الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 61، الحديث المؤتلف والمختلف . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الشارح شرح المؤتلف والمختلف في علم الحديث وأهمية التمييز بينهما لتجنب التصحيف. المؤتلف والمختلف مصطلحان يشيران إلى الأسماء المتشابهة في الخط ولكن مختلفة في النطق.
يتحدث عن أهمية ضبط أسماء الرجال في الكتب الحديثية وتفاوت الكتابة بسبب عدم وجود نقط أو حركات. كما يتناول أهمية علم معرفة الأسماء والتصحيف في تجنب الخطأ والالتباس في أسماء الرجال.
يذكر أشهر المصنفات في علم معرفة الأسماء مثل كتاب الإكمال لابن ماكول، ويشير إلى كتابه تبصير المنتبه بتحرير المشتبه الذي وضعه لضبط الأسماء المتشابهة في الحديث النبوي.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الناظم رحمه الله تعالى: مؤتلف متفق الخط فقط، وضده مختلف، فخش الغلط. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله مؤتلف مأخوذ من الاتلاف والاتفاق، ويعرف بأنه متفق، أي حديث اتفق في سنده اسم الراوي ونحوه مع غيره في الخط فقط دون اللفظ، فإنه فيه مختلف، يعني ظاهر الخط واحد، وأما لفظه ونطقه فمختلف، كما سيأتي معنا إن شاء الله، له أمثلة كثيرة. قال: وقوله وضده أي مثل المؤتلف وهو المختلف في اللفظ مختلف، أي مسمى بذلك، أي فهو مختلف، ومراده أن الحديث الذي يكون كذلك يسمى بالمؤتلف والمختلف، فهو قسم واحد، وتحته قسمان: الأول ما لا ضابط له لكثرته، كأسيد مصغرا وأسيد مكبرا. والثاني ما ينضبط لقلته في أحد الطرفين، نحو عمارة كله بضم العين إلا أبي بن عمارة الصحابي، أو عمارة الصحابي بكسرها. قال: وكقولهم كل ما وقع في الصحيحين والموطأ فهو حازم بالحاء المهملة والزاء لا خارم، يعني بالخاء المعجمة الفوقية. قال: وفائدته الاحتراز عن الوقوع في التصحيف الذي هو الخطأ في الحروف بالنق، فإذا علمت ذلك فخشى، أي واحذر الغلط، أي الوقوع فيه، فإنه مهم لا يدخله قياس، وليس قبله أو بعده ما يرفع الالتباس، يعني إلا ما كان من وقوفك على تنبيه أهل العلم إلى كيفية نطقه. ثم الخطأ لا يقف عند مسألة النطق فقط، بل ربما يحصل كذلك الالتباس في الرجال، فيلتبس عليك رجل بآخر. قال رحمه الله: تنبيه، هذا غير النوع المسمى بمختلف الحديث، وهو أن يكون بين الحديثين تناف ظاهرا، يعني ما ظاهره التنافي، فيجمع بينهما، كحديث لا عدوى ولا طيرة، وحديث فر من المجذوم فرارك من الأسد، والجمع بينهما بأن يقال: حديث لا عدوى ولا طيرة، وحديث جاء في الصحيحين، وبعضه في صحيح مسلم، عن عدد من الصحابة، روي عن ابن عمر، وأبي هريرة، وجابر، وجماعة، ما حديث فر من المجذوم فرارك من الأسد، وقد روي معلقا في صحيح البخاري، ووصل خارج الصحيح بإسناد حسن. فالجمع بين الحديثين أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالفرار من المجذوم كالفرار من الأسد لا ينافي نفي العدوى، إذ المراد بنفي العدوى نفيها على ما كان يظنه أهل الجاهلية، وأهل الجاهلية كانوا يظنونه على أحد معنيين: المعنى الأول أنه يعدي بأصله، فكانوا يظنون أنه إذا وجد فلابد أن تقع العدوى، فنفى الإسلام ذلك. والأمر الثاني أنه يقع على كل حال مع عدم تعلقها بمشيئة الله، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمهم أن ذلك غير صحيح. ولهذا جاء في حديث ابن مسعود أنه قال: لا يعدي شيء شيئا، لا يعدي شيء شيئا، كررها ثلاثا، فذكر له الرجل الإبل وما يصيبها من جرب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: فمن أجرب الأول؟ ومعناه: كما أن الأول أصيب بالجرب من غير سبب ظاهر، فالله جل وعلا قادر على أن لا يصيب الثاني مع وجود السبب، وهو على كل شيء قدير. حتى لا يكون المؤمن رعديدا ضعيفا يخاف من الأسباب أعظم من خوفه من الله، ويتعلق بالأسباب أعظم من تعلقه بالله، ولا يعني ذلك أن المسلم لا يؤمر بالأخذ بالأسباب، بل يؤمر بالأخذ بالأسباب مع التوكل على الله سبحانه وتعالى. ومن هذا الباب قول النبي عليه الصلاة والسلام: فر من المجذوم فرارك من الأسد، هذا من الأخذ بالأسباب، أنك تجتنب أسباب الداء. وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم، الحديث: لا يوردن ممرض على مصح، فهو من هذا الباب من الأخذ بالأسباب. لكن مثلا إذا ابتليت أسرة بفرد من أفرادها أصيب بالجدام، ماذا يصنع معه؟ هل يقصر في الواجب الذي يجب من تطبيبه، فيرمى كما ترمى الدابة؟ لا شك أن هذا لا يجوز، لكن يطبب مع الحذر، يطبب مع الحذر، وهذا من التوكل. كما أنه يطبب في تلك المحاجر الصحية بالوقاية، فكذلك يطبب مع الأخذ بالأسباب كما يأخذ بالأسباب في المحاجر. ولما كان عند الناس ضعف في التوكل، ربما أدنى مرض يرمى بالأب أو الأم في المحاجر الصحية، بل ربما يرمى بالولد في المحاجر الصحية، وهذا من المبالغة في التعلق بالأسباب. إلا إذا حصل التوكل الصحيح، ووضعت الأسباب في مواضعها، وميزان الشرع الصحيح، لم يحصل مثل هذا الإفراط ولا التفريط، والمقصود هو الوسط في هذا الباب. قال المعلق رحمه الله تعالى: تعريف لغة المؤتلف اسم فاعل من الاتلاف في معنى الاجتماع والتلاقي، وهو ضد النفرة، وهذا ظاهر من قوله: ائتلف يأتلف ائتلافا. قال: والمختلف اسم فاعل من الاختلاف، ضد الاتفاق، وهذا ظاهر. قال: اصطلاحا أن تتفق الأسماء خطا وتختلف نطقا، سواء كان مرجع الاختلاف النقط أم الشكل، يعني النقط أو الحركات. قال: مثاله سلام وسلام، فسلام بالتشديد، وسلام بالتخفيف، فيوجد من الرجال من اسمه سلام، ومن اسمه سلام. وهكذا كذلك كما ترون الآن الاختلاف في تكرار الحرف والشكل، أي التشديد. قال: وعمارة وعمارة، عمارة بضم العين، وعمارة بكسر العين. وكذلك يوجد عمارة وغمارة بالغين. وهذا إذا لم يدقق المحدث فيه يحصل له الخطأ. قال: وحزام وحرام، حزام بالحاء والزايا المعجمة، وحرام بالحاء والمفتوحة. وهناك الحاء المكسورة حزام، وهنا حرام، ولكن هنا بالراء المهملة، أي بدون نقط. وهكذا قريب منه خرام وخزام وخزام، وكله قد ورد كما أشار إلى ذلك بعض أهل العلم في تعليقاتهم على الباعث الحثيث للشيخ أحمد شاكر رحمه الله. قال: وعباس وعياش كذلك الآن، ظاهر الكتابة متفقة: العين والباء والألف والسين. وكما مر معنا لأنهم كانوا قديما يكتبون بغير نقط، فإذا كتبت عباس وكتبت عياش، فسيكون الكتب واحد، لكن هنا بالباء المعجمة الموحدة، وهنا بالياء المعجمة المثناة التحتية، وهذه موحدة تحتية، ثم هذا بالسين المهملة، وهذا بالمعجم الشين. قال: وغنام وعثام، وكذلك يوجد غثام، يوجد عثام، ويوجد غثام، وهذا كذلك من المؤتلف المختلف، مؤتلف من جهة كيفية الكتابة، ومختلف من جهة النقض والشكل، فيختلف النطق. قال: وبشار ويسار، ويوجد كذلك سيار. قال: وبشر وبسر، وكذلك يوجد يسر ويسر. قال: وبشير ويسير، ونسير كذلك، انظروا كتابته واحدة، ولكنه يختلف في النقط، وفي الشكل، فيختلف بذلك النطق لاختلاف النقط والحركات. وكذلك يوجد نسر، وكذلك نسر، فهذا الباب فيه الكثير مما قد يحصل فيه اللبس، وليس هو في الأسماء فحسب، بل في الأسماء، وكذلك قد يكون كذلك في الأنساب والألقاب. فمن الأسماء التي ذكروها كذلك كريز وكريز. ومن الأنساب العنسي والعيشي والعبسي، الكتابة واحدة، لكن فيها اختلاف: عنسي وعيشي وعبسي. وهكذا الحمال والجمال، وكذلك البزار والبزاز، وكذلك البصري والنصري، بصري ونصري. وكذلك الخباط والحناط والخياط، خباط حناط خياط، مؤتلف في الكتابة، مختلف في النطق لاختلاف النقط والحركات. وكذلك الأبلي والأيلي، إذا كتبتها بدون نقط ولا حركات تلتبس. قال رحمه الله: هل له ضابط؟ قال: أكثره لا ضابط له لكثرة انتشاره، ومعنى يحتاج كثرة قراءة وممارسة وسماع من المشايخ. واليوم بفضل الله أعين طلبة العلم بالكتب التي قد خدمت بالتحقيق، ففيها من تبيين النقط والحركات ما يعين طالب العلم على حسن نطق أسماء الرجال، فيسلم له الخطأ. قال: وإنما يضبط بالحفظ كل اسم بمفرده، فإذا يحتاج طالب العلم أن يقرأ في أسماء الرجال. وأعظم من ذلك إذا علم طالب العلم أن بعض الكتب فيها أخطاء كثيرة، فمثلا بعض الطبعات الهندية القديمة تجد فيها أخطاء كثيرة من هذا الباب. وهكذا بعض الكتب المعاصرة من الطبعات التجارية التي لا تحقق، توجد اليوم طبعات تجارية ربما تجد فيها أحيانا صفحات بيضاء، ليس فقط كلمة، صفحات بيضاء، فما ظنك بأسماء الرجال كيف يضبطونها؟ ما يضبطونها، بل ربما بعض الذي يشرف على طباعة الكتب عمره ما جلس بين المشايخ، ولا عرف العلم، فضلا عن علم الرجال، فصارت تجارة. أما من قديم، فكان لا يقوم على الطباعة إلا العلماء، مثل مطبعة دمشق، فكان القائم عليها من أهل العلم يشرفون، وهم علماء، لأنهم يعرفون أن هذا الباب أمانة، فلا يرتضون أن يخرج شيء إلا بعد تحقيق. ولهذا كما كان يقول بعض مشايخنا أصحاب المكتبات، ومن تطبع الكتب على وجه الخصوص، يجب أن يكون عندها لجان علمية، هذا من واجب الأمانة، لا يجوز أن يطبع كتاب بدون أن يجعل له تحقيق، يعني أحد يراجعه وينظر فيه حتى يسلم من الخطأ، لا بد أن يراجع. لا يقول: أنا وكلت أصحاب المطبعة، ما يكفي، أصحاب المطبعة جهال. فإذا لم تقم يا من تطبع الكتب بالإشراف على هذه الكتب، والنظر فيها، والتأكد من السلام من الخطأ، تعلقت بك قضية الإخلال بهذه الأمانة. قال رحمه الله تعالى: منه ما له ضابط، وهو قسمان، الأصل أنه ليس له ضابط، هذا هو الأصل في هذا الباب، لأن الأسماء كثيرة، لكن قد توجد بعض الأسماء بالاستقراء حصرها العلماء. قال: منه ما له ضابط، وهو قسمان: أولا ما له ضابط على العموم، مثل سلام وسلام، فجميع ما يرد عليك من ذلك فهو بتشديد اللام، إلا خمسة وهم: سلام والد عبد الله بن سلام الصحابي، وسلام والد محمد بن سلام البيكندي البخاري شيخ البخاري، وسلام جد محمد بن عبد الوهاب بن سلام المتكلم الجبائي أبي علي المعتزلي، وسلام بن محمد بن ناهض المقدسي، روى عنه أبو طالب الحافظ والطبراني، وسلام بن أبي الحقيق. هؤلاء خمسة ذكر أهل العلم أنهم ينطقون بالتخفيف سلام، وغير هؤلاء الخمسة فينطقون بالتشديد سلام. وكما ذكر أن بعض أهل هذا العلم نبهوا على ذلك، إلا أن بعضهم ذكر في الأخير سلام بن أبي الحقيق، وهو اليهودي من بني النضير، أحد مجموعة من اليهود حزب الأحزاب، فقتل مع بني النضير الذين نقضوا العهد. فقيل: أن اليهود كانوا لا يسمون بالتشديد، وإنما بالتخفيف سلام. قال رحمه الله تعالى: نعم، الثاني ما له ضابط على الخصوص، مثل ما وقع في الصحيحين والموطأ، فكل ما وقع في الصحيحين والموطأ يسار بالمثناة ثم المهملة، إلا محمد بن بشار فبالموحدة والمعجمة. وفيها: سيار بن سلامة، وابن أبي سيار بتقديم السين. ومعنى أن بعض أهل العلم وضع هذا الضابط الآخر: أن ما جاء في الصحيحين والموطأ مما فيه يسار، فهو يسار بالمثناة وتقديم الياء، إلا محمد بن بشار، فإنه بالباء المعجمة الموحدة التحتية، وتشديد الشين، وشين معجمة. وهكذا ما ذكر في سيار بن سلامة، وابن أبي سيار بتقديم السين، يعني هذه ثلاثة ألفاظ قد تلتبس: يسار، بشار، سيار، وضابطها على ما سمعنا. فالأصل يسار، واليوم قد أعين الناس بوجود النقط، وكذلك التشكيل الغالب على أكثر الطبعات، وتيسر كتب الرجال التي تعين على ذلك. قال رحمه الله: أهمية وفائدته. قال ابن الصلاح: هذا فن جليل، من لم يعرف من المحدثين كثر عثاره، ولم يعدم مخجلا، يعني ما يخجله حيث ينطق الشيء على خلاف ما ينطق به، والعثار يعني السقطات، مثل التعثر الحسي إذا تعثر بحجر ونحوه، كذلك هذا تعثر معنوي في النطق. قال: وهو منتشر، لا ضابط في أكثره، يفزع إليه، يعني يرجع إليه، وإنما يضبط بالحفظ تفصيلا، كل شيء في بابه يحفظ. ولكن مما يعين على ذلك كما قلنا: الرجوع إلى أهل الخبرة بما قد يكون ببعض الرواة، وكذلك الرجوع إلى الكتب التي تعين على النطق في ذلك. قال: فمعرفته من مهمات الفن، حتى قال علي بن المديني: أشد التصحيف ما يقع في الأسماء. ووجهه بعضهم بأنه شيء لا يدخله القياس، ولا قبله شيء يدل عليه، ولا بعده، يعني لهذا ما يسلم منه، حتى الحفاظ إذا إنسان عالم كبير مر عليه الرجل لأول مرة، ربما يخطئ في نطق اسمه، بسبب أن هذا الباب لا يدخله القياس، وليس شيء يدل عليه في الغالب لا قبله ولا بعده. قال: وفائدته تكمن في تجنب الخطأ وعدم الوقوع فيه، وكذلك من فائدته عدم حصول الالتباس في أسماء الرجال، مثل الخياط والحناط والحباط والخباط، فإنه قد يحصل اللبس إذا حصل تصحيف، خصوصا إذا حصل تصحيف، فإذا حصل تصحيف قد يلتبس الرجل بالآخر، فيظنه الإنسان آخر، ربما يكون هذا ضعيف، وهذا ثقة، وهذا أشد في الخطأ إذا كان أحدهم ثقة والآخر ضعيف. قال: أشهر المصنفات فيه، قال الحافظ بن حجر: وقد صنف فيه أبو أحمد العسكري، لكنه أضاف إلى كتاب التصحيف له، ثم أفرده بالتأليف عبد الغني بن سعيد، فجمع فيه كتابين: كتابا في مشتبه الأسماء، وكتابا في مشتبه النسبة. وقد تقدم معنى مثال في النسبة، ومثال أو أمثلة في النسبة، وأمثلة في الأسماء، يعني أوسع. ثم جمع الخطيب ذيلا على ذلك. قال: ثم جمع الجميع أبو نصر بن ماكول في كتاب الإكمال، واستدرك عليهم في كتاب آخر جمع فيه أوهامهم وبينها. وكتابه من أجمع ما في ذلك، يعني الإكمال لابن ماكول، ولهذا الناس يرجعون إليه كثيرا إلى يومنا هذا. قال: وهو عمدة كل محدث بعده، ومعرفة مقاصد المصنفين مهم لطالب العلم، فكتب الرجال كثيرة، لكنها لها مقاصد. فمن كتب الرجال ما هي مختصة برجال الصحيحين، ومنها ما فيه في رجال الكتب الستة، ومنها ما هي خاصة بكتب مفردة، مثل مثلا كتاب لرجال الدارقطني، أو رجال البيهقي، أو نحو ذلك. كما ألف نحو ذلك شيخنا رحمه الله الوادعي، وهناك كتب خاصة بالأنساب، مثل أنساب للسمعاني. فإذا عرفت مقاصد المؤلفين استطعت أن تستفيد من هذه الكتب بحسب تلك المقاصد. ومنها مثلا ما كان في معرفة المشكل منها، مثل كتاب ابن ماكول، فهو مهم، ولذلك على طالب العلم أن يرجع إليه عند الاشتباه، فيعرف أن من مضان تمييز الاشتباه هذا الكتاب. ومنها مثلا ما هو مختص بغرائب الرجال، بعض الرجال ما تجدهم في الكتب المعتادة، أين تبحث عنهم؟ تجدهم في كتب الغرائب، هذه الذين يذكرون أفراد الرجال. ومنها ما يختص بالمتأخرين، ومنها ما يختص بالطبقات، كطبقات الشعراء، وطبقات الحنابلة، طبقات الشافعية. فبعض الرجال ما تجدهم في كتب الرجال المعروفة، فتنظر إن كان من الشافعية فطبقات الشافعية قد تجده فيه، أو طبقات الحنابلة تجده فيه، وهكذا. كذلك بعض الكتب تتعلق بالمتأخرين الذين ما تجد لهم ترجمة إلى مثل هذه الكتب، كل بمضانه. قال رحمه الله تعالى: وقد استدرك علي أبو بكر بن نقطة ما فاته، تجدد بعده في مجلد ضخم. وكتاب ابن نقطة كتاب مفيد ومهم، وفيه كذلك ما ذكر من أمر الاستدراك، فهو يزيد في أهمية الكتاب. قال: ثم ذيل عليه منصور بن سليم بفتح السين في مجلد لطيف. وهذا كذلك مما يحصل فيه اللبس، انظروا اسم هذا الرجل: منصور بن سليم. وأنت إذا وجدت بكتب الرجال هذا اللفظ: السين واللام والياء والميم، فالأصل فيه سليم، الأصل فيه سليم. لأن العرب كانت تكره أن تسمي سليم، فسليم عندهم يقال لرضيع الرجل إذا لدغ، يقال له سليم، تفاؤلا بالشفاء من اللدغ، فلذلك هم لا يسمون سليم، ولكن يسمون سليم. فقليل ما تجد في الرجال سليم، ولكنك تجد كثيرا سليم، فالأصل إذا وجدت مثل هذا اللفظ تنطقه ماذا؟ سليم، ولا تنطقه سليم. قال: وكذلك أبو حامد بن الصابوني، وجمع الذهبي بذلك كتابا مختصرا جدا، اعتمد فيه على الضبط بالقلم، فكثر فيه الغلط والتصحيف. وفي هذا إشارة وتنبيه إلى أنه ينبغي أن لا يعتمد على ضبط القلم، فضبط القلم قد يخون أو ينقله غيرك فيخطأ. فلذلك ينبغي أن يجمع في الكتابة بين نقطة القلم مع التوضيح بالكتابة، كأن تقول مثلا: بالمثناة الفوقية التحتية المعجمة المهملة، وهكذا. قال: وقد يسر الله تعالى بتوضيحه في كتاب سميه: تبصير المنتبه بتحرير المشتبه، وهو مجلد واحد، فضبطته بالحروف على الطريقة المرضية، وزدت عليه شيئا كثيرا مما أهمله أو لم يقف عليه. انتهى، وبهذا قد انتهينا من أهم مباحث هذا النوع من أنواع الحديث.