الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 24، الدرس الرابع والعشرون : (وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه ... أو استأثرت به في علم الغيب عندك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح كلام شيخ الإسلام ابن تيمية حول جمع الله بين النفي والإثبات في أسمائه وصفاته، حيث يُثبت الله الصفات الكاملة وينفي العيوب. النفي يكون لإثبات كمال ضدها.
النفي في صفات الله ليس نفيًا محضًا، بل يراد به إثبات كمال الضد. أهل السنة يجملون النفي ويتفصلون في الإثبات.
القرآن والسنة يتبعان أسلوب التفصيل في الإثبات والإجمال في النفي، بينما تخالف بعض الفرق هذا النهج.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام تيمية رحمه الله تعالى: قال وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات. وقوله رحمه الله: «وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه» يعني فيما تقدم مما ذكره من أن الله جل وعلا يسمى ويوصف على ما يليق بجلاله وعظمته، فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلمة عن مواضعها، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يكيفون، ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه. فإذا كان كذلك، قال رحمه الله: «وسبحانه قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات». وقد سبق فيما تقدم بيان ما معنى النفي وما معنى الإثبات، وسيأتي بكلام الشارح شيء من ذلك. فأما الصفات، فظاهر النفي والإثبات فيها النفي ما كان منفيا، مثل: «لا تأخذه سنة ولا نوم»، «ليس كمثله شيء»، «لم يكن له كفوا أحد». والإثبات ما فيه إثبات شيء من الصفات على ما سبق ذكره وتفصيله من أنواع الصفات، إما صفات ذاتية أو صفات فعلية إلى آخره. وهكذا كذلك الأسماء، فالنفي فيها من حيث المعنى لا من جهة اللفظ، مثل: «السلام» أي الذي سلم من كل نقص وعيب، و«القدوس» فيه معنى النفي، أي الذي تقدس عن كل نقص وعيب. فالنفي في الصفات في لفظها ومعناها، والنفي بالأسماء في معناها لا في لفظها. قال الشارح رحمه الله تعالى: «لما بين فيما سبق أن أهل السنة والجماعة يصفون الله عز وجل بما وصف به نفسه وبما وصفوا به رسوله، ولم يكن ذلك كله إثباتا ولا كله نفيا، نبه على ذلك بقوله: وهو سبحانه قد جمع إلى آخره». واعلم أن كل من النفي والإثبات في الأسماء والصفات مجمل ومفصل. أما المجمل في النفي، فهو أن ينفى عن الله عز وجل كل ما يضاد كماله من أنواع العيوب والنقائص، مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، ﴿سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، فهذا نفي مجمل. وأكثر النفي كما سيأتي معنا أنه نفي مجمل، وليس النفي الذي جاء في ما يتعلق بأسماء الله وصفاته نفيا محضا، بل هو نفي لإثبات كمال الضد، إذ النفي المحض ليس بمدح، والله جل وعلا أسماؤه وصفاته عليا وحسن غاية في الحسن والكمال، ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾. وأما التفصيل في النفي، فهو أن ينزه الله عن كل واحد من هذه العيوب والنقائص بخصوصه، فينزه عن الوالد والولد كما قال سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾، فنزه نفسه عن الوالد والولد والشريك والصاحبة. وهكذا «لم يكن له كفوا أحد»، «لم يلد ولم يولد». قال رحمه الله: «والند والضد كذلك»، فلا تجعلوا لله أندادا. وكذا الضد «ولم يكن له كفوا أحد». قال: «والجهل والعجز كذلك»، نفى الله عز وجل عن نفسه ذلك: ﴿وَلَا يُؤْوِدُهُ حِفْظُهُمَا﴾، ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾. قال: «والضلال والسهو»، بكتاب لا يضل ربي ولا ينسى. قال: «والسنة والنوم» في قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. قال: «والعبث والباطل» إلى آخره، فكل هذا جاء معناه في أدلة الكتاب أو السنة. قال: «ولكن ليس في كتاب الله ولا في السنة نفي محض، فإن النفي الصرف لا مدح فيه». والمراد بالنفي المحض أي النفي الذي ليس فيه إثبات كمال الضد. ولهذا تجد أن هذه الصفات المنفية عن الله سبحانه وتعالى أو الأسماء تذكر في معرض ما هو ضدها مما فيه كمال لذلك الضد. فنفى عن نفسه السنة والنوم في معرض إثبات كمال حياته وقيوميته: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ لأنه الحي الكامل في حياته، القيوم الكامل في قيوميته سبحانه وتعالى بخلقه، فهو سبحانه نفى عن نفسه ما نفى ليس لأنه نفي محض، ولكن لأن هذا النفي يستلزم إثبات كمال الضد. قال: «فإن النفي الصرف لا مدح فيه، وإنما يراد بكل نفي فيهما إثبات ما يضاده من الكمال». فالنفي المراد هو ما فيه إثبات كمال الضد. ولهذا تجد أن معاني التنزيه ترجع إلى إثبات الكمال ونفي التشبيه عن الله سبحانه وتعالى. ومن تأمل ما جاء من النفي الوارد في الأسماء أو في الصفات وجدها على ما سمعنا، وذكر هذا المعنى وأفاده شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في عدد من كتبه: «أن معاني التنزيه ترجع إلى إثبات الكمال ونفي التشبيه». وهذا هو المقصود من النفي. ولهذا كان النفي في حق الله جل وعلا هو نفي لإثبات كمال الضد، وليس نفيا محضا. قال رحمه الله تعالى: «وإنما يراد بكل نفي فيهما إثبات ما يضاده من الكمال». فنفي الشريك والنظير لإثبات كمال عظمته وتفرده بصفات الكمال، ونفي العجز لإثبات كمال قدرته، ونفي الجهل لإثبات سعة علمه وإحاطته، ونفي الظلم لإثبات كمال عدله، ونفي العبث لإثبات كمال حكمته، ونفي السنة والنوم والموت لإثبات كمال حياته وقيوميته، وهكذا. فلذلك إذا تأملت هذه الصفات المنفية أو التي تسمى بالسلبية تجدها لإثبات كمال الضد، لا تجدها نفيا محضا أبدا. قال رحمه الله تعالى: «ولهذا كان النفي في الكتاب والسنة إنما يأتي مجملا في أكثر أحواله، بخلاف الإثبات فإن التفصيل فيه أكثر من الإجمال، لأنه مقصود لذاته». ولهذا كانت طريقة أهل السنة والجماعة الإجمال في النفي والتفصيل في الإثبات على ما وردت به أدلة الكتاب والسنة. وأما طريقة أهل البدع على خلاف ذلك، فتجد أهل البدع على اختلاف طبقاتهم ودرجاتهم هم يسيرون على تقديم النفي على الإثبات. فعندهم النفي مفصل والإثبات مجمل، ولو لم يقع من بعضهم نفي مفصل، فإنهم يسيرون ويسلكون مسلك الإثبات المجمل. وكلا الأمرين بدعة وضلالة وخلاف طريقة القرآن والسنة. فمثلا الصابئة والفلاسفة والجهمية والقرامطة الباطنية، طريقتهم التفصيل في النفي والإجمال في الإثبات، فيقولون: «تعالى الله عن قولهم: إن الله لا موجود ولا معدوم، ولا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا كذلك بمحسوس ولا بغيره، ولا بجسم ولا بجوهر ولا بعرض». ورد عليهم أهل السنة: «أن هذا الذي زعموا أنه وصف الله هو وصف العدم، ولو أراد أحد أن يصف العدم بشيء ما استطاع أن يصفه بأحسن من هذا الوصف، فهم صاروا يعبدون عدما». فروا من التمثيل فوقعوا في أقبح التعطيل. فالحاصل ننتبه إلى أن طريقة القرآن والسنة الإجمال في النفي والتفصيل في الإثبات. ولهذا تجد كذلك من طريقة بعض ظلالهم كالمعتزلة والأشاعرة والماتريدية وبينهم الكلابية، تجدهم في باب الإثبات يثبتون أشياء مجملة. فالأشاعرة يثبتون أسماء جامدة لا معاني لها، والمعتزلة يثبتون أسماء جامدة، والأشاعرة يثبتون من الصفات سبع، والماتريدية ثمان، والكلابية بين ذلك. وهذا كل من الإثبات المجمل، فهم لا يفصلون في الإثبات على ما جاء تفصيله في الكتاب وفي السنة. فطريقة الكتاب والسنة التفصيل في الإثبات، فالاسم يشمل إثبات الاسم وإثبات ما تضمنه هذا الاسم من الصفة، وإثبات ما تضمنته هذه الصفة من الفعل. هذه طريقة القرآن والسنة، والصفة فيها إثبات الصفة وما تضمنته هذه الصفة من الفعل، وهكذا. وأما هؤلاء فهم ليسوا على هذا أبدا. قال رحمه الله تعالى: «وأما الإجمال في الإثبات فمثل إثبات الكمال المطلق والحمد المطلق والمجد المطلق ونحو ذلك»، كما يشير إليه مثل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿ولله المثل الأعلى﴾. وأما التفصيل في الإثبات، فهو متناول لكل اسم أو صفة وردت في الكتاب والسنة، وهو من الكثير بحيث لا يمكن لأحد أن يحصيه. وسيأتي معنا في تفاصيل المباحث الآتية هذا التفصيل في الإثبات من أدلة الكتاب ومن أدلة السنة في أنواع من الأسماء والصفات الثابتة لله جل وعلا. قال: «فإن منها مختص الله عز وجل بعلمه»، كما قال عليه الصلاة والسلام: «سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك». والحديث الصحيح في مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها، كما هو مشار إليه عندكم. وبهذا أن الله جل وعلا أثنى على نفسه بما هو أهله سبحانه وتعالى، ولا يحصي ذلك إلا الله سبحانه وتعالى. قال: «وفي حديث دعاء المكروب: أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك». والحديث صحيح أو حسن، وأشار إلى تصحيح المعلق الشيخ العلامة الألباني رحمه الله تعالى له في الصحيحة. وقد مر معنا قريبا في درس السيرة، فهو حديث حسن أو صحيح. ووجه الشاهد منه قوله: «سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك». وهذا يدل على أن لله أسماء وصفات كثيرة لا تعد ولا تحصى سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا القدر، ونترك الباقي إلى درس اللاحق، والله تعالى أعلم.