التقريرات السنية على المنظومة البيقونية  45

التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 45

الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 45، الحديث الفرد . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف الحديث الفرد وأقسامه

الحديث الفرد هو ما انفرد به راوٍ أو بسنده، ويُقسم إلى خمسة أقسام حسب ضبط الراوي ومخالفته للآخرين. يُعتبر تفرد الثقة صحيحًا بينما يُعتبر تفرد الصدوق حسنًا إذا قارب الثقة.

التفرد المقيد وأمثلته في رواية الحديث

الفرد المقيد هو ما كان التفرد فيه بالنسبة لجهة مخصوصة، مثل تفرد راو معين أو جماعة من بلد معين. يُوضح ذلك بأمثلة مثل حديث ضمرة بن سعيد المازني وحديث سفيان بن عيينة.

حكم التفرد المقيد في الحديث النبوي

حكم التفرد المقيد يعتمد على حالة إسناده ورواته، وقد يكون قريبًا من حكم التفرد المطلق إذا قيد بثقة. وضرب مثالا بحديث «إنما الأعمال بالنيات» لتوضيح ذلك.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الناظم رحمه الله تعالى: قال: والفرد ما قيدته بثقة أو جمع أو قصر على روايتي. قال الشارح رحمه الله: الحديث الفرد، قال: والفرد لغة: الوتر، يعني مأخوذ من معنى الانفراد، وهو الوتر ضد الشفع. قال: واصطلاحًا قسمان: الأول الفرد المطلق، وهو حديث انفرد به أو بسنده راو، وحكمه الصحة إن بلغ الراوي الضبط التام، ولم يخالف غيره الأرجح منه، والحسن إن قاربه ولم يخالف غيره الأرجح منه أيضًا. قال: والشاذ إن خالف غيره الأرجح مع كونه ثقة، والمنكر إن خالف غيره الراجح مع كونه ضعيفًا، والمتروك إن لم يخالف مع اتهامه بالكذب ونحوه. فهذه الآن خمسة أقسام؛ القسم الأول: تفرد الثقة صاحب العدالة والضبط، فحكمه الصحة، سواء تفرد بحديث بأكمله مثل ﴿إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ﴾، أو تفرد بلفظة مثل «وتربتها» كما تقدم معنا. والحسن إن قاربه ولم يخالف غيره الأرجح منه أيضًا، يعني من أنواع الحديث الفرد وهو الفرد المطلق، أن يكون من الرجل الذي مرتبته مرتبة الحديث الحسن كالصدوق. فالصدوق هو صاحب العدالة الذي ضبطه ليس كضبط الثقة، ولكن لأنه لم يخالف أحدًا ولم يخالفه أحد أرجح منه، فهنا صار تفرده لا يضر. هذا القسم والقسم الذي قبله، هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله هو الأصل، لكن يخرج عن هذا الأصل استثناءات سبقت الإشارة إليها في الكلام على الحديث الشاذ. فإنه قد يحصل أحيانًا تفرد وليس هناك مخالفة لأحد ولم يخالفه أحد، ولكن هذا التفرد نص الحفاظ أنه مما يوجب الرد، والغالب أن مثل ذلك يكتشف بقرائن خفية لا يدركها إلا الحذاق العارفون من أهل هذا العلم. وقد مرت معنا أمثلة في هذا المعنى، مثل تفرد قتيبة بن سعيد في حديث معاذ رضي الله عنه في الجمع في تبوك، فهو ثقة من الثقات، ومع ذلك أرد عليه هذا الحديث لأنه تفرد بشيء علم العلماء بالقرينة أنه مما أخطأ فيه. وبعد التتبع وجد الإمام البخاري رحمه الله أن الحديث ليس من حديث قتيبة، وإنما أدخل عليه، من أدخل عليه؟ خالد. القسم الثالث: قال: والشاذ إن خالف غيره الأرجح مع كونه ثقة، وهذا معنى من معاني الشاذ، ولا ينحصر الشاذ كما تقدم بالمخالفة، فقد يدخل معنى التفرد في معنى الشذوذ. فإذا خالف الثقة أو الصدوق من هو أولى منه فهو الشاذ، إذا تفرد من التفرد المطلق ما يكون من قسم الشاذ. والشاذ كما مر معنا هو على ما قال الحافظ ابن حجر: «ما خالف المقبول من هو أولى منه، أو مخالفة المقبول لمن هو أولى منه»، وعلى ما أضيف هو: «ما تفرد وخالف فيه المقبول من هو أولى منه». وغالبًا التفرد يعرف بالقرينة. ثم قال: رابعًا: والمنكر إن خالف غيره الراجح مع كونه ضعيفًا، رجل ضعيف وزيادة على ذلك خالف الثقات، هو كونه ضعيف حديثه يجعله من قسم المردود، فزاد أن خالف الثقات صار منكرًا. طيب إذا قال قائل: هو ضعيف، فلماذا نحتاج أن نضيف له وصف المنكر؟ الجواب: إضافة وصف المنكر حتى يتبين أنه لا يصلح للشواهد والمتابعات، لأنه خالف الثقات بما لا يمكن معه قبول حديثه، فيتأكد بذلك ثبوت الخطأ في هذا الحديث. كما أننا نرد حديث الثقة إذا خالف الثقات، فكذلك من باب أولى وأشد مخالفة الضعيف للثقات. والخامس: قال: والمتروك إن لم يخالف مع اتهامه بالكذب ونحوه، يعني رجل متهم بالكذب تفرد برواية حديث، ماذا يسمى هذا الحديث؟ يسمى هذا الحديث حديثًا متروكًا، يعني لأنه جاء من رواية المتهم بالكذب، فهو متهم بالكذب ومع ذلك تفرد به تفردًا مطلقًا. فهذه الأقسام الخمسة هي أقسام الفرد المطلق. قال: فاحفظ تظفر، يعني فاحفظ هذه الأقسام وانتبه للفروق بينها، فإنك تظفر بعلم عظيم؛ لأنك إذا فهمت هذه الأقسام الخمسة وفرقت بينها، فقد علمت خيرًا كثيرًا. ثم قال رحمه الله: والثاني الفرد المقيد، قال: وهو ما كان التفرد فيه بالنسبة لجهة مخصوصة. وهو المشار إليه بقوله: «ما» أي حين قال الناظم: «والفرد ما قيدته بثقة»، فـ«ما» هنا أي الذي، والفرد الذي قيدته بثقة، وهذا هو قوله المشار إليه بقوله «ما» أي الحديث الذي. فكأنه قال: الفرد الذي قيدته بثقة. قال: وقوله: «قيدته بثقة» تفرد به عن غيره من الثقات، إذن المراد بالتقييد ها هنا التفرد، لكن النظم يوجب على الناظم أحيانًا أن يعبر باللفظ البعيد حتى يتابع وزن النظم. قال: في قولك في حديث: «إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الأضحى والفطر بقاف واقتربت الساعة»، لم يرويه ثقة إلا ضمرة، وهو ضمرة بن سعيد المازني، روى عن أبي سعيد الخدري وأنس. والمعنى أن هذا الحديث حصل فيه تفرد، قال: وإنما قيده بالثقة لرواية عبد الله بن لهيعة عليه، وقد ضعفه الجمهور. أو قيسته بجمع أي جماعة من بلد معين، كقولك: تفرد به أهل مكة، ورواته عندي فهم متعددون، ظهر صوابه، ورواته هم متعددون. قال: أو قيدته بقصر أي اقتصار على روايتي راو معين، كقولك: تفرد به فلان عن فلان، وهو مروي من وجوه عن غيره. كحديث سفيان بن عيينة عن وائل بن حجر، عن ابنه بكر بن وائل، عن الزهري، عن أنس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على صفية بسويق وتمر»، قال: لم يرويه عن بكر غير وائل، ولم يرو عن وائل غير ابن عيينة، وهو حديث صحيح. إذن التفرد المقيد هو ما حصل فيه تفرد ليس على الإطلاق، لكن بالنسبة لرواية أخرى، فهو فيه تفرد. فقد يكون التفرد باعتبار راو واحد، مثل ما مثل به في حديث القراءة بقاف والقمر، فإنه تفرد به ضمرة بن سعيد المازني، وهو أحد الثقات. وقال: قيده بالثقة لأنه روي من طريق عبد الله بن لهيعة، لكن عبد الله بن لهيعة فيه ضعف. لكن هل هو مثل مثلًا حديث «إنما الأعمال بالنيات»؟ الجواب: لا؛ لأن حديث «إنما الأعمال بالنيات» لم يصح ولم يروه إلا من حديث يحيى بن سعيد، على ما تقدم تفرد به، ثم انطلق الرواة منه يروونه، فذاك تفرد مطلق. وها هنا تفرد ضمرة، تفرد نسبي أو مقيد، يعني بالنسبة للثقات تفرد به ضمرة، وإلا فقد رواه غيره. وهكذا كذلك التفرد المقيد، أو إن شئت قل التفرد النسبي بالنسبة للبلد، كأن تقول مثلًا: هذا الحديث تفرد بروايته أهل مكة، يعني لم يرو هذا الحديث عن غير أهل مكة، مع أن رواته كثير، لكن كل الرواة من أهل مكة مثلًا. فالتفرد فيه نسبي، أو تقول: هذا لم يرو إلا بإسناد مدني، يعني مثل مالك عن نافع عن ابن عمر، أو كذلك الزهري عن سالم عن ابن عمر، فهذان إسنادان مدنيان. فتقول مثلًا: هذا الحديث لم يرو إلا بإسناد مدني، هذا يسمى تفردًا، لكن تفردًا نسبيًا أو تفردًا مقيدًا، ليس تفردًا مطلقًا. بخلاف لو لم يرو الحديث في الدنيا إلا من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر، فأنت ستقول: هذا تفرد مطلق. وهكذا كذلك قوله: أو تفرد مقيد بفلان عن فلان، يعني قد يكون مقيد بشخص معين. فإذا قوله: أو جمع جماعة مثل أهل مكة، أو قصر أي فرد مثل ما مثل بقولك: ابن عيينة عن وائل عن ابنه بكر بن وائل عن الزهري عن أنس الحديث. وكل هذا لو تأملت فيه وجدت أن معنى التفرد فيه هو نسبي بالنسبة لشيء معين، ليس على الإطلاق. قال رحمه الله: تنبيه، ليس في أقسام الفرد المقيد ضعف من حيث كونه فردًا، لكن إذا قيد بالنسبة لثقة قربه من حكم الفرد المطلق؛ لأن رواية غير الثقة كرواية، إلا إذا كان يعتبر حديثه، وهذا واضح. يعني التفرد المقيد هذا النوع من التفرد الحكم عليه لا يكون بمجرد التفرد؛ لأنه ليس هناك تفرد مطلق، لأنه تفرد مقيد أو نسبي. بخلاف المطلق فإنه على الخمس الأقسام المذكورة سابقًا. فهنا في التفرد المقيد أنت تحكم على الحديث بحسب إسناده وحاله؛ لأنه يوجد له طرق أخرى. فتقول مثلًا: بهذه الطريق حسن، وبهذه الطريق ضعيف، وبهذه الطريق صحيح؛ لأن التفرد فيه ليس تفرد مطلق، بل تفرد مقيد أو نسبي بالنسبة لشيء معين. ونبه هنا أنه إذا قيد هذا التفرد بثقة ورواية من ناس آخرين لكن ضعفاء، فينظر في هؤلاء الضعفاء، هل هؤلاء الضعفاء ممن يعتبر حديثهم، يعني يصلحون للشواهد والمتابعات؟ فإن كانوا يصلحون للشواهد والمتابعات، فإذن هو لا يزال في حكم التفرد المقيد، أو الفرد المقيد، أو قل الفرد النسبي؛ لأنه بالنسبة لرواية الثقات لم يروه إلا هذا الثقة مثل ضمرة كما تقدم. وأما إذا كان الضعفاء الذين خالفوا أو الذي تفرد عنهم هذا الثقة ضعفاء لا يصلحون للشواهد والمتابعات، فوجودهم كعدمهم واضح؛ لأنك ما ستستفيد من هذه الأسانيد أبدًا. وجود هؤلاء الضعفاء الذين لا يصلحون للشواهد والمتابعات كعدمهم، فإذن هذا الحديث صار حديثًا فردًا مطلقًا، فهو من الفرد المطلق. مثل حديث «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، فإنه ذكر بعض العلماء أنه روي عن غير عمر رضي الله عنه، ولكن عند التحقيق وجد أن كل ما روي هو يدور في أحد معنيين: إما شيء ضعيف ولا يصلح للشواهد والمتابعات فوجوده كعدمه، فبقي الحديث فردًا مطلقًا. وإما أنه صحيح لكنه ليس بنفس لفظ حديث عمر، فرجعنا إلى أن الحديث في النهاية هو كذلك غريب وفرد مطلق. ومثل هذا نقول كما قال المؤلف هنا. فإذا قيد بالثقة التفرد المقيد أو النسبي، إذا قيد بالثقة، فإن تقييده بالثقة ينظر من الضعيف الذي خالفهم أو الضعفاء الذين خالفهم، إن كانوا ممن يصلحون للشواهد والمتابعات، فهو إذن تفرد مقيد. وإن كانوا لا يصلحون للشواهد والمتابعات، فهو إذن تفرد مطلق، مثل ما قلنا في حديث «إنما الأعمال بالنيات». نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.