الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 13، الدرس الثالث عشر : الحديث المتصل . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الحديث المتصل هو ما اتصل إسناده بسماع كل راو من رواته ممن فوقه، ويشترط فيه اتصال السند وسماع كل راو من شيخه. يخرج من هذا التعريف أنواع من الأحاديث مثل المرسل والمنقطع والمعلق والمعضل.
يشترط في الحديث المتصل أن يكون سنده متصلاً وسلم من الانقطاع، ولا يعتبر متصلاً إذا انتهى إلى تابعٍ إلا بتقييد. كما يُستثنى من الاتصال ما كان بغير السماع مثل الإجازة.
يوجد ثمان صور لتحمل الحديث النبوي وهي السمع والعرض والإجازة والمناولة والمكاتبة والإعلام والوصية والوجادة. يُوضح كل صورة ومدى جوازها في الرواية.
هناك فرق بين الرواية والحكاية في نقل النصوص الإسلامية، حيث إن قراءة الكتب مثل صحيح البخاري تُعتبر حكاية وليست رواية لأنها نقل لما وجده المؤلف وليس رواية مباشرة عنه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وما بسمع كل راو يتصل إسناده للمصطفى فالمتصل». قال الشارح رحمه الله تعالى: الحديث المتصل، قوله «وما» أي والحديث الذي يعني أي حديث وصفه كالآتي فهو المتصل، قال الذي بسمعي أي بسبب سمع، وفيه شرطية السماع كما سيأتي. قال قوله «كل راو» عندنا راد وهو خطأ، صوابه «راو» صوبوا «راو» بدل الدال واو. قال قوله «كل راو» أي من رواته ممن فوقه، يعني من أول الإسناد إلى آخره. قوله «يتصل إسناده للمصطفى» صلى الله عليه وسلم، قال أو لصاحبه موقوفا عليه، يعني ليس شرط المتصل أن يكون مرفوعا، بل يصح أن يكون موقوفا وهو متصل كذلك. ولهذا قال بعضهم: أن الهاء في قوله «إسناده» ليس له تعلق وتقييد بقوله «للمصطفى» بل هو مطلق، فهو متعلق بمحذوف «وما بسمع كل راو يتصل إسناده» أي هذا الحديث الذي وصفه هكذا «للمصطفى فالمتصل». فقوله «للمصطفى» هذا من أمثلته، فهو للمصطفى أو للصحابي. قال قوله «ف» أي في قوله «فالمتصل»، قال ذلك هو يعني قوله «فالمتصل» أي ذلك هو المتصل، وهو ما توفر فيه هذان الشرطان: حصول السماع واتصال السند، حصول السماع واتصال السند. قال ويقال له أيضا الموصول والمؤتصل، وهو واضح، وهو واضح بمعنى المتصل، وهذا يرجع لمباحة صرفية، وإلا فالمعنى واحد. قال رحمه الله: «فدخل المرفوع كمالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم»، يعني ما دام هو بهذا الإسناد فهو متصل، لأن نافع سمع من ابن عمر، وابن عمر سمع من النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل ذلك مالك سمع من نافع، فحصل سماع، ومع هذا السماع اتصال اتصال في الإسناد. ومثاله ما جاء في الصحيح من نفس الإسناد: «مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم» أنه كان يزور أو يذهب إلى قباء راكبا وماشيا. وقال: «والموقوف كمالك عن نافع عن ابن عمر» يعني من قوله، فهذا كذلك متصل، لأن مالك سمع من نافع، ونافع سمع من ابن عمر، وحصل هذا بسماع، ففيه اتصال وسمع. وهل المقطوع وهو الموقوف على التابع إذا صار فيه سماع واتصال يسمى متصلا؟ سيأتي معنا أن الصحيح لا يسمى متصلا إلا بقيد. قال المعلق رحمه الله: قوله «الحديث المتصل» تعريفه لغة: اسم فاعل من اتصل ضد قطع، واضح. ويقال له الموصول، والموصول في اللغة اسم مفعول من مصدر وصله، ومعنى وصله لغة: بلغه أو أعطاه أو ترك هجره وقطيعته، فإذا له معنيان: المعنى الأول ضد الانقطاع، والمعنى الثاني الإبلاغ والإعطاء، وكل المعنيين يحصل في رواية الراوي عن شيخه، فإنه يصل إليه الحديث الذي يرويه فيكون في ذلك تبليغ. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رب مبلغ أو عام سامع»، نظر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، وهو كذلك فيه إعطاء، وهذا الإعطاء هو الحديث، إعطاء معنوي، وفي نفس الوقت حصل بهذا التبليغ والإعطاء الذي كان بالسماع اتصال ضد الانقطاع. وانتبه لقيد السماع، لأنه قيد مهم سيأتي التنبيه عليه. قال قال رحمه الله: اصطلاحا: هو ما اتصل إسناده بسماع كل واحد من رواته ممن فوقه، مرفوعا كان أو موقوفا. قوله «هو ما اتصل إسناده بسمع» فلابد من اتصال وسماع، لابد من هذين القيدين. ولهذا عرفه الذهبي رحمه الله بقوله: «ما اتصل سنده وسلم من الانقطاع»، المتصل ما اتصل سنده وسلم من الانقطاع. قال رحمه الله: أما إذا اتصل الإسناد وكانت نهايته إلى واحد من التابعين، فهل يسمى ذلك الحديث موصولا أو لا يسمى؟ قال الذي عليه جمهور المحدثين أنه لا يسمى بذلك مع الإطلاق، يعني لا يسمى حديثا متصلا مطلقا، فلا يقال: هذا مقطوع متصل مطلقا. قال: فأما مع التقييد كان يقال: متصل الإسناد إلى الزهري، فجائز إذا قيد فهو جائز، وإذا أطلق فهو ممنوع. قال: وكأن السر في ذلك أن الذي ينتهي إلى التابع يسمونه المقطوع، والمقطوع ضد الموصول، فكرهوا أن يطلقوا اسم الضد على ضده. لو قالوا: هذا أثر موصول وهو ليس بمرفوع ولا موقوف، إنما هو عن التابع، صار فيه تسمية الشيء ضده، لأنه لا يسمى عندهم موصولا، وإنما يسمى مقطوع، أي الأثر المروي عن التابع، فتسميته بالموصول فيه تناقض. فلهذا قال من قال كما سيأتي من كلام العراقي ونحوه، نقل كذلك السيوطي في التدريب والصنعاني في توضيح الأفكار: أنه لابد من تقييده. قال قال العراقي: وأما قول التابعين إذا اتصلت الأسانيد إليهم، فلا يسمونها متصلة في حالة الإطلاق، يعني لا يقولون: هذا أثر متصل أو موصول. قال: أما مع التقييد فجائز، وواقع في كلامهم، أما الأول ليس بواقع بكلامهم، لا يوجد عن أحد من أهل الحديث يسمي الأثر المروي عن التابع موصولا أو متصلا، لكن لابد من تقييده. قال: وخرج بقيد الاتصال المرسل والمنقطع والمعلق والمعضل، ومعنعن الإسناد قبل تبين سماعه. وهكذا خرج كذلك المسند، المسند عام، لكن نريد شيء مجزوم به أنه منقطع، مثل ماذا؟ من أول السند المرسل، ومن وسطه المنقطع والمعضل، ومن أوله المعلق، وكذلك من وسطه المعنعن. وماذا بقي؟ المدلس بعنعنه وبإبانة. نعم، المعنعن لو قال المدلس كان أحسن، لأن التدليس ليس بعنعنه فقط، قد يكون التدليس بعنعنه أو بإبانة أو بتدليس التسوية أو بتدليس التسوية وغيره، فالمدلس يشمل أنواع التدليس كلها. قال قال: وبقيد السماع خرج اتصال السند بغير السماع، كاتصاله بالإجازة، كأن يقول: «أجازني فلان»، فمثل هذا لا يعد سماعا، وهو الصحيح. فتعبير من يعبر بصيغة السماع خطأ، والأحوط والأدق أن يعبر بتعبير الإجازة. وهل الإجازة تحمل محل السماع؟ الجواب: بقيد، فإن أمنت هذه الإجازة كان فيها معنى الاتصال، وإن لم تؤمن هذه الإجازة فحالها كحال كتاب من له والراقص. كما أن التابع إذا قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» لم نقبل روايته، لماذا؟ لأنها مظنة دخول تابع آخر. وإن علمنا أنه الصادق، ليس كذلك، لأن الصحابة كلهم عدول، وكذلك يقال في الإجازة: إذا أمنت الإجازة حملت على الاتصال، وإذا لم تؤمن الإجازة فإنها لا تحمل على الاتصال. قال قال: وعلم أن المسند أخص من المتصل، فكل مسند متصل ولا عكس. وحكمه كسابقه، ومر معنا في الكلام على المسند أنه له تعريفات، الإجازة، وأن أكثرهم ما جعله مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا هو المشهور، ومر معنا الكلام عليه. فعلى هذا يكون كما قال المؤلف رحمه الله، وعلى التعريف الأخرى يكون المسند أوسع من ذلك بكثير، فالمتصل أدق. والإجازة بعد أن ذكرها ناسب أن يبين عليها هو أن يحدث التلميذ عن الشيخ بما يجيز له الشيخ، أما في حديث معين أو كتاب أو مسند أو غير ذلك، وقد تكون عامة وقد تكون خاصة، وأحسنها وأدقها ما كانت خاصة، كأن تكون إجازة من شيخ معين لتلميذ معين في مروي معين. وهذا يدفعنا إلى معرفة صور تحمل الحديث، وهي ثمانية، أعلاها السمع، وهي ما كان من حفظ الشيخ أو قراءته من كتابه، أي الشيخ يقرأ والطالب يسمع، سواء يقرأ الشيخ من حفظه أو يقرأ الشيخ من كتابه. وهي على القول الصحيح أعلى مراتب وصور التحمل. ويعبر له بقول الراوي: «سمعت» و«حدثني» أو إذا كان في جماعة «سمعنا» أو «حدثنا» أو «أخبرنا» أو «أنبأنا» أو «قال لنا» أو «ذكر لنا» ونحو ذلك. وثاني صور التحمل العرض، وهي قراءة التلميذ على الشيخ، سواء يقرأ عليه من حفظه أي التلميذ أو يقرأ من كتابه، أما كتاب الشيخ كان يدفعه له، وإنما من كتاب التلميذ. والصحيح أنها من صور التحمل الجائزة، وهو قول جماهير أهل الحديث، ولم يخالف في ذلك إلا من شذ، وأنكر عليه العلماء. وهل هي مثل السماع أو دون السماع؟ في هذا خلاف، والصحيح أن العرض دون السماع، فالسماع أقوى وأرجح. وصيغتها يقال: «قرأت» و«قرأ علينا» أو «قرأ علينا» أو «حدثنا قراءة» بقيد، وهذا هو قول المحققين من أهل الحديث في صيغة تحمل العرض والقراءة. وجماعة من أهل الحديث أجازوا التحديث مطلقا بلا قيد، يعني يقول: «حدثنا»، وإنما هو قرأ. وروي ذلك عن مالك والبخاري وابن القطان والزهري وسفيان. والصورة الثالثة من صور تحمل الحديث الإجازة، وهي أقسام، وأدقها ما سبقت الإشارة إليه. ورابعها المناولة، وكما مر معنا أن الإجازة يقول: «أجازني» أو «أجاز لي»، ولا يقول: «حدثنا» أو «أخبرنا». والرابع من صور التحمل المناولة، وقد يكون مع المناولة إجازة، وقد لا يكون معها إجازة، وقد يكون معها إذن بالرواية، وقد لا يكون معها إذن بالرواية. مثاله: أن يناول الشيخ التلميذ كتابا أو حديثا في كتاب، فإن قال له: «أجزت لك أن تروي هذا» صار إجازة مع مناولة. وإن لم يقل له: «أجزت» وأعطاه فقط، صار هذا مناولة، يرويه مناولة، فيقول: «عرض علي الكتاب الفلاني مناولة». فإن أذن له بالرواية فذاك، وإن لم يأذن له بالرواية ففي هذا خلاف بين أهل العلم، هل يجوز أن يروي وهو لم يأذن له؟ وإن كان هناك صريح عدم الإذن بالرواية، فينظر: إن كان هو لمظنة أن المروي فيه شيء فلا يروى. وإن كان لاجل شيء بينه وبين التلميذ، فالصحيح أنه يجوز الرواية به ولو لم يأذن. والخامس المكاتبة، وهو أن يكتب كتابا أي الشيخ للتلميذ، فيرويه التلميذ بحسب ما نقل له. وجوزها جمهور أهل الحديث: كأيوب ومنصور والليث وجماعة. وهل يجوز أن يقال فيه: «أخبرنا» و«حدثنا»؟ أجاز ذلك الليث ومنصور. وأكثر أهل الحديث على التقييد، كأن يقول: «حدثنا مكاتبة» أو «أخبرنا مكاتبة». والسادس من صور التحمل الإعلام، كأن يعلم الشيخ التلميذ بأن ذاك الكتاب الذي مع فلان هو كتاب أو الحديث الذي يرويه فلان أرويه مثله. وهل مثل هذا يروى؟ ذهب الكثير من أهل الحديث أنه يروى، وبعضهم فضل أن يروى بقيت، فكان يقول: «أخبرنا إعلاما»، يعني أعلمه أن هذا الحديث من حديثه أو من روايته. والسابع من صور التحمل الوصية، كأن يوصي بكتاب أو مشافهة، كأن يقول مثلا للحاضرين: «أخبر فلان أني قد أذنت له أن يروي عني الكتاب الفلاني»، فهذه وصية ينقلها الحاضرون. أو يضع له كتابا، وهذا كذلك يروى، بقيت يقال: «حدثنا» و«أخبرنا» وصية، أما من كتاب أو من مشافهة. والثامن من صور التحمل الوجادة، وهي أضعف صور التحمل، وهو أن يجد التلميذ بخط الشيخ كتابا أو بعض أحاديث. وبعضهم توسع فقال: ولو كان من غير الشيخ. ولهذا بعضهم قال: الصحيح أن هذا ليس من باب الرواية، بل هو من باب الحكاية، فيقال مثلا: «وجدت كتاب البخاري مخطوطة بنسخة كذا وكذا»، فهذه حكاية ليست رواية. فنحن حين نقرأ مثلا في صحيح البخاري لا نقرأ رواية، وإنما نقرأ ماذا؟ حكاية، نحكي ما وجد من صحيح البخاري فيما يرويه البخاري عن مشائخه. طيب هل في شيء في هذا نكتب بهذا؟ والله تعالى أعلم.