الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 44، تابع الحديث المقلوب . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
المقلوب هو تغيير في الحديث إما في السند أو المتن، ويشمل تقديم وتأخير أو تغيير راوي. يحدث هذا في الإسناد أو المتن بطرق مختلفة.
القلب في المتن يشمل تغيير كلمات أو إسناد متن لحديث آخر، ويحدث إما عمدًا أو خطأً. له أسباب مثل رغبة الراوي في التفرد أو الغلط.
قلب الحديث جائز للاختبار إذا بُين الصحيح، ومحرم للكذب. يؤثر على ضبط وثقة الراوي، ويجب التعامل معه بحذر.
يجوز إخبار الناس إذا لم يضر، لكن الاتصال بالحمام للحديث غير جائز لأنه مخصص لشيء خاص. يُفضل تجنب الأخلاق غير اللائقة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المعلق رحمه الله تعالى: تعريفه لغة، المقلوب لغة اسم مفعول، فعله قلب يقلب قلبًا، وتقول: قلب فلان الشيء إذا صرفه عن وجهه، فهو مأخوذ من تغيير الجهة، وهذا معروف وظاهر، فوضع الشيء على خلاف وجهته يسمى قلبًا. قالوا: اصطلاحًا، ما بدل فيه شيء بآخر، يعني ما حصل فيه تبديل لشيء بآخر، وبعضهم لم يعرفه لظهوره، فالمقلوب معناه ظاهر، ولهذا يكتفون بذكر أقسامه: مقلوب السند ومقلوب المتن، لأن تعريف المعروف يدخله في حيز غير المعروف، ولهذا فإن بعض التعريف يكون تركها أحسن. قال رحمه الله: أنواعه، القلب على ضربين؛ لأنه قد يكون في الإسناد، وقد يكون في المتن، وكل واحد منهما يقع على وجوه. قال: القلب في الإسناد، إن القلب في الإسناد يقع على وجهين؛ الوجه الأول: أن يقدم الراوي ويؤخر، أن يقدم الراوي ويؤخر في اسم أحد الرواة واسم أبيه، مثل أن يكون الأصل: كعب بن مر، فيقول الراوي: مر بن كعب، فمثل هذا يسمى قلبًا في الإسناد، لكنه قلب في اسم أحد الرواة. قال: الوجه الثاني: أن يكون الحديث مشهورًا عن راوي من الرواة، أو مشهورًا بإسناد من الأسانيد، فيعمد أحد الوضاعين أو الكذابين إلى هذا الراوي الذي اشتهر الحديث عنه فيغيره براوي آخر، مثال ذلك ما رواه عمر بن خالد الحراني عن حماد النصيب، وهو أحد الوضاعين، قال: عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدأوهم بالسلام» الحديث. قال: فهذا حديث مقلوب، قلبه حماد -أي النصيب- فجعله عن الأعمش، فإنما هو معروف بسهيل بن أبي صالح عن أبيه، هكذا أخرجه مسلم من رواية شعب والثوري وجرير بن عبد الحميد وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، كلهم عن سهيل، فعمد هذا إلى قلب إسناده، ومقصوده من هذا القلب هو الإغراب، أن يأتي بإسناد غريب يتميز به عن أقرانه، حتى يقول: حفظ ما لم يحفظوا، وعلم ما لم يعلموا، ولهذا كانوا يقولون: من أغرب كذب، وهذا معنى من معاني القلب، أي أن يحصل القلب في بعض الإسناد. وقد يكون من معانيه كذلك قلب الإسناد كاملًا من أوله إلى آخره، الآن مر معنا القلب في جزء من الإسناد، وأحيانًا يكون القلب في الإسناد بأكمله من أوله إلى آخره، بأن يجعل إسناد حديث لحديث آخر، فإذا كان كذلك حصل القلب الإسناد والمتن معًا، كما سيأتي إن شاء الله. قال: القلب في المتن يأتي على وجهين أيضًا، الوجه الأول: أن يجعل كلمة في غير موضعها، مثاله ما رواه مسلم في السبع الذين يظلهم الله يوم القيامة، فقد جاء: «ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله»، فقد انقلب هذا الكلام على أحد الرواة، وأصله ما في صحيح البخاري وصحيح مسلم في رواية أخرى: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»، يعني حصل القلب في المتن، فغير بدلًا من ذكر الشمال ذكر اليمين، ورواية الصحيح ذكر الشمال: «حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه»، وجاء في رواية لمسلم: «حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله»، أي على الصواب على الجادة، وليس الصواب والصواب: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»، «حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله» هذا هو الصواب، وانقلب على بعض الرواة، فاجعله على الجادة، أي جعل الإنفاق باليمين، وإنما الذي روي بالحديث الإنفاق بالشمال. قال: الوجه الثاني: أن يجعل الوضاع الحديث على إسناد غير إسناده، ويضع إسناده على متن غير هذا المتن، فإن وقع من الوضاع فهو كذب ولا يجوز، وقد يقع على وجه التعليم والامتحان. قال: ومن هذا النوع ما ورد في قصة امتحان البخاري رحمه الله، أي في قصته التي ذكرها أهل كتب المصطلح واشتهرت في كتب التاريخ، وهكذا كذلك أشار إليه بعض من كتب في العلل، وقد أشار ابن عدي رحمه الله إلى هذه القصة، أي امتحان الإمام البخاري في قلب الأسانيد مع المتن، فرد كل إسناد إلى متنه، وهذا النوع جائز إذا كان لأجل هذا القصة. قال: الأسباب التي تحمل الرواة على قلب الأحاديث أهم الأسباب هي كالتالي: أولًا، رغبة الراوي في إيقاع الغراب على الناس، حتى يظن أنه يروي ما ليس عند غيره، فيقبل على التحمل عنه، والمحدثون يسمون من يضع القلب لهذا السبب سارقًا، ويسمون فعله سرقة، وذلك لأنه يضع الشيء في غير موضعه، فيأخذه من مكان ويضعه في مكان آخر لا يحل وضعه فيه، وإذا وجدت: كان فلان يسرق الحديث، فمرادهم بالسرقة هو قلب الأسانيد، وليس دائمًا يسرق الحديث معناه قلب الأسانيد، فإنه يأتي بمعنى قلب الأسانيد، ويأتي بمعنى كذلك الأخذ للحديث والرواية من غير إذن الراوي، أو كذلك وضعه بغير إذن المحدث، فكل ذلك يدخل في معنى السرقة. وقد ألف بعض المعاصرين كتابًا في شرح ألفاظ الجرح والتعديل -أي الغريبة- وهو مفيد جدًا، فقد جمع في ذلك مجموعة طيبة، ونقل نقولات أهل العلم في تفسير الألفاظ الغريبة في الجرح والتعديل، ويوجد بحث آخر اتكى على البحث الأول، فيستفاد من البحث الأول والثاني إن وجد فيه شيء زيادة، وإلا فهو لم يحل أخذ، ولم ينقل عن من أخذ ذلك. قال: ثانيًا، خطأ الراوي وغلطه، يعني قد يقع خطأ مثل: كعب بن مره ومره بن كعب، وكعب بن مالك ومالك بن كعب، وهكذا نحوه مما قد يقع فيه الخطأ. قال: ثالثًا، الرغبة في اختبار وامتحان المحدث، أهو حافظ أم غير حافظ إلى غير ذلك، وهذا الثالث ما وقع للإمام البخاري رحمه الله. قال: حكمه، إن كان القلب بقصد الإغراب فإنه لا يجوز؛ لأن فيه تغييرًا للحديث، وهذا من عمل الوضاعين، وأما إن كان للامتحان والاختبار، فذكر ابن الصلاح أن المحدثين الأثبات فعلوا ذلك، وفعلهم يدل على جوازه، بشرط أن يبين فاعله الصحيح قبل انفضاض المجلس؛ لأنه إذا تركه كذلك التبس الأمر على الناس. قال: وإن كان عن خطأ وسهو، فلا شك أن نفاعله معذور في خطأه، لكن إذا كثر ذلك منه فإنه يخل بضبطه ويجعله ضعيفًا، وإن كان قليل فهو لا ينزله إلى مرتبة الضعيف، ولكن كذلك يضر بضبطه، فالأخطاء لها وزن عند أئمة الجرح والتعديل، فلهذا يفرقون بين قولهم: فلان صدوق وهم، وفلان صدوق يهم، فوهم معناه أنه في خطأ أو خطأين، ويهم معناه في أخطاء كثيرة. ولذلك تجد كثيرًا خصوصًا مثل حافظ بن حجر إذا عبر في التقريب: فلان صدوق -مثلًا- يهم، فإذا قرأت في تهذيب التهذيب أو الكتب الأوسع، فإنك ستجد أن العلماء ذكروا له أوهامًا كثيرة، بينما إذا قيل: فلان وهم، تجد أحيانًا ربما ما ذكر له من الأوهام إلا حديث واحد، أحيانًا يقول: فلان ثقة أو إمام، إلا أنه وهم في حديث كذا وكذا، وهم في حديث كذا وكذا، وهذا يدل أن الأخطاء لم تكن تفوت، وكان إمام الجرح والتعديل يتتبعونها ويجعلونها معيار لذكر ضبط الراوي. قال رحمه الله تعالى: وبالعكس، يعني المراد بالعكس إذا قلت الأخطاء أو انعدمت كان هذا سببًا في قوة ضبطه وزيادة ثقته. قال: وإليه أشار بقوله: أو، أو يريد إذا قال العكس يريد، إذن الكلام على الإبدال القلب، يعني إذا كان القلب لعله انتهى. صحيح هذا من كلام الشارح، ليس من كلام المعلق، طيب انتهى إلى هنا يكون انتهى كلام المعلق، وأما هذا قوله: وبالعكس يرجع إلى قوله: فأبدل بنافع وبالعكس، وإليه أشار بقوله، يعني هذا كلام الشارح، وقد قرأناه في الدرس السابق. فالخلاصة علمنا بهذا ما ذكره المعلق رحمه الله فيما يتعلق ببيان المقلوب، وأنه ينقسم كما أشار الشارح سابقًا إلى قسمين: قسم يتعلق بالسند، وهو على وجهين، وقسم يتعلق بالمتن، وهو كذلك على وجهين، وأنه كذلك يأتي ويرد لأحد أسباب ثلاثة، وأن حكمه التفصيل، فما كان من خطأ فهو عفو، وقد يضر بضبط الراوي، وما كان من عمد فهو على قسمين: منه ما كان لأجل التعليم فهو جائز بشرط التبيين، ومنه ما كان لأجل الكذب والتشبع ما لم يعطى، وهذا محرم ولا يجوز، وفاعله يكذب بفعله هذا؛ لأنه يكذب على الرواة، بل وينسب للنبي صلى الله عليه وسلم ما لم يثبت بفعله ذلك. طيب في شيء في هذا، يقول: هل يجوز إذا أهدى لك صديقك هدية مثل جوال، هل يجوز استبداله؟ يجوز إذا كنت تعلم أن هذا -إن شاء الله- لا يضر بأخوتك به، فلا بأس، الأمر في هذا من المباحات. ويقول: هل يجوز أن تتصل بالحمام؟ لا، لا تتصل بالحمام، الحمام جعل لشيء خاص، وأن تنزه نفسك عن مثل هذا الخلق، وعندك أماكن أخرى للحديث. إلى هنا والله تعالى أعلم.