التقريرات السنية على المنظومة البيقونية  67

التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 67

الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 67، تابع خاتمة في آداب الشيخ والطالب . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

آداب التعامل مع العلم وشيوخه

يناقش المقطع آداب طالب العلم مع شيخه ومع العلم، مثل توقير الشيخ وتعظيمه، والعمل بالعلم لتحصيل الفائدة. كما يشدد على عدم استعمال الحياء أو التكبر كعائق عن طلب العلم.

أهمية الاستمرار والترتيب في طلب العلم

يؤكد النص على أهمية الاستمرار في طلب العلم وعدم الاكتفاء بما لديك، مع ضرورة ترتيب العلم من خلال التقييد والضبط والحفظ. كما يشير إلى أن العلماء يطلبون العلم مهما بلغوا في العلم.

دور المذاكرة في ترسيخ العلم

يُنصح بتدوين الإشكالات أثناء الدرس وتأجيلها للسؤال عنها لاحقًا، كما يُشدد على أهمية المذاكرة في ترسيخ العلم وتجنب الملل في مجالس العلم.

ختام القراءة والشكر لله تعالى

يختتم القارئ قراءة الكتاب مشيرًا إلى أن الصواب منه لله والخطأ منه ومن الشيطان، ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه وبالدعاء بالخير للمستمعين.

  • 15 جمادى الأولى 1432هـ - 18/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومما ينفرد به الطالب أن يوقر الشيخ ويعظمه، فبقدر الإجلال ينتفع الطالب. وقد روى الترمذي مرفوعًا: «ليس منا من لم يجل كبيرنا، ولم يرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه». والمعنى من الأخلاق والآداب التي ينبغي أن يتأدب بها طالب العلم أن يحرص على توقير شيخه وتعظيمه. والمقصود بالتوقير ها هنا التوقير القولي والفعلي، وكذلك التعظيم، لكن وسطًا بلا إفراط ولا تفريط، لا يدفعه إلى الغلو والسلوك به مسلك المتصوفة ومن جرى مجراهم، ولا كذلك الجفاء الذي قد يسلكه بعض الأعراب والعامة، ولكن يكون في هذا وسطًا. فمن التوقير التأدب في مناداته، والتأدب في التعامل معه في المد والأخذ والعطاء، وهكذا كذلك في التحية والسلام، وغير ذلك من أبواب الإكرام والتوقير. وهكذا كذلك يقال في الإعظام، الإعظام الشرعي المنضبط بالضوابط الشرعية هو الذي يكون به إعطاء الحق من دون مبالغة في ذلك يصل إلى الغلو، ولا تفريط يصل إلى الجفاء. ثم قال: فبقدر الإجلال ينتفع الطالب، لماذا؟ لأن الشيخ والحال هذه يندفع لميله إلى هذا الطالب، ليس لأجل الدنيا، ولكن على أقل الأحوال حياء؛ لأن الفطر جبلت على رد الجميل. الفطر جبلت على رد الجميل، فإذا أحسنت إلى إنسان فإنه سيرد الإحسان بالإحسان، كما قال القائل: «إن أكرمت الكريم ملكته». فإكرام الكريم تملك له، فهو يرد هذا الإكرام بإكرام مثله. وليس شيء يستطيع أن يكرمك به متيسر عنده ويعرف أن ذلك أكرم شيء عندك وأعظم، وكذلك أجل من العلم، فلذلك سيكون لك الحظ الأوفر من العلم، مع ما فيه كذلك من التعبد لله والتقرب له، وهي طاعة من الطاعات كذلك لها ثمار حسنة من توفيق الله عز وجل. فإذا كنت بارًا بشيخك يسر الله لك كذلك إحسان الشيخ لك، وكذلك بر التلاميذ من بعدك لك. وإذا كنت عاقًا لشيخك فكذلك يثمر ذلك حرمانك من هذا الشيخ، وكذلك عصيان تلاميذك، والجزاء من جنس العمل. والحديث الذي أشار إليه جاء بألفاظ كثيرة، وقد أشار المعلق إلى شيء من ذلك. وهذا لفظ حديث عباد بن الصامت، رواه أحمد والحاكم وغيرهما، وهو حديث حسن. وقد حسنه العلامة الألباني رحمه الله في صحيح الجامع وغيره. قال رحمه الله: ومعنى الحديث المقصود منه «ويعرف لعالمنا حقه»، وهو يدخل كذلك العالم «ليس منا من لم يجل كبيرنا»، فالمراد بالكبير ههنا كبير العلم، كما هو كذلك كبير السن. قال: وأن يعمل بكل حديث سمعه فيه فضائل الأعمال، فإن العمل يعين على الحفظ. قال وكيع: إذا أردت أن تحفظ الحديث فاعمل به. وهذا أدب آخر من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم، وهو العمل بالعلم، حتى ولو كان العلم في فضائل الأعمال. لا ينبغي له أن يزهد في شيء من العلم، بل كانوا يستعينون على حفظ العلم بالعمل به، كما روي عن غير واحد من السلف: «كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به». وكما قال كذلك القائل: «العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل». فإذا لم يتبع العلم بالعمل فسرعان ما يفوت هذا العلم. ولهذا نظائر وأمثلة كثيرة، فمثلًا هناك كيفيات في عدد من العبادات هي من اختلاف التنوع، إذا حرص على العمل بها طالب العلم فسرعان ما تحفظ وتثبت، وإذا لم يحرص على العمل بها سرعان ما تنسى. فلا يذكرها إلا وقت تعلمها، فإذا ذهب ذاك الوقت ذهب ذاك العلم. وإذا جاء وقت تعليمها ذكرها، وإذا فات فات ذاك العلم، بخلاف من عمل بالعلم، فلا يزال العلم باقيًا معه؛ لأنه عمل بهذا العلم. ولهذا كانوا يقولون: إنهم يستعينون على حفظ العلم بالعمل به. وكما روي عن وكيع: إذا أردت أن تحفظ الحديث فاعمل به. ولهذا كانوا يتنافسون في العمل بالعلم، حتى يقول القائل: «إن استطعت أن لا تحك رأسك إلا بأثر فافعل»، يعني حرصًا منهم على تتبع العمل بالعلم. وتتبع وإتباع العلم بالعمل، تتبع العمل بالعلم أن لا يعمل إلا بعلم، وإتباع العلم بالعمل أي يلحقه بالعمل به، حتى إذا كنت غير مستطيع تتكلف بقدر ما تستطيع حتى تعمل بهذا العلم. وضرب ابن القيم رحمه الله مثالًا في حال من لم يعمل بعلمه، حتى ولو كان في فضل العلم ليس في أصله، قال: «كالرجل يملك الذهب والفضة ثم هو عار وجائع»، فهذا فقير مع ماذا؟ مع ملكه للذهب والفضة. الرجل البخيل الذي عنده مال ومع ذلك لا يظهر أثر هذا المال على نفسه، فهو فقير مع غناه. وكذلك الذي عنده علم لا يعمل به، فهو جاهل مع ماذا؟ مع حمله للعلم. انظروا إلى هذا المثل العظيم الذي مثل به. ثم ذكر قول الشاعر: «ومن ترك الإنفاق عند احتياجه مخافة فقر فالذي فعل الفقر». وهذه الحقيقة، فكذلك الذي أعطاه الله عز وجل العلم ولم يعمل به، حتى ولو كان في فضائل الأعمال، فهو جاهل ولو كان عنده ذاك العلم؛ لأن حقيقة العلم هو العمل به. وكما قيل: العلم وسيلة والعمل غاية، والعلم شجرة والعمل ثمرة. قال رحمه الله: أن لا يستعمل الحياء والتكبر. فعن مجاهد: «لا ينال العلم مستحي ولا متكبر». ومعناه لا يستعمله في هذا الباب، يعني في باب العلم، وهو في الحقيقة لا يسمى حياء. وإلا فالحياء كله خير، وعلق المعلق فقال: قال عمر الملائي: «إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرة تكون من أهله». ثم علق قائلًا: فإن الحياء إذا ليس الشرعي، إذا الحياء الشرعي ألا يراك مولاك حيث نهاك، ولا يفتقدك حيث أمرك. وكذلك حتى من جهة الشرع هذا لا يسمى حياء، بل هو خور وإلا فالحياء كله خير، الحياء كله خير كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فورود الحياء في مورد الذنب ليس بحياء، بل هذا خور ضعف، فلا يمنعك الضعف من تعلم العلم فتسميه حياء وليس هو بحياء. وكذلك الكبر، انتبه فقد يقع عندك معنى من معاني الكبر وأنت لا تظن أنه من الكبر. ثم هذا الأثر يوضح ويجلي ذلك. قال: فعن مجاهد «لا ينال العلم مستحي ولا متكبر»؛ لأن المستحي يحرم نفسه بحيائه، وهو ليس بحياء حقيقة، بل هو خور وضعف، فيفوته الكثير من العلم. وفي حديث الثلاثة في الصحيح، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا أنبئكم بخاهد الثلاثة؟ أما الأول: آوى فآواه الله، وأما الثاني: استحيى فاستحيى الله منه، وأما الثالث: أعرض فأعرض الله عنه». والمقصود والشاهد في الثاني: «استحيى فاستحيى الله منه»، وهذا من صفة المقابلة، المقصود منها أنه ابتعد فحرم نفسه من الخير، فحرم بقدر ابتعاده. وهكذا كذلك المتكبر الذي قد يمنعه حتى العلم، بعض الناس قد يمنعه العلم من العلم، وهذا خطأ. ويروى عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى أنه قال: «لا يزال الرجل عالمًا ما تعلم، فإذا ترك العلم وظن أنه قد استغنى بما عنده فهو أجهل ما يكون»، يعني إذا ظن الإنسان أن ما عنده من العلم يغنيه ويكفيه عن أخذ العلم، فهو من أجهل ما يكون. ولهذا لا يزال العلماء يطلبون العلم مهما بلغوا في العلم، كما يروى عن الإمام أحمد رحمه الله أنه كان يقول: «مع المحبرة إلى المقبرة». يعني لا ننقطع عن تعلم العلم وتحصيله. وكما يذكر كذلك: «لا ينظل الرجل حتى يأخذ ممن فوقه وممن دونه وممن هو مثله»، فإذا كان كذلك فهذا هو الذي عمل بالعلم. فلا يمنع الإنسان حتى العلم من أخذ العلم، فلو أخذت ما أخذت من العلم فأنت لم تستغن عن العلم ولن تستغني عن العلم. ولا يزال العلماء يأخذون العلم ممن دونهم فضلًا عمن هم فوقهم وهم أعلم منهم. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. وقصة موسى مع الخضر مما يبين ويبرهن لنا ذلك، فهذا نبي من أنبياء الله آتاه من العلم ومع ذلك أعلمه الله وعلمه أن فوق علمه من هو أعلم منه. وكذلك من باب أولى من هو دون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وفي كتب الحديث من ذلك الشيء الكثير، فقد روى بعض الصحابة عن بعض التابعين، وروى بعض أتباع التابعين عن بعض أتباع التابعين، بعض أتباع التابعين يروي عنهم بعض التابعين. فهذا عمر بن شعيب من أتباع التابعين روى عنه الكثير من التابعين. وهكذا كذلك الصحابة يروون عن بعض التابعين، بل النبي صلى الله عليه وسلم روى عن بعض الصحابة. مثال ودليل، حديث تميم الداري رضي الله عنه وأرضاه، حدث النبي صلى الله عليه وسلم عن تميم بحديث الدجال والدابة، وهو في الصحيح مسلم، حتى ظن بعض أهل العلم أن الحديث ضعيف، وهو ليس بضعيف بل صحيح. حدث به النبي صلى الله عليه وسلم عن تميم الداري رضي الله عنه. وهكذا قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: «لم يكن على أبي». واستدل العلماء بهذه الأدلة على عرض العلم من الفاضل إلى المفضول. فالشاهد والمقصود لا يمنع الإنسان جاه ولا منصب ولا حتى علم من تعلم العلم. قال: وإني أشتغل بالتقييد فالضبط فالحفظ. ومعنى هذا ترتيب العلم: تقييد ثم ضبط ثم حفظ. وهذا في أحوال فقد تدور على المشايخ لعدم تيسر فرصة أخرى. فهنا تحرص على التقييد، وهو ما كان يقول المحدثون: «قمش». ثم الضبط، وهو ما يقول المحدثون: «فتش». أول شيء تجمع، تجمع المعلومات، فيكون عندك كراريس ودفاتر تجمع فيها الفوائد والمعلومات، وهي تفيد جدًا جدًا. فرب فائدة يكون عمرها في دفاترك وسجلاتك عشرات السنوات تحتاجها وأنت أعز ما تحتاج إلى فائدة في هذا الباب، خصوصًا إذا اعتنيت بترتيب هذه المعلومات، تجعل لك دفاتر خاصة بالرجال وفوائد الرجال، ودفاتر خاصة في كتب العقائد، ودفاتر خاصة في كتب الحديث، وأخرى في كتب الفقه، وأخرى في كتب اللغة. ثم بعد ذلك متى ستفتش؟ وقت التدريس، إذا جمعت هذا العلم وأنت قد تعبت في جمعه من مواطن كثيرة ومن أفواه المشايخ وطلاب العلم، سيأتي يوم وتكون مدرسًا، فعند التدريس يأتي دور الضبط والتفتيش. تبدأ تفتش فيما تيسر من جمعك ومن جمع غيرك من الكتب، تفتش فيها فتجمع الفوائد وتعرضها بعضها على بعض وتنقحها وترجح بينها، وأنت قد كملت فيك أدوات الاجتهاد. بينما في فترة الطلب إذا تعجلت فضبطت ربما تخطئ في الضبط؛ لأنك لم تنضج ولم تكمل فيك أدوات الاجتهاد. لكن إذا أجلت هذا إلى مرحلة لاحقة فإن الضبط في ذاك الوقت يكون أحسن ما يكون. ولهذا قال: يشتغل بالتقييد فالضبط فالحفظ. وأخر الحفظ؛ لأن الحفظ لا ينبغي أن يكون إلا لما هو مضبوط، إذا كان غير مضبوط فأنت تحفظ شيئًا لا فائدة منه. وربما كذلك في بداية الطلب يقال لك: احفظ هذا. ويأتي آخر ويقول لك: احفظ هذا. ويأتي ثالث ويقول لك: احفظ هذا. فيضيع عمرك في حفظ ما تنقضه، اليوم تحفظ هذا وغدًا تنقضه، وغدًا تحفظ هذا وتلتقي بشيخ آخر وتنقضه، فيضيع عمرك في التنقل في المحفوظات. لكن إذا أجلت الحفظ فإنك ستثمر توفير الوقت وحفظ ما قد انتهيت من ضبطه. فإذا علمت ذلك علمت أن من المحفوظ ما هو مضبوط، فما كان مضبوطًا فيقدم في الحفظ، مثل القرآن، القرآن مضبوط ما في شك، القرآن مضبوط فيقدم حفظه. كذلك أحاديث الصحيحين مضبوطة، يقدم حفظها. والمتون الصغيرة التي اتفق العلماء على أنها من المتون التي ينبغي أن تحفظ، هذه مضبوطة ما يختلف فيها أحد، فهذه قاعدة فيما يقدم حفظه وما لا يقدم، فالمضبوط المتفق عليه يحفظ، والمختلف فيه يؤجل. سألك بعض مشايخك: احفظ ألفية بن مالك أو غيرها أو أجلهما. وجدت آراء مختلفة، إذن أترك الجميع، وامشِ كذلك. سألت: تحفظ ألفية السيوطي أو العراقي؟ فرأيت اختلاف، أترك ذلك كله وأجل الحفظ، وانشغل بما هو أهم من هذا من المحفوظ ومن المفهوم. وهكذا قال: فقد قالوا: «لا خير في علم لا يقطع به الوادي، ولا يعمر به النادي». ولا بد من فهم ما حفظ، وإلا كان كمثل الحمار يحمل أسفارًا. ومعنى «لا خير في علم لا يقطع به الوادي، ولا يعمر به النادي» أي لا خير في علم يؤخرك عن طريق الطلب، فلابد أن تجمع وتمشي مع الناس. وهذا الجمع يحتاج منك ماذا؟ يحتاج تحضر دروس. ويذكر عن بعض: إنه كان يحضر في اليوم الواحد أكثر من تسعة دروس، وبعضهم ثلاثة عشر درسًا في اليوم الواحد، يقرأ على هذا الشيخ وهذا الشيخ وهذا الشيخ. وأعرف بعض الزملاء كان يذهب من الصباح، يخرج من بيته لا يرجع إلا العشي، يقرأ على المشايخ، يخرج من بيته الصباح الباكر يرجع إلى البيت بعد صلاة العشاء، طبعًا بما لا يضر بأهله، أين هذا الوقت في القراءة على المشايخ؟ يتنقل يقرأ على هذا الشيخ وهذا الشيخ وهذا الشيخ. فما ظنكم بمن كان هذا حاله؟ كم سيجمع من العلم ومن القراءة على المشايخ والتعليقات والفوائد؟ لا شك أنه سيجمع الخير الكثير. فلا خير في علم لا يقطع به الوادي، يعني يؤخرك عن طريق الطلب، فالمقصود علم يأخذ بيدك لتسابق مع المسابقين. وطبعًا مع ضبط ما يمكن ضبطه وتفتيش ما يمكن تفتيشه فيه، وما لا يمكن يؤجل. قد يقول قائل: أنا أدرس لكن تفوتني معلومات وأفتقد فهم بعض المسائل. خير ما يكون حل في هذا الموضع أنك تقسم الطلب إلى قسمين: قسم في حضور الدروس، وقسم في سؤال ما أشكل. فتجعل كل درس تحضره ما أشكل عليك ولو سألت الشيخ فلم يشفي غليلك السؤال، وهذا أحيانًا يحصل، بعض الأسئلة والإشكالات ترد على الطالب فلا يجد لها جوابًا شافيًا يشفي الغليل عند ذلك الشيخ، قد يجدها عند غيره. لا تفوتك هذه الأسئلة، فهذه من لب العلم ومن ثمار العلم. رب فائدة منها يرحل إليها. تدونها في آخر الكتاب: إشكال إشكال إشكال إشكال إشكال، صفحة كذا صفحة كذا، تجمع في الكتاب عشرات الإشكالات بضعة عشر إشكال. ثم تسأل عنها وأنت تدور على المشايخ، تجمع لك فوائد من القراءة على المشايخ، وتدون هذه الإشكالات وجواب العلماء عليها: سألت فلانًا فقال كذا، سألت فلانًا فقال كذا، سألت فلانًا فقال كذا، فيجتمع لك من ذلك أجوبة كثيرة، وهذا علم آخر، وهذا علم آخر. «ولا يعمر به النادي» أي كذلك يفيد الآخرين، يفيد الآخرين. فالمقصود هو الجمع بين نفع النفس ونفع الغير. وقوله: «ولا بد من فهم ما حفظ» يعني كذلك لا يعني أن تشتغل بالتقييد أن تكون كالأبلة، يكتب ولا يفهم ما يكتب، لا اكتب واسأل إذا أشكل عليك شيء. وحاول قدر المستطاع أن تفك الإشكالات في وقتها، فإذا لم تستطع أن تفك الإشكالات في وقتها فكما سمعت تدون هذه الإشكالات وتسأل غير واحد من أهل العلم، أو حتى ترسل بالأسئلة مع طلاب العلم إلى مشايخ آخرين، وغير ذلك من الوسائل المتيسرة في هذا الزمان، وهي كثيرة. وقوله: «وإلا كان كمثل الحمار يحمل أسفارًا» يعني الذي يحمل ما لا يفهم. قال: فقد حصل له الكد والتعب من غير انتفاع، يعني إذا جمع علمًا لم يفهمه، وكذلك لم يدري ما هو. قال: وأن يذاكر بمحفوظه ليرسخ في ذهنه. فقد رأوا -يعني ابن مسعود رضي الله تعالى عنه- تذاكر الحديث، فإن حياته مذاكرته، أي وإن مماته متاركته، يعني هذا مفهوم المخالفة، فإذا كان إحياء العلم بالمذاكرة فإماتته بعدم المذاكرة. ولهذا كان أهل الحديث يعقدون مجالس للمذاكرة، يعقدون مجالس للمذاكرة. وننتبه في معنى المذاكرة إلى ثلاث تنبيهات: التنبيه الأول أن تكون المذاكرة ليست على حساب العلم، فليس من المستحسن أن يجعل الشيخ أو الطالب المذاكرة في أصل الدرس؛ لأن هذا معناه اكتطاع من ماذا؟ من التعليم، اكتطاع من التعليم. ولكن تكون هناك مجالس أخرى للمذاكرة. والتنبيه الثاني أن تكون هذه المذاكرة المقصود منها المذاكرة لاستعراض المعلومات، فمثلًا بعض مشايخنا كانت له مجالس مذاكرة، فمثلًا شيخنا مقبل رحمه الله كان يقسم درسه إلى قسمين: قسم يجعله للدرس، وقسم يجعله للمذاكرة. وننتبه لهذا، فهو لا يخلط الدرس بالمذاكرة حتى لا يحرم الناس من الدرس، وحتى لا يطول الدرس عن وقته فيأخر من لا يحتاج إلى تأخير، ولكن يقسم الدرس إلى قسمين. وكل من جلس بين يدي شيخنا مقبل الوادعي رحمه الله عرف ذلك، يقرأ في صحيح مسلم مثلًا بعد المغرب. ويأتي بفوائد الحديث من الرجال مما يتعلق إلى تعليق من الشرح، بعد أن يطبق الكتاب وينتهي الدرس يبدأ في ذكر ماذا؟ المذاكرة والأسئلة. وكان شيخنا محمد بن عبد الله الصومالي رحمه الله، وهو شيخ شيخنا مقبل، مذاكرته في غير وقت الدرس، إذا زاره الطلاب مثلًا بعد العصر أو في الصباح أو في أي وقت آخر. جعل زيارتهم له فائدة له ولهم فيذاكرهم في المجلس بالمعلومات التي عنده وعندهم. وإذا شكوا في بعض المعلومات والغالب أنه كان رحمه الله هو المصيب، ولكن من تواضعه يقول: «هاتو الكتاب نتأكد». هاتو الكتاب الهلاني، فإذا أتي بالكتاب ازددنا يقينًا أنه الشيخ، وأن الحاضرون كلهم هم الطلاب. فهذه معاني من معاني المذاكرة، وكانت مذاكرة أهل الحديث بأحد هذين المعنيين أو بعقد المجالس للمذاكرة، مثلًا يجعلون يوم الخميس للمذاكرة، أو يحددون موعدًا للمذاكرة، أو يجلس اثنان أو أكثر فيتذاكران المعلومات. فالمقصود في التنبيه الثاني أن تكون المذاكرة المقصود منها المذاكرة لا المقصود منها إظهار المعلومات. والفرق أن المذاكرة تأتي عفوية بدون تكلف، وأما استعراض المعلومات وإظهار التفوق هو أن يحضر الشيخ بعض المعلومات ويبدأ يختبر الطلاب فيها. مثلًا يحضر في باب من أبواب النحو: باب قبل وبعد، ثم يصير أسئلة ذاك اليوم كلها في قبل وبعد، وينتقل في اليوم الثاني إلى مبحث العدد، ثم اليوم الثالث مبحث: «إنا إذن». صار الآن ليس مجلس مذاكرة، إنما هذا مجلس إيش؟ تدريس، لكن مقطع، كأنه درس نحو مخلوط بدرس الحديث والفوائد فيه مقطعة: فائدة من هنا من القطر، وفائدة من هنا، وفائدة من هنا، وفائدة من هنا. لم يستفد الطالب ولم يستفد المدرس، قد يستفيد المدرس من ثبوت هذه المعلومات، لكن ليس هذا المقصود، المقصود المذاكرة الحقيقية التي يمتحن المدرس معلومات نفسه، ويمتحن الطالب معلومات أنفسهم، تكون مجلس مذاكرة من غير تحضير، من غير تحضير. هذه المذاكرة الحقيقية التي أرادها العلماء وأثنوا عليها. والتنبيه الثالث في مسألة المذاكرة أن هذه المذاكرة كذلك ينبغي أن تكون برضا وتوافق المدرس والشيخ، فإذا علم الشيخ أن المذاكرة تمل الطلاب فليقصر، فالعلم إذا صابه الملل لم ينتفع به أحد. وربما كره الناس العلم كله من أجل تلك المذاكرة التي طالت. وهكذا العكس كذلك بالنسبة للطلاب مع الشيخ، إذا فتح لهم باب الأسئلة لا ينبغي أن يملوه، بل يرفقوا به؛ لأنه إذا ملهم مل مجلس العلم كله. ومن ذلك كذلك أن يحرص على مراعاة المعلومات التي تناسب الحاضرين. كان شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تكون له بعض المذاكرة، لكن مذاكرته لطيفة، فمذاكرته في مسجده تناسب طلاب العلم في مسجده، ومذاكرته في الحرم مع العوام والمتدئين والمسلمين حديثًا وغير ذلك تناسب هؤلاء الذين يحضرون. فمراعاة الحاضرين من حيث نوع المذاكرة وكمية المذاكرة، بل وكيفية المذاكرة، وكيفية المعاتبة وغير ذلك، هذا مهم حتى تحصل الفائدة في هذه المذاكرة. فهذه ثلاث تنبيهات مهمة ينبغي أن تراعى في مجالس المذاكرة. قال رحمه الله تعالى: وقال بعضهم: «من طلب العلم وذاكره صلحت صلحت دنياه وآخرته». فأدمل العمل مذاكرة، فحياة العلم مذاكرة، وأسهر بالليل وناظره لتعمق حقًا نافذته. والمعنى حث على مذاكرة العلم والاجتهاد فيه؛ فإن ذلك من أسباب حفظه وثباته وبقائه. قال: والله تعالى أعلم بالصواب، إليه المرجع والمآب. وهذا ما يسر الله تعالى جمعه من التعليق على هذا النظم الأنيق، راجيًا من الله الكريم أن ينفعني به والطالبين، وأن يغفر لي ولوالدي ولمشايخي، وأن يكون وسيلة إلى جنات النعيم. والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كلما ذكرك الذاكرون، وغفل عن ذكرك الغافلون، والحمد لله رب العالمين، آمين. وبهذا نكون قد انتهينا من القراءة في هذا الكتاب، وما عليه من شرح وتعليق. فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، واستغفروا الله العظيم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرًا.