الدرس في كتاب الجهاد 11، الدرس الحادي عشر:( الحديث السابع بعد الأربعمائة:عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ... ويكون النفل من الخمس وبعضهم يرى أنه من أصل الغنيمة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع توزيع الغنائم بعد غزوة نجد، ومعنى النفل واختلاف أهل العلم في تفسيره. يبين آراء الفقهاء في توزيع الغنائم والزيادة التي تعطى للغازين.
يناقش أحكام السرايا والغنائم، ويشرح كيفية توزيع الغنائم على السرايا المتقدمة أو المتأخرة، ويبين أن التنفيل جائز وله أصل في الشرع.
يشرح معنى النفل كزيادة على أسهم الغانمين، ويبين أنه يجوز أن يكون من الخمس أو من أصل الغنيمة، ويخضع لتقدير الإمام والمصلحة الشرعية.
يناقش مسألة توزيع الغنائم ويوصي بالتقيد بما ورد في النصوص لتجنب الشبهات، ويستشهد بمثال سلمة بن الأكوع الذي أُعطي نصيب الفارس مع نصيب الراجل.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: الحديث السابع بعد الأربعمائة. قال: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى نجد، فخرجت فيها، فأصبنا إبلا وغنما، فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرا، ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرا بعيرا». أورد رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لأحاديث فقه وأحكام الجهاد. وأقرب الألفاظ إليه لفظ الإمام مسلم رحمه الله، فقد أخرجه فقال رحمه الله: «وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا علي بن مسهر وعبد الرحيم بن سليمان عن عبد الله، فذكر الحديث بلفظه». قال الشارع رحمه الله: الغريب قوله: «سرية» بفتح السين المهملة وكسر الراء وتشديد الياء، وهي القطعة من الجيش. قال في القاموس: من خمسة إلى أربعمائة، يعني السرية أقل ما يكون خمسة وأكثرها أربعمائة. قال: «سهماننا» بضم السين المهملة، جمع سهم، وهو النصيب. قال: «نفلنا» بفتح النون والفاء، والزيادة تعطاها الغازي زيادة عن سهمه. وسيأتي معنا اختلف أهل العلم في هذه الزيادة: هل هي من نفس السهم والنصيب ما بقي بعد قسمة الأسهم باليقين؟ فما فضل من الأسهم والغنيمة رد عليه مرة أخرى. قال بهذا بعض أهل العلم، وقال بعض أهل العلم: ومن قال بالأول قالوا: لأن الغنيمة يطلق عليها نفل، فتسمى نفلا، فهي من النفل، قال الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وإنما المراد بها الغنائم. وقال بعض أهل العلم: بل هي الشيء الزائد عن الغنيمة. وهذا هو قول جمهور أهل العلم، وهو وإن لم يكن صريحا في هذا الحديث، لكن دلت أحاديث كثيرة على إثبات هذا الحكم، وهو جواز زيادة الغانمين ما هو نفل باجتهاد الإمام بحسب ما تقتضيه المصلحة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم معنى النفل كما مر معنا بثلاثة معاني، فتارة يكون على العمل يخصه به الفرد والجماعة لعمل قامت به لم يقم به غيره أو غيرها. ومن ذلك إعطاء سلب المقتول للقاتل، تشجيعا للمقاتلين أن يجتهدوا في قتالهم للأعداء، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من قتل قتيلا فله سلبه». ومنها كذلك أن يعمل الفرد والجماعة شيئا خاصا، فيضاف لهم في فوق غنيمتهم نفلا، كما أعطى سلمة بن الأكوع سهم الراجل والراكب جميعا في غزوة الغابة. في قصة ما فعله بنو فزارة حين أتوا على سرح المدينة، فاعتدوا على إبلي النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فكان ما كان في الحديث الطويل. فالشاهد كان سلمة بن الأكوع له الجهد الأكبر في خذلان الأعداء، فأعطاه سهم الراجل والراكب أو الفارس جميعا. ومثله لو تسوروا حصنا أو فتحوا بابا، فإنهم يعطون زيادة. والمعنى الثاني: ما تعطى به السرية في البدأة أو في الرجعة. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بالسرية في البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث. قال العلماء: ذلك لأن السرية التي تتقدم الجيش تمهد له، فيكون عليها من الخوف ومن الأعمال الخطيرة الشاقة ما لا يكون على غيرهم، فاستحقوا الزيادة بذلك. وهكذا كذلك في الرجوع، فإن الجيش إذا ذهب وبقي خلفهم من يحميهم من الخلف ويتتبع من بقي من الأعداء، كانت هذه السرية المتأخرة في خطر، فلأجل ذلك استحقوا أن يعطوا شيئا زائدا. وقد قرر لهم في الشرع بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وفعله الثلث في الرجعة والربع في البدأة. وكان زيادة الرجعة على البدأة كما قال العلماء: لأن الرجعة لا يحمي السرية شيء خلفها، وأما البدأة فيحمي السرية من خلفها الجيش، فلهذا استحقت السرية في البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث، أي أكثر من البدأة. وكما مر معنا في دروس أخرى أحاديث واردة في هذا الباب، فقد جاء من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وحبيب بن مسلمة الفهري. وقال الترمذي: وفي الباب عن ابن عباس وحبيب ومعاوية بن يزيد وابن عمر وسلمة بن الأكوع، ففي الباب أحاديث كثيرة تدل على هذا الأصل. فهذه المعاني الثلاثة تدل على أن التنفيل جائز وله أصل في الشرع. قال رحمه الله تعالى: ما يستفاد من الحديث. قال أولا: بعث السرايا لإضعاف العدو ومفاجأته إذا رأى الإمام ذلك مصلحة، وكذلك لأجل التمهيد لإتيان جيش المسلمين إذا كان الجيش خلفه. قال الثاني: حل الغنيمة للغازين الغانمين. وقوله للغازين لأن الغنيمة لا تحل إلا لمن حضر الوقعة كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. والغنيمة كما تقدم في دروس سابقة: المال المأخوذ من الكفار بالقتال، وهي من الأنفال وليست هي كل الأنفال، فالأنفال معنى أوسع من الغنائم. قال رحمه الله: الثالث: أن السرية إذا كانت مستقلة ليست تابعة للجيش، فغنيمتها لها وحدها إذا كانت مستقلة، يعني ليس خلفها الجيش. مثل: مثلا ترسل سرية من المدينة وجيش النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، فهذه السرية إذا خرجت فهي تعتبر جيشا مستقلا، فتعطى المغنم جميعا. وأما إذا كانت فرعا عن جيش خرج في غزوة، فما غنموه يكون للجميع. يكون للجميع. قال رحمه الله: رابعا: جواز تنفير الغانمين زيادة على أسهمهم إذا رأى الإمام ذلك مصلحة. وكما قلنا: هذه المصلحة تدور حول معاني دلت عليها الشرع الأدلة الشرعية، ليست هي بهوى وعاطفة. فدلت الأدلة الشرعية على ثلاثة معاني، وهي: من خص بعمل، أو قتل قتيلا، أو سرية في المبدأ والرجعة. هذه ثلاثة معاني، ويدخل أو يلحق بها ما كان بمعناها. يلحق بها ما كان بمعناها، فالشرع لا يجمع بين المفترق ولا يفرق بين مجتمع، والنظائر يلحق بعضها ببعض. فلذلك هذا الباب لا ينحصر بعدد معين، لكن ينحصر في معنى معين. المعاني منحصرة، أما الأمثلة غير منحصرة. قال: ويكون النفل من الخمس. وبعضهم يرى أنه من أصل الغنيمة. وكل الأمرين يجوز. والصحيح أنه يجوز أن يكون من الأربعة الأخماس، فمن باب أولى أن يجوز من الخمس. لأن الخمس هو الذي الإمام يجتهد فيه. عندنا الآن خمسة أخماس في الغنيمة: خمس لله والرسول يجتهد فيه النبي صلى الله عليه وسلم في حياته بما يرى أنه أصلح للمسلمين، وأربعة أخماس تقسم على المقاتلين: ثلاثة أسهم للفارس، أي الراكب، وسهم للراجل. ويجوز النفل إما من أصل الغنيمة قبل قسمها كما دل عليه سلب القاتل، فإنه من الأصل. وقد ضعّف البخاري رحمه الله بابا يدل على هذا المعنى. ويجوز أن يكون من الخمس، أي الذي هو لله والرسول. ويجوز أن يكون من الأربعة أخماس كما أعطى سلمة بن الأكوع سهم الراجل والراكب، أي الفارس جميعا. فكله يجوز، يجوز للإمام أن يجتهد في ذلك بحسب ما تقتضيه المصلحة. فهذا من السياسة الشرعية والأحوال السلطانية التي يجوز للسلطان وولي الأمر أن يجتهد فيها. والأموال التي يجتهد فيها السلطان ثلاثة، وهي: الغنيمة والصدقة والفيء. نعم: الغنيمة والصدقة والفيء، هذه ثلاثة أموال سلطانية يجوز للإمام أن يجتهد فيها. أما الغنيمة: علمناها. وأما الفيء: وما أخذ من الكفار بغير قتال، يدخل فيه الجزية والخراج وما أخذه المسلمون من مال الكفار فجاءهم بغير قتال، كما الذي ترميه البحار أو ما يؤخذ بالمهادنة أو ما كان يؤخذ من أعشار ونحوها مما هو معلوم في معاملة الكفار. فهذه المعاني وما كان بمعناها تدخل في معنى الفيء. والصدقة: هي الزكاة. الصدقة هي الزكاة. وها هنا تنبيه فيما يتعلق بما ذكره بعض أهل العلم في هذا النفل: هل له حد في أعلاه وأكثره؟ قال بعض العلماء: له حد. وقال بعض العلماء: ليس له حد. ومن تتبع الأدلة الشرعية وجدها أنها في الغالب لا تزيد عن معنى المغنم. لا تزيد عن معنى المغنم. فمثلا أكثر من أعطي سلمة بن الأكوع أعطي يعني نصيب الفارس مع نصيب الراجل. فلذلك قال العلماء: ينبغي أن يتقيد بما ورد، وهذا هو الأحوط. هذا هو الأحوط.