الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 46، تابع الحديث الفرد . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الفرد المطلق هو ما تفرد به راويه عن جميع الرواة، وحكمه يعتمد على ضبط وإتقان الراوي المتفرد. إذا كان الراوي ضابطًا وإتقانًا، يُعتبر حديثه صحيحًا، وإلا فهو ضعيف.
ينقسم التفرد إلى فرد مطلق وفرد نسبي، ويتم التعرف على علل الحديث من خلال القرائن والخبرة العلمية. يُشرح حكم كل نوع من التفرد مع أمثلة توضيحية.
إذا تفرد الثقة بحديث فهو مقبول، أما تفرد غير الثقة فغير مقبول، مع وجود استثناءات بناءً على اعتبارات مثل المخالفة أو القرائن التي تدل على ضعف الحديث.
قد تطرأ اعتبارات تغير الحكم الأصلي للتفرد، ويتم الإشارة إلى أمثلة سابقة. يُختتم بالقول بأن الله تعالى أعلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المعلق رحمه الله تعالى: الفرد تعريف لغة: الوتر، واصطلاحًا هو ما تفرد به راويه بأي وجه من وجوه التفرد. قال: أقسامه، وقسمان: الفرد المطلق، والفرد النسبي. قال: الفرد المطلق، وهو ما تفرد به راويه عن جميع الرواة، لم يرويه أحد غيره، ومر معنا ذلك. ولا يلزم من هذا التفرد أن يكون صحيحًا أو ضعيفًا، فقد يكون صحيحًا، وقد يكون ضعيفًا بحسب هذا الإسناد. وتقدم معنا في الكلام على الحديث الصحيح مثال لصحيح وهو فرد، كحديث «إنما الأعمال بالنيات». وقد يكون ضعيفًا وهو فرد كذلك، أي حصل فيه شيء من التفرد، مثل ما تقدم في حديث قتيبة. قال: أو بمعنى آخر، هو الحديث الذي انفرد به راوي واحد، سواء تعددت الطرق إلى ذلك الراوي المتفرد به أم لم تتعدد، يعني العبرة بما جاء من جهة هذا الراوي المتفرد، ولو تعدد من بعده، مثل يحيى بن سعيد في حديث «إنما الأعمال بالنيات»، فإنه من عنده اشتهر الحديث. قال: مثال حديث النهي عن بيع الولاية وعن هبته، تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وهذا لا يضر، أي التفرد، فهو حديث صحيح. قال: حكمه، حكم هذا النوع أن ينظر في هذا الراوي المتفرد به، فإن كان قد بلغ حد الضبط والإتقان، فحديثه صحيح يحتج به مع تفرده به. وإن كان لم يبلغ حد الضبط والإتقان، لكنه قريب من هذا الحد، فحديثه حسن يحتج به أيضًا. وإن كان بعيدًا من حد الضبط والإتقان، كان حديثه ضعيفًا مردودًا. هذا وجه من جهة الحكم على الإسناد الذي حصل فيه التفرد، وهو أن ينظر إلى ضبط وإتقان هذا الراوي، فيحكم عليه بحسبه، إما صحيح، إما حسن، إما ضعيف، كما قلنا في الحكم على الأحاديث في أقسام الحديث الثلاثة: الصحيح، والحسن، والضعيف. ومر معنا في الدروس السابقة كذلك، هناك وجه آخر سبقت الإشارة إليه، وهو أن ينظر له باعتبار المخالفة وعدمها. فقد يكون التفرد فيه معنى المخالفة، فإن حصل معنى المخالفة، ولو كان من الثقات الضابطين، إذا خالف من هو أولى منه، وكذلك أكثر منه، فإنه يقبل قول الأولى والأكثر؛ لأنهم بهذا يكونون أضبط. وليس هذا على إطلاقه، لكن إذا كان في الرواية ما يدل على معنى المخالفة. وأما إذا لم يكن بالرواية ما يدل على معنى المخالفة، ويمكن الجمع، فإنه يجمع، أن هذا زيادة ثقة، كما تقدم معنا في حديث «وتربتها»، فإنه قد يكون التفرد، ولو وقعت فيه المخالفة، هو من زيادة الثقة؛ لأن المخالفة تنقسم إلى قسمين: مخالفة تضر، ومخالفة لا تضر، ومخالفة يمكن الجمع معها، ومخالفة لا يمكن الجمع معها. ووجه ثالث، أنه يحكم عليه، أي على التفرد كذلك، بالقرائن. فالقرائن أحيانًا تكون معينة في الحكم على الحديث، أي الذي حصل فيه تفرد، إما بثبوته، وإما برده. وليس الأمر على إطلاقه، فإن التفرد الذي دلت القرينة على أنه تفرد لا يمكن قبول مثله، يكون سببًا في رد الحديث، ولو لم يكن عند هذا الذي حكم على هذا الحديث بالضعف ما يثبت أن هذا التفرد حصلت فيه مخالفة، لكن عنده قرائن تبين أن هذا الحديث فيه معنى النكارة، وما يستدعي الرد. وهذا النوع هو النوع الخفي الذي لا يعرف إلا الحذاق من أهل الحديث، وهو الذي قال عنه جماعة من أئمة الحديث: أنه كالكهانة. يعني هناك شيء يعرفه الحذاق من أهل الحديث، ولا يعرفه من عنده ما عرف بعلم الحديث، لكنه لم يرسخ في هذا العلم. وكما قال بعض أهل العلم كذلك: هذا مثل حال الصيرفة، يعني الصراف، بعض العملات المغشوشة تمشي على الصرافين المبتدئين، أليس كذلك؟ ها تمشي حتى ربما تمشي على بعض الأجهزة، يصنعون أجهزة، ويأتي بعض الغشاشين المزورين للعملات في عصرنا هذا، يفعلون ما هو متعدٍ لهذه الأجهزة، لكن تجد إنسانًا، ليس جهاز، عنده خبرة قوية، يستطيع أن يميز أن هذه العملة مزورة. وليس كل أحد يستطيع. فإذا كان هذا ممكنًا في مثل هذا، ولا أحد يقول أن هذا عرفه بكهانة، لا عرفه بماذا؟ بزيادة خبرة، بزيادة خبرة. فكذلك بالنسبة لهذا العلم، فإن بعض العلماء قد يحكمون على بعض ما يقع فيه التفرد بالضعف والنكارة؛ لأجل قرائن يلتمسوها، ويعرفون منها أن هذا الحديث فيه علة. وكثيرًا ما تجد ذلك في كتب العلل، مثل «علل بن أبي حاتم» و«مسائل الإمام أحمد» كذلك في العلل، وهكذا كذلك تجد في «التاريخ» للإمام البخاري، أو «العلل الكبير» للترمذي، وفيها أسئلة للإمام البخاري رحمه الله. وهكذا في ثنايا بعض الكتب، كالبزار مثلًا، يكثر من التنبيه على مسألة التفرد. فإن مثل ذلك يعرف الحذاق به، أن هذا التفرد يضر. والقرائن كثيرة، قد تكون القرينة مرويات الرجل، مثلًا، فلان من الناس معروف له عن فلان إحدى عشر رواية، فكونه يأتي من طريق إنسان يزيد رواية، هذا يستوجب الاستغراب؛ لأن مثلًا هذا الإنسان الذي روى، ليس هو من أكثر الملازمين لهذا الشيخ، يوجد من الطلاب من هو أكثر منه ملازمة، ولم يرووا مثل هذا الحديث. فيأتي مثل هذا الرجل فيروي هذا الحديث، وهو ليس من المكثرين بالملازمة، هذه قرينة تدل أن الحديث فيه شيء؛ لأنه لو كان الحديث ثابتًا، لرواه من هو أولى منه برواية مثل هذا الحديث. فهذه قرينة يعرف بها أمثال من سمعتم من العلماء العلل في الحديث، فيتتبعون الحديث، فيجدون فيه خطأ، ويجدون فيه علة. وأحيانًا تكون القرينة بما كان من حال الراوي، مثلًا، كون أن بعض العلماء نبهوا أن مرويات هذا الراوي في هذا البلد، ليس كمروياته في هذا البلد. فبعض الرواة، مثلًا، روايته عن الكوفيين مستقيمة، وروايته عن غيرهم فيها ضعف، أو العكس. فكون هذه الرواية التي حصل بها التفرد جاءت من هذا الراوي على الوجه المنتقد، هذه قرينة. ونحو ذلك من القرائن التي يصل بها بعض أهل العلل إلى تضعيف بعض التفرد بمجرد كونه تفرد، لكن ليس تفردًا خاليًا من القرينة، بل هناك قرينة عنده عرف بها كون هذا التفرد يضر. قال: ثانيًا، الفرد النسبي، وهو ما كان فردًا بالنسبة. فمثلًا ما ينفرد به ثقة عن كل ثقة، وحكمه قريب من حكم القسم الأول. ومثل ما يقال فيه: هذا حديث تفرد به أهل مكة، أو تفرد به أهل الشام، أو أهل الكوفة، أو أهل خراسان عن غيرهم. أو لم يروِه عن فلان غير فلان، وإن كان مرويًا من وجوه عن غير فلان. أو تفرد به البصريون عن المدنيين، أو الخرسانيون عن المكيين، وما أشبه ذلك. مثال من تفرد به أهل بلد ما، رواه أبو داود عن أبي الوليد الطيالسي عن همام عن قتادة عن أبي نظرة عن أبي سعيد رضي الله عنه، قال: «أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر». قال الحاكم: تفرد بذكر الأمر فيه أهل البصرة من أول الإسناد إلى آخره، ولم يشركهم في هذا اللفظ سواهم. ولهذا بعض أهل العلم أنكر هذا الحديث، يعني الأمر بالزيادة على الفاتحة، وإن كان معناه جاء من غير حديث أبي سعيد. وصححه بعض أهل العلم، ومنهم شيخنا مقبل رحمه الله تعالى. قال: حكمه، ليس في شيء من هذا ما يقتضي الحكم بضعف الحديث، إلا أن يطلق، إلا أن يطلق قائل قوله: تفرد به أهل مكة، أو تفرد به البصريون عن المدنيين، أو نحو ذلك، على ما لم يروه إلا واحد من أهل مكة، أو واحد من البصريين، ونحوه، ويضيف إليهم كما يضاف فعل الواحد من القبيل إليها مجازًا. يعني إذا حصل التفرد بواحد، فخالف جماعة، فهو الضعيف. وكما تقدم معنا، ليس كل مخالفة تقتضي التضعيف، ولكن المخالفة التي لا يمكن معها الجمع، أو دلت القرينة أنها مخالفة على وجه يقتضي الترجيح. قال: أو يقال: لم يروه ثقة إلا فلان، فيكون حكمه كالقسم الأول؛ لأن رواية غير الثقة كلا رواية، فينظر في المنفرد به، هل بلغ رتبة من يحتج بتفرده أو لا؟ وفي غير الثقة، هل بلغ رتبة من يعتبر بحديثه أو لا؟ والمعنى أنك تنظر في هذا التفرد، وتحكم على الإسناد بحسبه. فإن كان تفرد الثقة، فالأصل أنه مقبول. وإن كان تفرد غير الثقة، فالأصل أنه غير مقبول. وانتبه إلى كلمة الأصل؛ لأنه قد يخرج عن الأصل باعتبارات أخرى. فمثلًا الأصل قبول رواية الثقة، ولو تفرد، فتكون روايته صحيحة، إلا إذا حصل أحد الأمور الثلاثة التي تقدمت، وهي إما أن يكون هناك من خالفه ممن هو أولى منه، فالقول قوله للأولى، إما لكثرة عددهم، أو لزيادة ثقتهم وضبطهم. أو يكون تفرده تدل القرينة أن مثله، ولو كان ثقة، ولو كان يمكن الجمع، يقتضي أن مثله لا يقاوم أن يخالف غيره، ولو كان يمكن الجمع في هذه المخالفة، لكن هناك قرينة قد تجعل بعض أهل العلم يرون أن مثل هذا التفرد، ولو كان يمكن معه الجمع، لا يستقيم معه قبول روايته. مثل مثلًا حديث التحريك في الأصبع، اختلف فيه أهل العلم؛ لأنه تفرد بذكر التحريك زائدة، وابن قدامة، وزائدة ليس في الثقة والضبط كغيره ممن روى الحديث ولم يذكر هذه الزيادة، فإنه روى السفيانان الحديث، وشعبة، وجماعة أكثر من عشرة، بضعة عشر رجلًا، وكلهم من أئمة الحديث، وأكثرهم ممن هو أضبط وأولى من زائدة بمثل هذه الرواية. فكون زائدة يتفرد بهذه الزيادة، وهي مسألة التحريك، ولم ينقلها من هو أولى منه وأكثر ملازمة وأكثر ضبطًا، هذا جعل بعض أهل العلم يرجحون كون زائدة تفرده يضر، فيكون الحديث معللًا. وأخذ بعضهم على ظاهر الحديث، كون زائدة من الثقات، وتفرده زيادة علم، فاعتبر هذا من زيادة الثقة، وزيادة الثقة مقبولة. بينما عند بعض أهل العلم الآخرين، أن هذا ليس من زيادة الثقة؛ لأن القرينة دلت أن مثل هذا المقام لا يمكن أن يتفرد مثل زائدة بمثل هذه الزيادة، لوجود من هو أولى منه برواية مثل هذه الزيادة إن وجدت، ولم يروها، فدل على أن هذه الزيادة معللة. والأمر في هذا محل نظر واجتهاد، وهو في النهاية واسع بحسب اجتهاد المجتهدين فيه. والناس فيه بين الأجر والأجرين، أي ممن هم أهل للاجتهاد. فمثلًا شيخنا مقبل رحمه الله يضعف هذه الزيادة، أي مسألة التحريك. والعلامة الألباني رحمه الله يصحح هذه الزيادة. وإذا نظرت وتمعنّت، تجد أن الشيخ الألباني رحمه الله أخذ على ظاهر هذا الأمر، وعلى الأصل. وشيخنا مقبل رحمه الله نظر إلى القرائن التي استدل بها على تعليل أو إعلال هذه الرواية. وهكذا كذلك في رواية الضعيف، قد يكون الضعيف لا يصلح للتفرد، صحيح، لكن إذا جاء ما يعضد تفرده، وهو ممن يصلح للشواهد والمتابعات، فإنه تقبل روايته. يعني أحيانًا يتفرد بلفظة، لكن معناها يثبت من أحاديث أخرى. مثل حديث الافتراق المشهور، هذا الحديث جاء في بعض ألفاظه لفظة تفرد بها أحد الضعفاء: «كلها في النار إلا واحدة». جاء في بعض ألفاظ الحديث: «أنهم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي». من تفرد بهذه الرواية، نعم، عند عبد الرحمن بن زياد بن أنعم. وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم ممن ضعف. فأخذ بعضهم على ظاهر هذا الأصل، أن هذا تفرد ضعيف، فالزياد ضعيفة. ونظر بعضهم إلى معنى هذه الزيادة، وأن معناها ثابت بنصوص أخرى وعمومات، فصحح هذه الزيادة، كما صنع بعض أهل العلم معاصرين، صحح هذه الزيادة. بينما جاءت بإسناد ضعيف، لكن صحح بماذا؟ باعتبار ما يعضد معنى هذه الزيادة. وإن شئت قلت: هذا إسناد ضعيف، ومعناه صحيح. هذا إسناد ضعيف، ومعناه صحيح. فإذن هذا هو الأصل، أي ما ذكره رحمه الله. ولكن انتبه أنه قد يخرج عن الأصل أشياء باعتبارات أخرى. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.