الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 56، الدرس السادس والخمسون:(وقوله ما اتخذ الله من ولد إلخ تضمنت هذه الآية الكريمة أيضا ... وكذلك كل نقص يتنزه عنه المخلوق فالخالق أولى بالتنزه عنه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تفسير الآيات القرآنية لتوحيد الإلهية والربوبية وتنزيه الله عن الشريك والولد. يُبين الدليل على استحالة تعدد الآلهة لما يترتب عليه من اختلاف وتعطيل.
شرح انفراد الله بصفات الجلال والكمال ورد الشبهات حول الإلهية والربوبية. الآيات الكريمة تدل على وحدانية الله وتنزيهه عن الشريك أو الولد.
تنزيه الله تعالى عن النقص والمشابهة للمخلوقات وبطلان قياس التمثيل وقياس الشمول. يُشير إلى صحة استخدام قياس الأولى في السياقات الشرعية.
اختتام الدرس مع الإشارة إلى دروس لاحقة والتأكيد على العلم الإلهي بالموضوع المطروح.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذن لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض﴾، تضمنت هذه الآية الكريمة أيضًا جملة من صفات التنزيه التي يُراد بها نفي ما لا يليق بالله عز وجل عنه، فقد نزه سبحانه نفسه فيها عن اتخاذ الولد، وعن وجود إله خالق معه، وعما وصفه به المفترون الكذابون، كما نهى عن ضرب الأمثال له والإشراك به بلا حجة ولا برهان، والقول عليه سبحانه بلا علم ولا دليل. فهذه الآية تضمنت إثبات توحيد الإلهية وإثبات توحيد الربوبية، فإن الله بعدما أخبر عن نفسه بعدم وجود إله معه، أوضح ذلك بالبرهان القاطع والحجة الباهرة، فقال: ﴿إذن لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض﴾، أي: إذ لو كان معه آلهة كما يقول هؤلاء المشركون. وتوضيح هذا الدليل أن يقال: إذا تعددت الآلهة، فلابد أن يكون لكل منهم خلق وفعل، ولا سبيل إلى التعاون فيما بينهم، فإن الاختلاف بينهم ضروري، كما أن التعاون بينهم في الخلق يقتضي عجز كل منهم عند الانفراد، والعاجز لا يصلح إلهًا، فلابد أن يستقل كل منهم بخلقه وفعله. وحينئذ، فإما أن يكونوا متكافئين -يعني اثنين- في القدرة، لا يستطيع كل منهم أن يقهر الآخر، أو قال: الآخرين إذا كانوا جماعة، سواء كانوا اثنين أو كانوا جماعة. ويغلبهم فيذهب كل منهم بما خلق، ويختص بملكه كما يفعل ملوك الدنيا من انفراد كل بمملكته إذا لم يجد سبيلًا لقهر الآخرين. وإما أن يكون أحدهم أقوى من الآخرين، فيغلبهم ويقهرهم، وينفرد دونهم بالخلق والتدبير، فلابد إذن مع تعدد الآلهة من أحد هذين الأمرين: إما ذهاب كل بما خلق، أو علو بعضهم على بعض. قال: وذهاب كل بما خلق غير واقع؛ لأنه يقتضي التنافر والانفصال بين أجزاء العالم، مع أن المشاهدة تثبت أن العالم كله كجسم واحد مترابط الأجزاء، متسق الأنحاء، فلا يمكن أن يكون إلا أثرًا لإله واحد. وعلو بعضهم على بعض يقتضي أن يكون الإله العالي وحده. قوله رحمه الله تعالى: «تضمنت هذه الآية... إلى آخره»، وضح في هذا الشرح أن المؤلف رحمه الله تعالى أثبت بهذا انفراد الرب جل وعلا بصفات الجلال والكمال، وهذا هو المقصود: أن الله سبحانه وتعالى منفرد بهذه الصفات -صفات الجلال والكمال- فليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وقوله رحمه الله تعالى في أول الآية: ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله﴾ إلى آخره، فيها رد على اليهود والنصارى والمشركين. وقول الشارح رحمه الله: «والإشراك به بلا حجة ولا برهان»، هذا من باب الصفة الكاشفة، فليس معنى أن هناك إشراك بحجة وبرهان، ولكن كما قلنا: الصفة الكاشفة تأتي للتعليل، أي: لأنه ليس له حجة ولا برهان. وقوله: «وعلو بعضهم على بعض يقتضي أن يكون الإله العالي وحده»، هذا ظاهر، أي: فثبت بعد هذا كله أن دليل الشرع ودليل المشاهدة والكون يدل على أنه ليس هناك إلا إله واحد، كما قال سبحانه: ﴿ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت﴾، إذا نظرت ما تجد إلا آثارًا تدل على إله واحد سبحانه. ولهذا علق ابن القيم رحمه الله على هذه الآية فقال: «وهذا لم يحصل -يعني هذا الذي أخبر الله جل وعلا به من ذهاب كل إله بما خلق- وإنما هو على وجه التنزل وإثبات وتقرير وحدانية الرب جل وعلا في ربوبيته، فإذا ينبغي أن يكون كذلك في ألوهيته سبحانه وتعالى». قال: «وهذا لم يحصل، بقي الأخير وهو إثبات ربوبية واحدة لرب واحد، فبعدها يجب أن تثبت ألوهية واحدة فقط»، يعني: المراد من ذلك الاستدلال بالتوحيد الخبري على التوحيد القصدي الطلبي. قال رحمه الله تعالى: «وأما قوله تعالى: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾، فهو نهي لهم أن يشبهوا بشيء من خلقه؛ فإنه سبحانه له المثل الأعلى الذي لا يشرك فيه مخلوق». وقد قدمنا أنه لا يجوز أن يستعمل في حقه من الأقيسة ما يقتضي المماثلة والمساواة بينه وبين غيره، كقياس التمثيل وقياس الشمول، وإنما يستعمل في ذلك قياس الأولى، الذي مضمونه: أن كل كمال لنوعي غير مستلزم للعدم ولا للنقص بوجه من الوجوه، اتصف به المخلوق، فالخالق أولى أن يتصف به؛ لأنه هو الذي وهب المخلوق ذلك الكمال، ولأنه لو لم يتصف بذلك الكمال مع إمكان أن يتصف به، لكان في الممكنات من هو أكمل منه. ومر معنا أن الممكنات -في تعبير المناطقة- هو المخلوق الجائز، وأن الأولى والأكمل ترك هذا التعبير. قال: «لكان في الممكنات من هو أكمل منه، وهو محال»، وكذلك كل نقص يتنزه عنه المخلوق، فالخالق أولى بالتنزه عنه. وهذا كذلك إخبار على انفراد الرب جل وعلا بصفات الكمال والجلال جل وعلا، فلله الأسماء الحسنى وحده، والصفات العليا وحده، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. ولهذا قالها هنا: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾، فهو سبحانه وتعالى منفرد جل وعلا بالمثل الأعلى، كما قال سبحانه: ﴿ولله المثل الأعلى﴾، وهو العزيز الحكيم، وهكذا كذلك: ﴿ولله المثل الأعلى في السماوات والأرض﴾، وهو العزيز الحكيم. وأما قوله: من أنه لا يقاس بخلقه سبحانه وتعالى، وذكر قياس التمثيل وقياس الشمول، فقد مر معنا في قول المؤلف رحمه الله: «ولا يقاس بخلقه»، الكلام على هذه الأقيسة الثلاثة. وأما قياس التمثيل، فمر أنهم يقولون: ما ثبت في الخالق ثبت في المخلوق، أو العكس، وهو إلحاق فرع بأصل على ما سبق تفصيله، وهو باطل؛ فليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، ليس هو كخلقه، ولا خلقه كمثله سبحانه. وهكذا كذلك قياس الشمول، وهو أن تذكر صفة أو يذكر اسم يجمع عليها الخالق والمخلوق، فيستلزم عندهم بذلك التساوي في الصفات والكيفيات، مثل اسم الحي مثلًا، فيقولون: للخالق اسم الحي، وللمخلوق اسم الحي، فاجتمعا اسم واحد، فاستلزم تساوي الصفات والكيفيات، وهذا باطل. وهكذا كذلك لو قيل: له صفة الحياة سبحانه، وللمخلوق صفة الحياة، فاجتمعا صفة واحدة، فاستلزم تساوي الصفات والكيفيات، فهذا كذلك باطل؛ ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وأما قوله: «وإنما يستعمل في ذلك قياس الأولى»، فقد مر معنا فيما سبق بأن هذا الكلام إنما أريد به معنى صحيحا دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، كقوله سبحانه: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه﴾، وهكذا كذلك في قصة إبراهيم في مواضع، فيما فيه ذكر شيء من صفات الرب جل وعلا بقياس الأولى، نفاه عن الآلهة المخلوقة، فاستلزم أن الله جل وعلا ثبتت له ذلك. لما تعبدوا ما لا يسمعوا ولا يبصروا ولا يغني عنكم شيئًا، فهذا فيه معنى القياس الأولوي الذي أشار إليه المؤلف، لكن كما مر معنا: أنه ليس في نص الكتاب، ولا في نص السنة، ولا مما أثر عن سلف الأمة هذا التعبير. فالأكمل والأفضل والأحسن أن يعبر بأن: «لله المثل الأعلى»، وهو نص الكتاب، وهو كذلك نص ما أثر عن سلف الأمة وعن الأمة: ﴿ولله المثل الأعلى﴾، وهو العزيز الحكيم. طيب، نكتب بهذا، ونترك الباقي إن شاء الله إلا درس لاحق، والله تعالى أعلم.