شرح السياسة الشرعية  13

شرح السياسة الشرعية 13

الدرس في شرح السياسة الشرعية 13، الدرس الثالث عشر:من( الفصل الثاني:الأموال السلطانية التي أصلها في الكتاب والسنة ثلاثة أصناف ... وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الأموال السلطانية وتوزيع الغنائم

يتناول شرح الأموال السلطانية وأنواعها، مع التركيز على الغنيمة وتوزيعها وفق الشريعة. يشرح كيفية تقسيم الغنائم بين المجاهدين وغيرهم.

خصائص الأمة الإسلامية وفضلها

يتناول الخصائص التي منحها الله للأمة الإسلامية، مثل تحليل الغنائم وجعل الأرض مسجدًا وطهورًا. يبين فضل هذه الأمة على الأمم السابقة.

أحاديث الجهاد ونصرة الدين

يشرح أحاديث نبوية متعلقة بالجهاد ونصرة الدين، مثل "نصرت بالرعب". يبين أهمية الجهاد لإعلاء كلمة الله وضرورة نصرة الدين بالحجة والبرهان أولًا.

التحذير من التشبه بالكفار وتأثيره

يتناول التحذير من التشبه بالكفار وخطورة تأثير ذلك على القلب. يشدد على ضرورة الحذر لتجنب التأثر السلبي بالتشبه بهم.

  • 15 جمادى الأولى 1432هـ - 18/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: الفصل الثاني. قال: الأموال السلطانية التي أصلها في الكتاب والسنة ثلاثة أصناف: الأول الغنيمة. قوله، رحمه الله تعالى: الفصل الثاني، يعني من الفصول المتعلقة بأمانات الأموال، فمن الأمانات الأموال، وتقدم معنا الفصل الأول في الأموال، وهو ما يتعلق بالأعيان. وهكذا أيضًا الديون الخاصة والعامة، وعُلم ما يدخل في الأعيان من رد الودائع، ومال الشريك، والموكل، والمضارب، والولي، واليتيم، ونحو ذلك. والقائم على الوقف، والديون كذلك، وفاء الديون في الأثمان، أثمان المبيعات، وبدل القرض، والصدقات، النساء، وجور المنافع، وغير ذلك مما يدخل في الديون. ثم انتقل، رحمه الله، إلى الفصل الثاني، وجعله، رحمه الله، في الكلام على الأموال، ويريد بالأموال السلطانية، أي التي تتعلق بالسلطان وولي الأمر. وقوله: التي أصلها في الكتاب والسنة، أي التي جاء ذكرها ودليلها في الكتاب والسنة، ثلاثة أصناف: الأول الغنيمة. أي: هذه الأموال التي تتعلق بالسلطان وولي الأمر، ودلت عليها أدلة الكتاب والسنة، هي ثلاثة أصناف، والصنف الأول من هذه الثلاثة الغنيمة، وسيوضح، رحمه الله، ذلك. قال، رحمه الله تعالى: وطبعًا بعض النسخ ليس فيها هذا العنوان، وفي نسخة الفتاوى، مجموعة الفتاوى، وغيرها، فيها هذه الزيادة: قال الأموال السلطانية التي أصلها في الكتاب والسنة ثلاثة أصناف: الغنيمة، والصدقة، والفيء. وسميت سلطانية لأنها تتعلق بالسلطان وولي الأمر، كما سيأتي معنا إن شاء الله. وهي ثلاثة أنواع، أصناف، بالاستقرار، فبتتبع أدلة الكتاب والسنة، وجد أنها على هذه الأصناف الثلاثة. وابتدأ، رحمه الله، بالغنيمة. قال: فأما الغنيمة، فهي المال المأخوذ من الكفار بالقتال. ذكرها الله تعالى في سورة الأنفال، التي أنزلها الله في غزوة بدر، وسماها أنفالًا؛ لأنها زيادة في أموال المسلمين. فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. وقال في أثنائها: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وفي الصحيحين، عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة». وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم». رواه أحمد في المسند، عن ابن عمر، واستشهد به البخاري. فالواجب في المغنم تخميسه، وصرف الخمس إلى من ذكره الله تعالى، وقسمة الباقي بين الغانمين. قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: الغنيمة لمن شهد الوقعة، وهم الذين شهدوها للقتال، قاتلوا أو لم يقاتلوا، ويجب قسمها بينهم بالعدل، فلا يحابى أحد، لا لرياسته، ولا لنسبه، ولا لفضله، كما كان النبي، صلى الله عليه وسلم، وخلفاؤه يقسمونها. جعل، رحمه الله تعالى، كما سمعنا، هذا الفصل في الكلام على الأموال السلطانية، وابتدأ بالغنيمة، وبيّن أن الغنيمة هي المال المأخوذ من الكفار بالقتال، وأن الله جل وعلا ذكرها في سورة الأنفال، التي أنزلها الله عز وجل في غزوة بدر، كما بيّن ذلك في أول سورة الأنفال، وهكذا أيضًا في آيات من سورة آل عمران، وسماها الله عز وجل أنفالًا؛ لأنه زيادة في أموال المسلمين، فهو نفل فوق الأصل. ثم ذكر الآيات، وأشار بذلك إلى ما أشار إليه أهل العلم من أهل التفسير والحديث، إلى ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة من قسمة هذه الغنائم. قال شيخنا، رحمه الله تعالى، في تعليقه: الخمس يقسم على خمسة: لله، والرسول، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل. وأربعة أخماس تقسم بين الغانمين الذين شهدوا الوقعة، يعني الغزوة، أو كذلك الوقعة تشمل غزوة حضرها النبي، صلى الله عليه وسلم، أو لم يحضرها، وأي جيش من جيوش المسلمين يشهدها، فيكون قسمته على ذلك. قال: للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه. وهكذا دلت السنة، كما سيأتي معنا إن شاء الله، في الأحاديث الآتية. ثم ذكر حديث جابر بن عبد الله في الصحيحين، وأيضًا حديث ابن عمر في مسند الإمام أحمد، وهو أيضًا صحيح، وقد ذكره الإمام البخاري، رحمه الله، معلقًا. وهذا هو قوله: واستشهد به البخاري، يعني ذكره على وجه الاستشهاد. وقد ذكره البخاري، رحمه الله، معلقًا، كما أشرتم في التعليق في كتاب الجهاد. وقد قال البخاري: «ويذكر عن ابن عمر، عن النبي، صلى الله عليه وسلم: جعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري». والشاهد من الحديث الأول قول النبي، صلى الله عليه وسلم: «وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي». ففيه أن الغنائم أحلت لهذه الأمة خاصة، ولم تحل للأمم قبل هذه الأمة. وقد صحت الأحاديث الصحيحة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أن الأمم قبلنا كانت غنائمهم لا تؤخذ، ولا تحل لهم، وإنما يجمعونها، فتأتي نار من السماء فتحرقها. فإن كان فيها غلول لم تحرق حتى يرد الغلول إليها، فتحرقها. وأما هذه الأمة، فقد علم الله عز وجل ضعفها وفقرها وحاجتها، وكذلك - كما قال بعض أهل العلم - إخلاصها، فكان فضلًا من الله سبحانه وتعالى أن أحل لها الغنائم. أحل لها الغنائم، فهو من خصائص هذه الأمة. وقد استدل أهل العلم، وقد أشار وألمح شيخنا إلى ذلك في الشرح، بهذه اللفظة إلى أن كل ما ذكر في الحديث، الأصل فيه أنه عام له، عليه الصلاة والسلام، وللأمة، إلا ما استثنته الأدلة بالنصوص الأخرى. والسنة تفسر بعضها بعضًا، والأصل في هذا عموم التشريع. فقوله: «نصرت بالرعب» ليس خاصًا بالنبي، صلى الله عليه وسلم، بل هو للنبي، صلى الله عليه وسلم، ولأمته من بعده. وأشار شيخنا، رحمه الله، إلى هذا المعنى العام الذي تؤيده هذه الجمل في هذه الخصائص الخمس التي أعطيت لنبينا، صلى الله عليه وسلم، ولأمته. واستثني من ذلك الشفاعة، فإنها من خصائصه. على أن بعض أهل العلم قال: أيضًا لأهل هذه الأمة شفاعة، ليست للأمم السابقة، فيشفع الأنبياء، ويشفع النبي، صلى الله عليه وسلم، شفاعة خاصة، ويشفع من هذه الأمة الشهداء، وحفظة القرآن، والمؤمنون، شفاعات تخص بهذه الأمة دون سائر الأمم. وهناك شفاعات يشترك فيها الأمم جميعًا، لكن لهذه الأمة شفاعات خاصة. وبهذا المعنى فهم بعض أهل العلم أيضًا معنى العموم حتى في الشفاعة. وهكذا أيضًا قوله، عليه الصلاة والسلام: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة». كذلك بعضهم أشار إلى أن هذا من خصائصه، عليه الصلاة والسلام، أنه ليس بعده نبي ولا رسول، وأنه بعث للناس عامة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة. ولكن ذكر بعض أهل العلم أيضًا أن هذا ليس من خصائصه، عليه الصلاة والسلام، بل هو عام له ولأمته. فضل تفضل الله عز وجل به على هذه الأمة، بما كان من مبعث نبيها الذي أكرم الله عز وجل به هذه الأمة، وختم به الديانات والرسالات. ولم يقل في الحديث بمسألة ختم الرسالة، ولكن ذكر كونه بعث إلى الناس عامة، فكذلك أمته من بعده هم يدعون الناس عامة إلى هذا الدين. يدعون الناس عامة إلى هذا الدين، بخلاف الأنبياء قبله، فهم بعثوا في أممهم خاصة، وأتباع أولئك الأنبياء يدعون أممهم خاصة. فصار هذا عامًا. فهذه الأمة بعد النبي، صلى الله عليه وسلم، من الدعاة والعلماء، وكل فرد من أفراد المسلمين يدعو الناس عامة إلى هذا الدين. فكل الناس: عربيهم، وعجميهم، وأهل الكتاب، وغيرهم، مجعوون للإيمان بنبينا، صلى الله عليه وسلم. وهذا معنى «وبعثت إلى الناس عامة». وكذلك ما ذكر قبل ذلك: «نصرت بالرعب»، عليه الصلاة والسلام، وكذلك نصرت أمته بالرعب. «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، يعني يصلي حيث أدركته الصلاة، ليس كاليهود والنصارى لا يصلون إلا في الكنائس، وفي مواضع الصلاة خاصة. بل هذه الأمة تصلي حيث أدركتها الصلاة، في السفر، وفي الحضر. «أيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره». «وجعلت الأرض مسجدًا وطهورًا»، كذلك الطهور المراد به التطهر، يعني إذا لم يكن الماء فالتراب بالتيمم. وهذا أيضًا عام لهذه الأمة. وفي قوله: «مسيرة الشهر»، قال بعض أهل العلم: هل هذا تخصيص أم أنه خرج مخرج الغالب أو الواقع؟ ذكر بعض أهل العلم الأول، وذكر بعضهم الثاني. وقد شرح الحافظ ابن حجر، رحمه الله، في شرح هذا الحديث، أن الصحيح ليس الشهر حدًا، وإنما هو حكاية للواقع. هذا معنى كلامه؛ لأنه لم يكن عدو أبعد من ذلك في زمانه. فكان أبعد عدو كان أبعد عدو في زمانه مسيرة مسيرة شهر: فارس في الشمال، والروم في شمال غرب، واليمن في الجنوب، وليس هناك من هو أبعد من أعدائه من أهل الممالك الكبرى إلا وهو لا يزيد عن مسيرة شهر. ومع ذلك نصر بالرعب، عليه الصلاة والسلام، مسيرة الشهر. ولهذا قال بعضهم: أنه ليس خاصًا، بل نصر بالرعب، عليه الصلاة والسلام، حيث يبلغ خبره، حتى ولو كان أبعد من ذلك. وذكر الحافظ ابن حجر رواية جاءة من طريق عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «نصرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة الشهر». فقوله: «ولو كان بيني وبينهم»، يدل على أنه ليس لأجل الحد، وإنما لأجل التقريب. فلو كان أكثر أو أقل، فقد نصر بالرعب، عليه الصلاة والسلام. ومعنى ذلك - كما أشار إليه شيخنا، رحمه الله تعالى، في شرحه - أن عدوه يرتعب منه ببلوغ خبره، قبل بلوغه، عليه الصلاة والسلام. وكذلك أمته من بعده. ولذلك تجد أن الله عز وجل قد فطر في قلوب الكفار من أعداء المسلمين الرعب والجبن من مقابلتهم ومواجهتهم. وهذا إلى زماننا هذا، على كثرة السلاح، والعدد، والعدة، إلا أن الكفار لا يثبتون، ولا يصبرون، ويصيبهم من الذعر والخوف من خبر المسلمين، فضلًا عن مواجهتهم. وهذا من الآيات التي أعطيها نبينا، صلى الله عليه وسلم، أعطيتها هذه الأمة. وجاء في الصحيحين أيضًا، من حديث أبي هريرة، معناه: «نصرت بالرعب». «وأوتيت جوامع الكلم». فجاء في رواية: ليس فيه تقييد شهر: «نصرت بالرعب، وأوتيت جوامع الكلم». وهذا يدل على تأكيد معنى العموم المذكور في الحديث، وأنه غير مختص، وأنه غير مختص بمسافة، بل حيث يبلغ الخبر يبلغ معه الخوف والرعب للعدو. ومعنى الحديث الثاني: أولًا الشاهد منه قوله، عليه الصلاة والسلام: «وجعل رزقي تحت ظل رمحي». ومعنى ذلك أنه، عليه الصلاة والسلام، جعل له رزقه فيما يؤسره الله من الغنائم. ولهذا كان أكثر ما فتح الله على المسلمين بعد فقرهم ما فتح عليهم من الغنائم، حتى ملكوا المال الكثير، بما فتح الله عز وجل عليهم من الغنائم. وهذا له، عليه الصلاة والسلام، ولأمته. «وجعل رزقي تحت ظل رمح»، يعني بما يكون من الغنائم، ومن مقاتلة ومجاهدة الكفار بالرمح، والسيف، والسنان. هذا هو الشاهد. وأما معنى الحديث: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له». معنى ذلك أنه، عليه الصلاة والسلام، بعث بالسيف بين يدي الساعة، أي: عليه الصلاة والسلام، أيد بالإذن له بالسيف، بعد الحجة والبرهان، بين يدي الساعة، أي: هو آخر الأنبياء والرسل، وهو أقرب الأنبياء والرسل إلى قيام الساعة. فليس فيه أن دعوته، عليه الصلاة والسلام، انتشرت بالسيف، ولكن فيه أنه أيد بالسيف بعد الحجة والبرهان. وإلا فقد نص العلماء، بما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، أن نصرة هذا الدين بالحجة والبرهان كان أعظم من نصرته بالسيف والسنان. ولهذا فإن معنى الظهور الذي جاءت به الأحاديث الكثيرة لهذه الأمة، ليس هو ظهور السيف والسنان؛ فإنه ربما يكون تارة، وينخفت تارة. ولكن المراد به ظهور الحجة والبرهان، فهو الذي لم يزل باقيًا، ولا يزال باقيًا إلى قيام الساعة. «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك». وفيه أيضًا هذا الحديث: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له». فيه أيضًا أن قتال المشركين والكافرين ليس لأجل الغنائم، وإنما قتالهم لأجل أن يعبد الله وحده لا شريك له، كما قال الله عز وجل: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. والفتنة: ببقاء الكفر وانتشاره؛ فإن بقاء الكفر وانتشاره سبب لبقاء الشرك والكفر، وإغلاق العقول، وكبت الحق الذي ينبغي أن يكون عليه الناس. أي: من الاستمساك به؛ فإن الكثير من الناس أحال ملوك وصولجان الكفر، وأربابه، بينهم وبين الحق الذي يبحثون عنه. أحال بينهم وبين الحق الذي يبحثون عنه رؤوس الكفر. ولهذا فالإسلام يجاهد الكافرين لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى. ثم بعد ذلك ليس بلازم أن يدخل ذلك الكافر في الإسلام، ولكن هو مخير بإحدى ثنتين بعد دخول بلده تحت وطأة المسلمين: إما أن يسلم، وإما أن يدفع الجزية. حتى لا يظن الظان أن هذا الدين يدعو الناس للدخول في الإسلام بالقوة. لا، ولكن - كما قال الله عز وجل - ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ﴾. وهذا التفسير الصحيح لمعنى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ﴾، ليس: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ﴾ تعطيل الجهاد في سبيل الله، وليس: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ﴾ إقرار المعاني الكفرية. ولكن معناه، أو بعض معناه، هذا المعنى الذي سمعناه، ودلت عليه عمومات النصوص من أدلة الكتاب والسنة. ولكن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى. فإذا كان كذلك، فكل منصف أعطاه الله عز وجل مسكة عقل، وسلامة فطرة، لا يتردد في الدخول في هذا الدين. ولهذا لا يفتح الله عز وجل بلادًا من بلاد الكفر إلا ويدخل الناس فيه في دين الله أفواجًا. يدخل الناس في دين الله عز وجل أفواجًا، ليس خوفًا من السيف والسنان؛ لأن الإسلام لم يأمرهم بأن يدخلوا في الإسلام بالسيف والسنان، فهم مخيرون بين الإسلام ودفع الجزية. ولكن لما رأوا من براهين الحق، وحقائق الصدق، ما دعتهم للإيمان بالله عز وجل، ورسوله، عليه الصلاة والسلام، والدخول في هذا الدين الذي فيه الراحة لهم في الدنيا، وفي الآخرة. وقوله: «وجعل الذل والصغار على من خالف أمري». فيه هذا الحكم القدري والشرعي لمن خالف أمر النبي، صلى الله عليه وسلم؛ فإن الله يذله، ويجعل له الصغار، يكون صغيرًا، محتقرًا، ذليلًا؛ بما كان من مخالفته لأمر النبي، صلى الله عليه وسلم. وفيه خطورة البدع والأهواء، والذنوب والمعاصي؛ فإنها تجعل على أصحابها الذل في الوجوه، وفي الأحوال، وفي سوء المآل. ولذلك لا ترى عاصيًا إلا وقد أذله الله، لا ترى عاصيًا، ولا مبتدعًا إلا وقد أذله الله، تصديقًا لحديث النبي، صلى الله عليه وسلم. ففي هذا تحذير بهذا النص الشرعي، وفيه أيضًا إخبار بهذا الحكم الكوني القدري الذي جعله الله عز وجل، عدلا منه، وعقوبة عاجلة قبل العقوبة الآجلة، بما يكون من أولئك الذين يخالفون أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، سواء بكفر، أو شرك، أو نفاق، أو بدعة، أو معصية. وقوله: «ومن تشبه بقوم فهو منهم». في التحذير من التشبه بالكفار في أي خصلة من خصالهم؛ لأن ذلك يورث الدخول فيما هم فيه، فيخشى عليه أن يتغير قلبه بما كان من تغير ظاهره. طيب، نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله بعد ذلك. والله تعالى أعلم.