الدرس في كتاب الجهاد 12، الدرس الثاني عشر:( الحديث الثامن بعد الأربعمائة:عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ... وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:لا تخن من خانك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول الغدر ومعناه، ويشمل معاني الغدر في الدم والعرض والسر والمال. يحرم الإسلام الغدر والخيانة.
يتناول هذا الفصل عقوبة الغدر والخيانة في الإسلام، ويبين أن الغدر محرم حتى لمن خان أو غدر بك، ويشير إلى أن الجزاء بالسيئة مثلها يجب أن يكون ضمن حدود الشرع.
يوم القيامة، يرفع الله لكل غادر لواء يعرف به، ويقال: هذه غدرة فلان بن فلان، وهذا وعيد شديد لمن يغدرون، ويعتبر غدر القائد أعظم إثمًا.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: الحديث الثامن بعد الأربعمائة، قال عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا جمع الله الأولين والآخرين، يرفع لكل غادر لواء، ويقال: هذه غدرة فلان بن فلان». أورد المؤلف -رحمه الله- هذا الحديث في سياق ذكره لأحاديث كتاب الجهاد. وأقرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام مسلم -رحمه الله-، فقد قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد وأبو أسامة، قال: وحدثني زهير بن حرب وعبد الله بن سعيد... ثم قال: قال حدثنا يحيى واللفظ له، والغطان كلهم عن عبيد الله، قال: وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، واللفظ له، قال: حدثنا أبي، قال: أخبرنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر الحديث بلفظه. قال الشارح -رحمه الله-: المعنى الإجمالي: قال: من ائتمنك على دم أو عرض أو سر أو مال، فخنته فيه، فقد غدرته. والائتمان على الدم: كان يكون بينك وبينه عهد وميثاق، مثل غدر اليهود حين أرادوا أن يقتلوا النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد صالحوه. أو عرض، كذلك، كاعتداء اليهود على تلك المرأة المسلمة، هذا مثال. أو سر، كذلك، كأن يستأمن إنسان فيفشي سره، فيكون في ذلك إدخال الضر عليه، فهذا من الغدر والخيانة. أو مال، كذلك، يستأمنك في أمانة أو بيع أو شراء، فتغدر به، تأخذ المال ولا تعطيه أجرته أو حقه، كمنع الأجير من أجرته، هذا من الغدر. قال: وأعظم الغدر أن يقع من قائد الجيش، حين يؤمن عدوا ثم يأخذه على غرة وغفلة. وهذا هو المناسب لذكر هذا الحديث في هذا الباب. ولهذا جاء في بعض الأحاديث عن النبي -عليه الصلاة والسلام- كما في صحيح مسلم وغيره: «ولا تغدروا»، كان يحذر مرارًا من الغدر. فإذا وقع عهد وميثاق، فلا يجوز نقض هذا العهد والميثاق. وإذا طلب العدو الأمان، فلا يجوز أن يخان هذا العدو في هذا الأمان، ولو كان أمانًا مؤقتًا، فإنه يُعطاه. ولهذا قال: إن الغدر يُعظم إذا كان من قائد الجيش. وهكذا كل عمل من الأعمال وجبت فيه الأمانة، ضدها خيانة وغدر. قال: ولذا فإن على الغادر الخائن الذي أخفى خيانته هذا الوعيد الشديد، إذ يجاء به يوم القيامة وقد رفع له لواء غدرته، يعني يُفضح أمام الخلائق. فإذا رأى الناس هذا اللواء -يعني العلم- يُرفرف، عرفوا أن في هذا الموضع فلان بن فلان غادر خائن. قال: فينادى عليه: «هذه غدرة فلان»، فينشر خزيه وفضيحته على رؤوس الخلائق، جزاء ما أخفى من غدر ومن خيانة. بل جاء في صحيح مسلم، من حديث أبي سعيد -رضي الله عنه-: أنه يُنصب له اللواء عند استه -والعياذ بالله- في مؤخرته، يقال: «هذه غدرة فلان بن فلان»، زيادة في الفضيحة والهوان. قال -رحمه الله-: ما يستفاد من الحديث: أولًا: تحريم الغدر بالمهادن والمعاهد. والمهادن: من له هدنة، كقوم بينهم وبين المسلمين حرب، فطلبوا الهدنة أو وقعت هدنة مؤقتة. والمعاهد: من كان بينهم وبين المسلمين عهد بأي نوع من أنواع العهود والمواثيق، فالهدنة أخص من العهد. قالوا: أعظم الغدر أن يقع من قائد الجيش؛ لأن غدرته تنسب إلى الإسلام، فتشوهه وتنفر عنه، وهذا من أعظم الجرم والغدر؛ لأن غدر الإنسان لنفسه ذنب غير متعدي، وغدره باسم الدين ذنب يتعدى فيشوه جمال هذا الدين، وكذلك إحسان هذا الدين، فإنه ينسب إلى دين الله. ولهذا صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث بريدة أنه نهاهم -إن طلبوا أن ينزلوه على حكمه- أن ينزلهم. إن أرادوا أن ينزلوه على حكم الله ورسوله، ألا ينزلهم. لماذا؟ قال: «لعلك لا تصيب حكم الله»، يعني فيهم، فينسب الخطأ إلى الدين. ينسب الخطأ إلى الدين. فحتى لا ينسب الخطأ إلى الدين، نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ينزل الإنسان العدو إذا طلبوا النزول إلى حكم الله ورسوله أو حكم الله أن ينزلهم على حكم الله، بل يقول: إلى حكمه؛ حتى لا ينسب إلى الدين ما ليس فيه، ولا يشوه صورة هذا الدين. فكيف إذا كان غدرًا؟ فهذا أشد وأعظم. قال -رحمه الله-: فإن كان بينه وبين الكفار عهد، فخاف نكثهم، أنذرهم بأنه لا عهد لهم. يعني: إذا ظهرت علامات نكث العهد، أرسل إليهم: ظهرت منكم علامات مريبة، فنحن سنلغي هذا العهد والميثاق. أولًا ينذرهم، فإن رجعوا وخضعوا، أبقى العهد، وإن عاندوا نقض العهد. قال: كما قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾. ومعنى أنذرهم... قال: ويشمل الغدر المتوعد عليه كل من ائتمنك على دم أو عرض أو سر أو مال، فخنته وأخلفت ظنه في أمانتك. بل صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لا يجوز العقاب بالغدر، ولو لمن غدر بك، ولا يجوز العقاب بالخيانة، ولو بمن خانك. ففي السنن، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال عليه الصلاة والسلام -وهو جاء بإسناد حسن-: «ولا تخن من خانك»، يعني: لا يجوز لك خيانة من وقعت منه الخيانة لك. فوقوع الخيانة والغدر من إنسان، لا تعني ذلك أن تخونه؛ لأن الإسلام ينهاك عن هذا. وأعظم من هذا أن يقع في شيء من المحرمات التي حرمها الله، فيقع بعض الناس في المثل. ومن الناس من لا يفهم قول الله عز وجل: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، هذا يضبط بالشرع ويحد بحدود الشرع. إنما جزاء سيئة سيئة مثلها فيما أجازه الشرع. وأما ما منع منه الشرع، فلا يجوز الخيانة والغدر وسائر المحرمات التي حرمها الله عز وجل، لا يجوز المكافأة بها. فما أذن فيه ربنا سبحانه، مثل الجروح، والجروح قصاص، وهكذا، كذلك القاتل قتل عمد، يقتل بولي الأمر المسلم. ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾. لكن مثلًا لو أن إنسانًا فجر بامرأة، هل تأتي فتفجر بامرأته؟ فتقول: «وجزاء سيئة سيئة مثلها»، هذا لا يجوز. وكذلك يقال في كل ما حرمه الله، ومنه الغدر والخيانة، فإن ذلك مما حرمه الله، ولا يجوز المقابلة به. قال -رحمه الله-: الثالث: هذا الخزي الشنيع والفضيحة الكبرى للغادر يوم القيامة؛ لأنه أخفى غدرته وخيانته، فجوزي بنقيض قصده، وعوقب بتشهيره. وهو أعظم من خيانة من ائتمنك. فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تخن من خانك»، يعني: هذا لأن خيانته أكبر وأعظم. فإذا نهينا عن خيانة الخائن، فكيف بخيانة من لم يخنك؟ هذا أعظم جرم واضح. نهاك الله بنص حديث رسوله -عليه الصلاة والسلام- أن تخون الخائن، وهو خائن، ومع ذلك نهينا أن تخونه. فكيف بخيانة الأمين وخيانة الوفي الذي لم تجد منه إلا الوفاء وأداء الأمانة؟ فهذا لا شك أنه أعظم. ولهذا كان هذا الوعيد الشديد: «إذا جمع الله الأولين والآخرين، يرفع لكل غادر لواء، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان».