إنما الأعمال بالنيات». قال: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «لا تكتبوا الغرائب؛ فإنها مناكير، وغالبها عن الضعفاء». وقال هذه المقولة الإمام أحمد رحمه الله؛ لأنه كان يوجد في زمن متقدم أناس يحرصون على جمع الغرائب؛ لماذا؟ لأجل التميز بالرواية والعلم، حتى يكون عندهم شيء ليس عند الآخرين. والغالب أن أمثال هؤلاء الذين يجمعون الغرائب يجمعون غرائب لا يحصل فيها التفتيش ولا يحصل فيها التثبت، فإذا حصل مثل ذلك حصل الخلط بين الصحيح والضعيف. وقد سمعت قبل قليل الإشارة إلى أن التفرد تحته أنواع وأقسام، ومن هذه الأنواع والأقسام ما هو خفي لا يعرف ضعفه بسهولة، ولا يعرفه إلا الحذاق من أهل الحديث. فإذا كان كذلك، أمثال هؤلاء الذين يجمعون الغرائب فيروونها ويفرحون بها، ربما جمعوا الضعيف، وهذا هو الغالب على الغريب، فينتشر حديثًا وهو ليس بحديث، يعني مرفوع. وستأتي الإشارة إن شاء الله في الأمثلة التي أشار إليها المعلق مع ما يناسب ذكره في وقت لاحق ما يجلي هذا المعنى. إلى هنا والله تعالى أعلم.