التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 30

التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 30

الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 30، الدرس الثلاثون: الحديث الغريب . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في تعريف الغريب وأقسامه

الغريب هو الحديث الذي تفرد راويه بروايته، وقد يكون صحيحًا أو ضعيفًا أو حسنًا، وينقسم إلى غريب متنا وإسنادًا وغريب إسنادًا لا متنًا. يتناول المقطع تعريف الغريب وأنواعه.

تفصيل أقسام الغريب وأنواعه

يناقش المقطع أقسام الغريب في الحديث النبوي، حيث يشرح تقسيمات الغرائب والأفراد ويقدم أمثلة على ذلك، ويبين أن الغرابة قد تكون في الإسناد أو المتن أو كليهما. يوضح أن التفرد ليس دائمًا سببًا للضعف إذا كان الراوي ثقة.

تطبيقات وأمثلة على الغريب وتأجيل لمتابعة الموضوع

يقدم المقطع أمثلة على الأحاديث الغريبة مثل حديث تخليل أصابع الرجلين في الوضوء، ويبين أن الغرابة قد تكون مطلقة أو نسبية. يتم ختام الدرس الحالي مع التأجيل لباقي الموضوع لدرس لاحق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. وصفة مشبهة بمعنى المنفرد أو البعيد عن قاربه، وسبق ارتباط المعنى اللغوي بالمعنى الاصطلاحي. قال: اصطلاحًا هو الحديث الذي تفرد راويه بروايته عن من يجمع حديثه، لضبطه وعدالته، كالزهري وقتادة وأشباههما. ومعناه: من تقبل روايته عن من يجمع حديثه، أو يجمع من يجمع حديثه. والمقصود أنه التفرد الذي لا يضر. وكما قلنا: إن هذا ليس على إطلاقه، كما سيأتي إن شاء الله. فالغرابة تأتي بمعنى التفرد على معانيه التي ستأتي. ثم هو بحسب أسانيده، منها هو صحيح، ومنها هو ضعيف، ومنها هو حسن. ثم ومنها هو تفرد مطلق، ومنها هو تفرد نسبي. وقسم آخر من التفرد المراد به المخالفة، والغرابة المراد بها المخالفة، أي التي تضر. فليس كل ما قيل فيه: فرد أو غريب، يستلزم عدم الضعف. فبعضه يضعف بحسب إسناده، وبعضه يضعف لأن المقصود من التفرد والغرابة النكارة، كما سيأتي إن شاء الله. قال رحمه الله: «وإنما سمي غريبًا؛ لأنه حينئذ كالغريب الوحيد الذي لا أهل عنده، أو لبعده عن مرتبة الشهرة، فضلًا عن التواتر». وسبق الكلام على هذا في الدرس السابق. قال: «وأنت ترى أنهم اشترطوا فيه أن يكون المروي عنه ممن تجمع روايته، أي: تقبل، ويقبل عليه المحدثون؛ يعني: يقبلون منه الرواية». قال: «ومع هذا؛ فقد تفرد عنه واحد». وبهذا الشرط يفارق الفرد الظاهر، وإن كانت الحقيقة أنه لا فرق بينهما. ومعنى هذا الكلام الذي نقله من كلام الصنعاني، بتوضيح الأفكار: يريد أن يقول رحمه الله: إن الفرد والغريب يؤخذ عن من تجمع روايته، أي: تقبل روايته، كما مثل في الزهري وقتادة. وكونه تفرد عنه واحد، هذا لا يضر، ما دام أنه تقبل روايته. وقوله: «وبهذا الشرط يفارق الفرد الظاهر»، يريد بذلك أن الفرد ها هنا ليس الفرد الذي على إطلاقه، من أوله إلى آخره، أو الذي فيه معنى الضعف. فالغريب والفرد في هذا المبحث يتناول الغريب والفرد المطلق، والغريب والفرد النسبي. النسبي: يعني في بعض طبقات السند، أو لفظة بالنسبة لألفاظ أخرى في المتن، كما سيأتي إن شاء الله. وهو أنواع، أي النسبي. ولا يلزم من كل ما قيل فيه: فرد وغريب، الضعف؛ لأنه ينظر إليه بحسب إسناده. كما لا يلزم أن يقال: فرد وغريب له من يروي مثله؛ يعني الحديث. فقد يقال: غريب أو فرد بالنسبة لغيره، ولو رواه أكثر من واحد. قال: «أقسام الغريب بحسب موضع الغرابة فيه: الغريب متنا وإسنادًا، وهو الحديث الذي تفرد برواية متنه راو واحد». مثاله: حديث محمد بن فضيل عن عمار بن القعقاع عن أبي زرعة -وهو ابن عمر بن جرير، اختلف في اسمه، قيل: عبد الله، وقيل: عمر، وقيل: زرعة، وقيل: غير ذلك- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، متفق عليه. فهذا الحديث تفرد به أبو هريرة، ثم تفرد به عنه أبو زرعة، وتفرد به عن أبي زرعة عمار، وتفرد به أيضًا عن عمار محمد بن فضيل. ويعبر الترمذي عن هذا القسم بمثل قوله: «غريب، لا نعرف إلا من هذا الوجه». وهذه الغرابة -كما ترون- غرابة نسبية؛ يعني: ليس هو من أول الإسناد إلى آخره غريبًا، ولكن هو من جهة محمد بن فضيل إلى منتهى الإسناد هو غريب. وما بعد محمد بن فضيل ممن يروي عنه ليس بغريب. ومع ذلك سمي غريبًا. قال: «الثاني: الغريب إسنادًا لا متنًا، وهو الحديث الذي متنه معروف مروي عن جماعة من الصحابة». إذا تفرد بعضهم بروايته عن صحابي آخر، كان غريبًا من ذلك الوجه، مع أن متنه غير غريب. وفيه يقول الترمذي: «غريب من هذا الوجه». ومن أمثلته -كما قال ابن سيد الناس- حديث رواه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأعمال بالنية». قال الخليلي في الإرشاد: «أخطأ فيه عبد المجيد، وهو غير محفوظ عن زيد بن أسلم بوجه». قال: «فهذا مما أخطأ فيه الثقة». وعبد المجيد ليس بثقة، بل صدوق يخطئ كثيرًا، فمرتبته في الشواهد. وبعض أهل العلم يرى أنه حسن، إلا ما أشار العلماء أنه أخطأ فيه، فحديثه يحتمل التحسين. قال ابن سيد الناس: «هذا إسناد غريب كله، والمتن صحيح». المتن صحيح؛ لأنه ثبت من حديث عمر: «الأعمال بالنية». وأما كونه غريبًا من جهة السند؛ فلأنه روي بإسناد لا يعرف له نظير. قد يقول قائل: أصل حديث عمر كذلك غريب. فيقال: نعم، لكن الغرابة هنا غرابة باعتبار الأصل الثابت. وهذا من المعاني التي يعلم فيها أن الغريب يطلق على الغرابة التي بمعنى النكارة. فهنا غريب ليس فقط من باب التفرد، ولكنه من باب النكارة والمخالفة. وقد بين الدارقطني رحمه الله تعالى في علله: أن هذا الحديث أخطأ فيه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، رواه عن مالك عن زيد بن أسلم. وأما أصحاب مالك الحفاظ؛ فهم يروونه عن مالك عن يحيى بن سعيد -يعني بإسناد حديث عمر- عن محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر رضي الله عنه. فصار عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد أخطأ فيه، تفرد بروايته عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد. فكأن الإسناد انقلب عليه، فبدل من أن يرويه مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم؛ رواه مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، فأخطأ فيه. وهكذا أيضًا هذا الحديث رواية له أسانيد كثيرة، وكلها لا تصح إلا ما جاء من حديث يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة عن عمر رضي الله عنه. فعلمنا الآن معنى غرابة السند ها هنا، وعدم غرابة المتن؛ لأن أصل المتن ثابت. وأما هذا السند؛ فهو غريب بالنسبة لغيره. ومع ذلك فمعنى الغرابة هنا النكارة. قال: «الثالث: الغريب متنا لا إسنادًا». قال ابن الصلاح في مقدمته: «فلا يوجد إذن ما هو غريب متنا وليس غريب إسنادًا؛ إلا إذا اشتهر الحديث الفرد عن من تفرد به، فرواه عنه عدد كثيرون؛ فإنه يصير غريبًا مشهورًا، وغريبًا متنا، وغير غريب إسنادًا». لكن بالنظر إلى أحد طرفي الإسناد؛ فإن إسناده متصف بالغرابة في طرفه الأول، متصف بالشهرة في طرفه الآخر. كحديث «إنما الأعمال بالنيات»، وكسائر الغرائب التي اجتمعت عليها التصانيف المشهورة؛ يعني: اشتهرت على الألسنة، وهي رويت بطرق غريبة أو مفردة. فحديث «إنما الأعمال بالنيات» من جهة متنه ماذا؟ غريب؛ لأنه روي بإسناد واحد، باعتبار أول السند، وباعتبار سنده -أي ما بعد يحيى بن سعيد- وباعتبار وقوعه وجريه على الألسن؛ أنه حديث صحيح، فهو ليس بغريب؛ لأنه قيل: رواه عن يحيى بن سعيد أكثر من سبعين رجلًا. فيكون في هذا ارتفاع معنى الغرابة في آخر السند. ولأجل هذا التفصيل؛ قال من قال من أهل العلم: إنه لا يوجد حديث غريب متنا ليس بغريب إسنادًا؛ لأنهم قالوا: هذا يقتضي التناقض. كيف يمكن أن يكون المتن غريبًا والسند مشهورًا وليس بغريب؟ هذا لا يحصل؛ لأنه لو كان متن غريب؛ يستلزم أن يكون السند كذلك غريبًا. لا يكون المتن غريبًا والسند غير غريب. ولكن قال ابن الصلاح وغيره: هذا ممكن على هذا التفصيل. أن يقال: السند ينقسم إلى قسمين؛ فقسم منه غريب تبعًا للمتن، وقسم منه ليس بغريب تبعًا لاشتهار هذا المتن على الألسن، والمعرفة -مثلًا- بصحته. مثل حديث النية؛ فيحيى بن سعيد إلى عمر، مرورًا بمحمد بن إبراهيم وعلقمة، هذا غريب. وما بعد يحيى بن سعيد مشهور. قال: ثم أشار إلى أنه أخذ ذلك من كلام محمد بن طاهر المقدسي؛ فإنه قسم الغرائب والأفراد إلى خمسة أنواع. خامسها: أسانيد ومتون ينفرد بها أهل بلد، لا توجد إلا من روايتهم. وهذا هو التفرد النسبي. كان يقال: مثلًا هذا إسناد مصري غريب. قال: «وسنن يتفرد بالعمل بها أهل مصر؛ يعني أهل بلد، لا يعمل بها في غير مصرهم؛ يعني في غير بلدهم». ثم تكلم أبو الفتح على الأقسام التي ذكرها ابن طاهر، إلى أن قال: «وأما النوع الخامس؛ فيشمل الغريب كله سندًا ومتنا، أو أحدهما دون الآخر». قال: «وقد ذكر أبو محمد بن وحياث بسند له: أن رجلًا سأل مالكًا عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء، فقال له مالك: إن شئت خلل، وإن شئت لا تخلل». قال: «وكان عبد الله بن وهب حاضرًا». وعبد الله بن وهب ماذا؟ مصري. قال: «فعجب من جواب مالك؛ يعني: لماذا لم يجزم بالتخليل؛ لأن مالك ليس عنده فيه حديث ثابت -كما سيأتي-». قال: «وذكر لمالك في ذلك حديثًا بسند مصري صحيح، وزعم أنه معروف عندهم؛ فاستعاد مالك الحديث، واستعاد السائل، فأمره بالتخليل». هذا أو معناه؛ يعني أو معنى القصة. قال: «والحديث المذكور رواه أبو داود والترمذي من رواية ابن لهيعة عن يزيد بن عمر المغافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن المستورد بن شداد». قال الترمذي: «حديث حسن غريب، لا نعرف إلا من حديث ابن لهيعة». انتهى. وهذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف، لكنه ورد من طريق أخرى، من طريق الليث بن سعد، يرويه إلى لقيط بن صبرة. جاء من حديث لقيط بن صبرة، وحسن. قال: «ولم ينفرد به ابن لهيعة؛ بل تابعه عليه الليث بن سعد، وعمر بن الحارث؛ كما رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب عن عمه عبد الله بن وهب عن الثلاثة المذكورين». وصححه ابن القطان؛ لتوثيقه لابن أخي ابن وهب. فقد زالت الغرابة عن الإسناد بمتابعة الليث، وعمر بن الحارث لابن لهيعة. والمتن غريب والله أعلم. فغرابة المتن من جهة أنه ماذا؟ أنه لم يرو إلا في هذا الحديث فقط؛ أي: تخليل الأصابع. فلم يصح في الدنيا إلا من حديث لقيط بن صبرة. لم يصح في الدنيا إلا من حديث لقيط بن صبرة؛ فهو بهذا الاعتبار غريب. ولكنه عند المصريين مشهور؛ لأن له روايات. وهذا هو ما أشار إليه رحمه الله تعالى. قال: «ويحتمل أن يريد بكونه غريب المتن لا الإسناد؛ أن يكون ذلك الإسناد مشهورًا، جادة لعدة من الأحاديث؛ بأن يكونوا مشهورين برواية بعضهم عن بعض، ويكون المتن غريبًا لانفراد به». والله أعلم. مثاله: مثلًا مالك عن نافع عن ابن عمر، هذا متن ماذا؟ متن مشهور، بل يسمى عند أهل الحديث سلسلة الذهب؛ لقوة هذا الإسناد. لكن إذا روي حديث غريب بمثل هذا الإسناد المشهور؛ فهو -أي الحديث- باعتبار المتن غريب، وباعتبار السند ليس بغريب. وإن كان هذا الحديث روي بهذا الإسناد؛ لكن هذا الإسناد له من القوة والشهرة ما يقتضي أن لا يكون الإسناد غريبًا. وهذا يضيف إلينا معنى آخر؛ وهو أن الغرابة ليست بمطلق التفرد. فرب من يروي الحديث الواحد لا يساويه عشرات يخالفونه في ذلك. فإذا ليس كل غريب وكل تفرد سبب للضعف؛ بل بعض ما يتفرد به الثقات -ألا إما الحفاظ- يكون أقوى من غيره ممن يروي بأكثر. وفي هذا تأكيد لمسألة الأخذ بخبر الآحاد، والرد على منكريه. فرب حديث واحد آحاد غريب، لكن فيه من قوة الرجال ما هو أقوى من غيره ولو كثر. طيب نقف عند هذا الحد، ونترك الباقي في درس لاحق، والله تعالى أعلم. طيب يقول: هذا ما قرأت. كلام العراقي، إن شاء الله نقرأه في الدرس اللاحق. نبقي التنبيه هذا.