الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 51، تابع الحديث المضطرب . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الحديث المضطرب هو ما اختلف فيه السند أو المتن ولا يمكن الترجيح بين الروايات. يشترط لاضطراب الحديث ثبوت الاختلاف وعدم إمكان الترجيح أو الجمع.
من أمثلة الحديث المضطرب حديث 'شيبتني هود وأخواتها' لاختلاف في إسناده، وحديث فاطمة بنت قيس لاختلاف في متنه بين الإثبات والنفي.
حديث 'إن في المال حقا سوى الزكاة' ضعيف لاضطراب راويه أبي حمزة، ومعناه صحيح ومدعوم بأحاديث صحيحة أخرى عن الصحابة والتابعين.
الاختلاف في اسم الراوي لا يضر إذا كان معروفا بالثقة، وما يضر هو الاختلاف الذي يسبب القدح ويحكم بالاضطراب.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الناظم رحمه الله تعالى: وذو اختلاف سند أو مثني مضطرب عنده هيل الفني قال الشارح رحمه الله: الحديث المضطرب، قوله «وذو» أي وحديث صاحب، فـ«ذو» بمعنى الصاحب، والمعنى: كل حديث حصل فيه اختلاف في سنده أو مثناه، فهو مضطرب عند أهل هذا الفن. قال: وقوله «اختلاف سند» أي اختلاف في السند، كما هو الغالب، ويكون باختلاف في وصل وإرسال، أو إثبات راو أو حذفه، ونحو ذلك. قوله: «وهو الغالب» يعني أن الغالب في الحديث المضطرب أن يكون الاختلاف في سنده. والحديث المضطرب كما سيأتي معنا إن شاء الله على ثلاثة أقسام؛ قد يكون الاضطراب في السند فقط، وقد يكون الاضطراب في المتن فقط، وقد يكون الاضطراب في السند وفي المتن معًا، فالحديث المضطرب على ثلاثة أقسام، وأكثر ما يرد الحديث المضطرب أن يكون اختلافه في السند. وعرفنا في دروس سابقة أن السند هو سلسلة الرجال. وقوله: «يكون باختلاف في وصل وإرسال إلى آخره» هذه المعاني واضحة، ومر تفسيرها في دروس سابقة، ولكن الذي ينبه عليها هنا أن هذا الاختلاف لا يكون معنى من معاني الحديث المضطرب إلا إذا لم يمكن الترجيح. ولهذا قال العلماء: الحديث المضطرب هو ما تجتمع فيه ثلاثة شروط؛ الشرط الأول: ثبوت الاختلاف، والشرط الثاني: عدم إمكان الترجيح، أو يقال كذلك: عدم إمكان الجمع أو الترجيح، والشرط الثالث: أن لا يكون مما استثني من الحديث المضطرب؛ لأنه توجد أحوال كما سيأتي معنا إن شاء الله ظاهرها الاضطراب وليس كذلك، فقد استثنى العلماء هذا فهو ليس من المضطرب. فإذا لا يكون كل اختلاف في وصل وإرسال، أو إثبات راو وحذفه معنا من معاني الاضطراب؛ لأنه قد يوجد اختلاف، لكن عندنا ترجيح يرجح مثلا الموصول ويضعف المرسل، أو كذلك العكس يصحح المرسل ويضعف الموصول، إذا كان هناك مجال للترجيح. أو كذلك قد يكون هناك جمع بأن يقال: نشط الراوي فرواه موصولا، وفتر تارة فرواه موقوفا أو مرسلا، فلا يعني ذلك أنه لم يصح موصولا مرفوعا؛ لأنه قد يكون قد روي عنده بالوجهين، ليس هناك مانع إذا صح الإسناد مرسلا وصح الإسناد مرفوعا، فلا مانع أن يقال مثلا: وهذا من أوجه الجمع أن الراوي نشط تارة وفتر تارة أخرى. قال رحمه الله تعالى: «أو في مثن» قوله: «أو» قوله «مثن» قوله «أو» أي فيعني قوله في النظم «سند أو مثن» سند أو مثني، فقوله «أو» هنا عاطفة، فالاضطراب قد يكون في السند، وقد يكون في المتن، وقد يكون فيهما معا كما سيأتي إن شاء الله. ولهذا قال بعده: «أو فيهما» يعني في السند والمتن معا، فهو ثلاث أقسام. وعرفنا فيما سبق أن المتن هو الكلام أو القول أو الفعل أو التقرير، يعني القول أو الفعل أو التقرير المنسوب لذلك المروي عنه، سواء أكان النبي عليه الصلاة والسلام أو كان الصحابي أو كان التابعي أو غير ذلك. قال رحمه الله تعالى: «سوى كان من راو واحد بأن رواه ذلك الواحد مرة على وجه مخالف للآخر مخالفة لا يمكن الجمع معها وإلا تعين الجمع» يعني إذا أمكن الجمع تعين الجمع، وإذا لم يمكن الجمع فإنه ينظر إلى الترجيح، فإن لم يمكن الترجيح ولا الجمع فهو المضطرب. قال: «وما عدم الترجيح بحفظ أو كثرة عدد أو غيرها من المرجحات وإلا تعين الراجح» يعني بهذا الترجيح قد يكون الترجيح بوجود راو آخر يروي مثل أحد القولين، وقد يكون الترجيح من جهة قوة الراوي عن هذا الذي روى. مثلا إذا روي حديث عن إنسان ما على وجه موصول وعلى وجه غير موصول منقطع أو مرسل، فكان الذي رواه على الوجه المرسل عن هذا الراوي أوثق وأثبت مما رواه موصولا، فهنا يقدم قول الأثبت، وإن كان كلا المعنيين قد روي عن هذا الرجل نفسه، لكن عندنا هنا مجال للترجيح، فما دام أنه يوجد مجال للترجيح فيرجح قول الأثبت عن هذا الراوي، خصوصا وأنه قد روي عنه بهذين الوجهين. وإن أمكن الجمع جمعا، وستأتي بعض الأمثلة التي تبين هذا المعنى سواء في هذا الشرح أو في التعليق عليه إن شاء الله. قال: «وخبر ذو» قوله «مضطرب عند أهيل الفن» يعني ذو في أول البيت وصدره خبره، أي من من النحو عندنا مبتدأ وخبر، فخبره مضطرب، يعني الذي في عجز البيت. قال قوله «مضطرب عند أهيل الفن» أي فالحديث الموصوف بما ذكر مشهور عندهم بأنهم مضطرب بكسر الراء مضطرب، وهذا بما ذكر من القيود. قد يقول قائل: لم يذكر الناظم هذه القيود؟ الجواب: الناظم يختصر وهو يحيل إلى الكتب التي تذكر ذلك بالقيود، وإلا فبعضهم ربما استدرك على هذا البيت فأضاف بعض القيود، وسيأتي معنا إن شاء الله تعريفه بما يتبين أن إشارة الناظم إلى هذا المعنى فيها تلميح بالقيود. قال: قال مثاله في الإسناد حديث «شيبتني هود أخواتها» فإنه اختلف فيه على أبي إسحاق، فقيل: عن عكرمة، وقيل: عنه عن البراء، وقيل: عنه عن الأحوص، وقيل: غير ذلك. حديث «شيبتني هود وأخواتها» حكى كثير من أهل العلم من أهل الحديث بأن فيه اضطرابا، وبعض الحفاظ رجح أنه ليس بكل طرقه مضطربا، بل يوجد في بعض طرقه ما يمكن ترجيح بعض تلك الأسانيد، وهذا هو الصحيح. وهذا مثال للحديث المضطرب في السند، ولكن لا يصح هذا المثال؛ لأن الصحيح أن هذا الحديث ليس بمضطرب، وقد ذكر العلامة الألباني رحمه الله في كتابه «الصحيحة» أن الحديث قد صح، يعني بوجود الطرق التي ترجح أحد تلك الأوجه التي قال الكثير من العلماء أنها مضطربة، يعني لا يمكن الترجيح. وقد سبق علمنا أن من شرط المضطرب اختلاف لا يمكن معه الجمع ولا الترجيح، وما دام أنه يمكن الجمع والترجيح فهو ليس بمضطرب، وهنا أمكن ترجيح ترك أحد تلك الطرق، وذلك كما أشار العلامة الألباني رحمه الله وغيره كذلك من أهل العلم، بترجيح رواية أبي إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم. فهذه الرواية للحديث التي جاءت من طريق أبي إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس عن أبي بكر رويت عن ثلاثة من الثقات، فقد اتفق شيبان وأبو الأحوص وإسرائيل، وإسرائيل من أثبت الناس في أبي إسحاق -هو السبيعي-، فهؤلاء الثلاثة اتفقوا في رواية هذا الحديث من طريق أبي إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس عن أبي بكر. وكون هؤلاء الثلاثة يتفقون في هذا هذا ترجيح لأحد الروايات المروية في هذا الحديث، ولهذا صحح العلامة الألباني رحمه الله في المجلد الأول من «الصحيحة» هذا الحديث من طريق أبي إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس عن أبي بكر. وأشار كذلك إلى أن ابن أبي حاتم أشار إلى ترجيح رواية ابن عباس، على تنبيه ذكره يرجع إليه هناك، أشار إلى أن ابن أبي حاتم رجح أو أشار إلى ترجيح رواية ابن عباس هذه. فإذا الحديث ليس بمضطرب على الراجح، وسيأتي معنا مثال آخر أحسن منه إن شاء الله في التعليق في الدرس اللاحق إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: «ومثاله في المتني حديث فاطمة بنت قيس قالت: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الزكاة فقال: إن في المال حقا سوى الزكاة» هكذا رواه الترمذي من رواية شريك عن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة. «ورواه ابن ماجة من هذا الوجه: ليس بالمال حق سوى الزكاة» وهذا المثال كاف في الإيضاح، فلا يعترف بإمكان الجمع بحمل الأول على المندوب والثاني على الواجب؛ لأنه ليس من دأب المحصلين. يعني لهذا العلم، وهذا الحديث الصحيح أنه ضعيف، فضعفه من جهة إسناده أغنى أن نقول أنه مضطرب؛ لأن راويه ضعيف، وزيادة على ذلك أنه اضطرب في هذا الحديث، فهذا الحديث مداره على أبي حمزة، وهو كما أشير عندكم ميمون الأعور القصاب أحد الضعفاء. فقد روي عند الترمذي برواية الإثبات هكذا من طريق أبي حمزة، وقد ذكر الترمذي رحمه الله أن في إسناده أبا حمزة هذا وهو ضعيف، ورواه ابن ماجة بالنفي «ليس في المال» وفي رواية الترمذي «إن في المال» وفي رواية ابن ماجة النفي، وكل الروايتين مدارها على هذا الراوي الضعيف. فالحديث ضعيف لضعف هذا الراوي، وازداد ضعفه لاضطرابه في هذا الحديث، تارة يرويه بالإثبات وتارة يرويه بالنفي، ولهذا قال العلام الألباني رحمه الله في هذا الحديث أنه حديث ضعيف أو مضطرب منكر؛ لأن الراوي ضعيف، وزيادة أورده بهذه النكارة بهذا الاضطراب. وقد ذكره في «الضعيفة» رحمه الله تعالى، ولا ينافي ذلك أنه روي عن بعض الصحابة والتابعين أي بعض هذا المعنى بأسانيد صحيحة، فقد روي عن ابن عمر رواه ابن أبي شيبة، روي عن ابن عمر موقوفا صحيحا «إن في المال حقا سوى الزكاة» بالإثبات. وهكذا ذكر الترمذي رحمه الله بعد رواية هذا الحديث أنه صح عن الشعبي موقوفا عليه من طريق بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي، وأنه هو الراجح، يعني لم يصح مرفوعا عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما صح من قول الشعبي، فيكون في هذا تأكيد لما أشار إليه الألباني رحمه الله من أن مخالفة أبي حمزة عبارة عن نكارة؛ لأن الضعيف إذا خالف ثقات كانت مخالفته ماذا؟ ماذا يسمى؟ مخالفة الضعيف نكارة، فحديثه منكر. لأن الثقات رووه موقوفا عن ابن عمر كما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح وصححه العلامة الألباني رحمه الله في «الإرواء»، وروي عن الشعبي بإسناد صحيح كذلك كما أشار إليه الترمذي رحمه الله، ومعناه كذلك صحيح. وقد أشار العلامة الألباني رحمه الله في «الصحيحة» إلى حديث روي عن ابن عباس وأنس وعائشة، وهو بمجموع طرقه حديث حسن «ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع» «ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع» صح عن النبي عليه الصلاة والسلام مرفوعا عن هؤلاء الصحابة الثلاثة بطرق يشد بعضها بعضا ويرتقي إلى الحسن. قال الشيخ الألباني رحمه الله بعد ذكر هذا الحديث: «وفيه صحة معنى حديث: إن في المال حقا سوى الزكاة» وهكذا في أثر ابن عمر حين سأله رجل: لمن أد زكاة؟ قال: «أده لولاة أمرك من الأمراء» فقال هذا السائل: إذن يا أبا عبد الرحمن يجعلونها في ثيابهم وطيبهم -يعني يظلمون الناس ولا يضعونها في موضعها- فقال: «ولو فعلوا فإن في مالك حقا سوى الزكاة» يعني أنت واسي الفقراء من مالك الآخر، وهؤلاء أمرهم إلى الله وذمتهم عند الله -أي إن ظلموا- فالشاهد في صحة هذا المعنى. فإذا الحديث من جهة الرواية مرفوعا مضطرب لا يصح، وأما من جهة ترجيح أحد المعنيين، ما هو المعنى الصحيح؟ هل الأول أو الثاني؟ نقول: المعنى الصحيح ما هو الأول؟ وهو الإثبات؛ لأنه ثبت معناه في الأحاديث الصحيحة، وصحة عن السلف إثبات هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: «وحكمه الضعف لإشعاره بعدم ضبط راويه أو رواته» راويه إذا كانت المخالفة عن راوي واحد مثل مخالفة أبي حمزة ها هنا، ورواته إذا كان الرواة كثر مثل حديث «شيئة نيهود» عند عدم الترجيح، والصحيح أنه فيه ترجيح. قال: «فاجتنبه» ثم إذا كان في اسم رجل وأبيه وكان ثقة فهو غير ضعيف، وقد أشار الحافظ بن حجر رحمه الله إلى أن الاختلاف الذي لا يؤثر قدحا -يعني لا يسبب قدحا في الحديث- لا يضر. فإذا ليس كل اختلاف يكون سببا للحكم بالاضطراب، وإنما الاختلاف الذي لا يكون الذي يكون معه سبب للضعف هو الذي يكون به الحكم بالاضطراب، فمثلا الاختلاف في أسماء الرواة ما دام أن الراوي ثقة فلا يضر. لا يضر ذلك، سواء قيل: يعني مثلا ممن اختلف في أو ذكر الاختلاف في اسمه، نعم من يستحضر اسم راوي، أنا الآن ما أذكر بعض الرواة اختلف في اسمهم في أسمائهم، فإذا اختلف في اسم راوي وهو ثقة لكن اختلف في اسمه فلا يضر. مثلا على سبيل المثال الصحابة كلهم عدول، فلا يضر الاختلاف في اسمه، هل هو مثلا أبو هريرة عبد الرحمن بن هرمز أو هو عبد الله أو هو غير ذلك؟ اختلف في اسمه على أسماء كثيرة، ولم يرجح الحفاظ والمحققون أحد هذه الأسماء، ولهذا ذكر أبو هريرة في الكنى، فلا يضر الاختلاف في اسمه لا يضر. وهكذا لو كان أحد الرواة كذلك معروف بالثقة واختلف في اسمه فإنه لا يضر هذا الاختلاف، وبه نعرف أن الذي يضر من الاختلاف هو الاختلاف الذي يسبب القدح، وهو الذي به يحكم على الحديث بالاضطراب، وسيأتي زيادة بيان إن شاء الله في الكلام على التعليق، ونكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.