الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 62، الحديث المنكر . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الحديث المنكر هو ما يرويه راو ضعيف مخالفا للثقات، وقد يكون بسبب ضعف الراوي أو تفرده. وضرب مثالا بحديث أبي زكير عن هشام بن عروة في أكل البلح بالتمر.
المنكر يرتبط بالشاذ في مسمى المخالفة، حيث يشير المنكر إلى رواية ضعيف أو مستور مخالفا للمقبول، بينما الشاذ هو مخالفة ثقة أو صدوق للمقبول لمن هو أولى منه.
المنكر يرويه الضعيف مخالفا للثقات، بينما الشاذ يرويه الثقة المقبول مخالفا لمن هو أولى منه، وإن كان التفرد منكرا إذا كان الراوي واهي الحديث.
تم الانتهاء من الحديث حول موضوع المنكر والشاذ، مع الاكتفاء بما ذكر والإشارة إلى أن الله تعالى أعلم.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. والمنكر الفرد به راو غدا تعديله لا يحمل التفرد. قال الشارح رحمه الله تعالى: «الحديث المنكر» قال: «والحديث المنكر، أي: تعريفه: الحديث الفرد، أي: الذي انفرد به، أي: بروايته راو، موصوف بكونه غدا، أي: صار تعديله، أي: توثيق الغير إياه توثيقا لا يحمل، أي: لا يحتمل التفرد، يعني: لا يبلغ في العدالة والضبط مبلغ من يقبل تفرده، بل هو قاصر عن ذلك». وهذا المعنى الذي ذكره رحمه الله هو أحد معاني الحديث المنكر. فالحديث المنكر هو الحديث الذي، على ما ظهر من كلام الناظم والشارح، ما حصل فيه التفرد ممن لا يصلح أن يتفرد بمثل هذا الذي تفرد به. وهذا المعنى هو المعنى المشتهر عند الكثير من أهل الحديث من الأمة المتقدمين. فتجد معناه في كلام الإمام مسلم في مقدمة الصحيحة، وهكذا كذلك في مواضع من كلام أهل العلل. فإنهم يضعفون بعض الأحاديث، فيقولون: «هذا حديث منكر، تفرد به فلان». وهذا التفرد، كما سيأتي معنا إن شاء الله، قد يكون تفردا من ضعيف ممن لا تقبل روايته، وقد يكون ممن قد تقبل روايته أحيانا، لكنه لا يتحمل مثل هذا التفرد، فكان في هذا التفرد مخالفة فاحشة. فعند ذلك سمي منكرا، إما لنكارة لفظ الحديث، أو نكارة كذلك هذا التفرد، أو كذلك ثالثا: مخالفة من هو أولى وأوثق منه. فصار الحديث المنكر له معاني كثيرة. ولهذا بعضهم انتقد على الناظم هذا البيت، فقالوا: «هذا البيت فيه قصور». فكان الأولى أن يشير في البيت إلى معنى المنكر، على أقل الأحوال فيما اشتهر عند المتأخرين، كما ذكر الحافظ بن حجر وغيره: «أن المنكر يشمل التفرد ممن لا يصلح تفرده، وكذلك مخالفة الضعيف أو المردود الذي لا تقبل روايته لمن هو أوثق منه أو أكثر منه». ولكن أجاب بعض أهل العلم، فقالوا: «كون الناظم رحمه الله ذكر هذا المعنى من المنكر، فمن باب أولى ما كان فوقه». يعني: كونه ذكر الأقل، فالأكثر من باب أولى. وكونه ذكر الأخف، فالأشد من باب أولى. فإذا كان التفرد يعد منكرا، فكيف إذا كان هذا التفرد فيه أو فيه مخالفة لمن هو أوثق منه؟ فهذا من باب أولى أن يكون ماذا؟ أن يكون منكرا. فعلى هذا لا استدراك على الناظم، ولا حاجة للاستدراك. واضح هذا. قال رحمه الله تعالى: «مثاله حديث أبي زكير عند النسائي وابن ماجة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا: ﴿كل البلح بالتمر فإن ابن آدم إذا أكله غضب الشيطان﴾ وقال: «عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخلق» يعني: بالقديم. الجديد الذي هو ماذا؟ البلح، والخلق يعني: القديم الذي هو التمر». قال: «فإن أبا زكير لم يبلغ مرتبة من يغتفر تفرده». وإذا نظرنا في ترجمة أبي زكير، وهو يحيى بن محمد بن قيس المدني، نجد أن الحفاظ اختلفوا في ترجمته. فمنهم من ضعفه، ومنهم من وثقه، ومنهم من فصل فيه. فمن فصل فيه قال: «أخطأ في أحاديث». فقال أبو حاتم: «أخطأ في حديث البلح، روى حديثا منكرا في البلح أخطأ فيه» أو كما قال. وذكر ابن عدي رحمه الله أنه أخطأ في أربعة أحاديث. ولهذا ترجم له الحافظ ابن حجر، فقال: «صدوق يهم». إذن هو ليس ضعيفا، هو ليس ضعيفا. ومع ذلك أبو حاتم يصف هذا الحديث بأنه حديث منكر. وعلماء المصطلح يذكرون هذا الحديث، فيصفونه بأنه حديث منكر. وإذا تأملنا فيه، وجدناه أولا: ليس فيه معنى المخالفة. لم يخالفه غيره، وإنما حصل فيه التفرد. تفرد برواية حديث لم يروه غيره. وثانيا: أن هذا التفرد لم يكن من ضعيف، وإنما من من تقبل روايته. فأفاد هذا ما تقدم: أن من معاني المنكر التفرد، سواء كان التفرد من الضعيف، فهذا لا خلاف فيه أنه منكر، أو كان التفرد كذلك ممن ليس بضعيف، ولكن ليس بذاك في القوة. يعني: فيه شيء من الضعف، لكن تقبل بعض رواياته. ومع ذلك كونه تقبل بعض رواياته، وهو ليس بذاك القوة، إذا تفرد بشيء، دل ذلك التفرد على نكارة هذا الحديث. فإنه لا يتحمل أن يتفرد بحديث لأنه ليس بذاك الضبط والقوة في الرواية. وقد أشار الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه إلى هذا المعنى. وصنيع الإمام مسلم في كلامهم على هذا الحديث، وترجمتي هذا الرجل، وحكمهم على هذا الحديث بعينه بأنه منكر، يؤكد هذا المعنى. وهنا يأتي إشكال، يأتي الجواب عليه إن شاء الله: كيف يجمع بين هذا وبين قول من قال: «من جعل المنكر والشاذ شيء واحدا فقد أخطأ». فجعلوا الشاذ مخالفة المقبول لمن هو أولى منه، والمنكر مخالفة الضعيف. الجواب: أن هذا هو الأصل، لكن لا يمنع أن يكون هناك بعض الاشتراك من بعض الوجوه، كما سيأتي إن شاء الله التنبيه عليه في كلام الشارح، وكذلك كلام المعلق. قال رحمه الله تعالى: «فإن أبا زكير لم يبلغ مرتبة من يغتفر تفرده». وقوله: «من يغتفر تفرده» لا يعني أنه ضعيف، لكن ولو كانت تقبل بعض روايته كما تقدم، هو صدوق يخطئ. فليس معناه أنه يصلح أن يتفرد بحديث، فهو لا يصلح أن يتفرد بحديث. قال: «ويقابل المنكر المعروف، وهو ما خالف فيه الراجح من هو ضعيف». ويقابل المنكر المعروف، قال: «وهو ما خالف فيه الراجح، أي: من هو أوثق وأقوى، أي: من تقبل روايته من هو ضعيف». فتلك المخالفة يسمى معروفا، وذاك يسمى منكرا. وسيأتي لنا سيأتي مثال له في كلام المعلق إن شاء الله تعالى. قال: «واعلم أن الذي ينبغي اعتماده أن المنكر والشاذ يشتركان في مسمى المخالفة، ويفترقان في أن المنكر رواية ضعيف أو مستور، يعني: من قد تقبل بعض روايته بالشواهد أو المتابعات، أو كذلك إذا كان الحديث له أصل». قال: «والشاذ رواية ثقة أو صدوق، يعني: وقعت منه المخالفة، وإن شئت فقل: من تقبل روايته مخالفة المقبول لمن هو أولى منه». فحصل الاشتراك في مسمى المخالفة، وحصل الافتراق بكون هذه المخالفة ممن ترد روايته، أو من لا يتحمل التفرد، وذاك في مخالفة المقبول لمن هو أولى منه. وقد تقدم معنا أنهم أحيانا يطلقون على بعض التفرد شذوذا، فيما تقدم من الكلام على الشاذ. قال المعلق رحمه الله تعالى: «تعريفه لغة: المنكر في اللغة اسمه مفعول، فعله أنكره بمعنى جحده». عندنا: جحده، صوابه: جحده. قال: «أو لم يعرفه، وهو يقابل المعروف، اسم مفعوله، فعله عرفه، يعني: هذا اشتقاق هذه الكلمة». قال: «واصطلاحا: هو الذي فحش غلط راويه، أو كثرت غفلته، وظهر فسقه، وخالف الراوي المقبول». فقوله: «هو الذي فحش غلط راويه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه، وخالف الراوي المقبول»، هذا معنى من معاني المنكر، وهو وجود معنى المخالفة: مخالفة المردود لمن تقبل روايته. ولكن المنكر أوسع من ذلك. ولهذا لو قيل: «المنكر هو تفرد المردود، أي: مردود الرواية، أو مخالفته لمن تقبل روايته»، لكان هذا شاملا لنوعي المردود. فيدخل في المعنى الأول التفرد: تفرد الضعيف، وهو المردود، وهكذا كذلك تفرد صاحب الأغلاط والأوهام، وهو الذي قد تقبل روايته في الشواهد والمتابعات، كالصدوق الذي يهم أن يكثر الوهم فيه. وهكذا كذلك المبتدع الذي لا يتحمل تفرد مثل هذا اللفظ، خصوصا إذا وجد في اللفظ معنى منكر. ويدخل في المعنى الثاني مخالفته لمن تقبل روايته، يدخل فيه مخالفة المقبول لمن هو أولى منه على وجه فاحش. لأنه إذا لم يكن على الوجه الفاحش، فهو الشاذ. وهذا هو الأصل. وإذا كان على وجه فاحش، بأن تشتد النكارة لأمر معنوي، أو كذلك لكون هذا لا يتحمل مثل هذا التفرد، فهنا يكون منكرا. وعلى هذا يحمل ما نص عليه بعض الحفاظ فيمن قيل فيه: «أنه تقبل روايته»، ومع ذلك وصفوا حديثه في تفرده بأنه منكر. ومثاله ما تقدم في الحديث الذي مثل به الشارح. قال رحمه الله تعالى: «مثاله» ويريد بالمثال: مثال المخالفة. ما رواه ابن أبي حاتم من طريق حبيب بن حبيب، وهو أخو حمزة بن حبيب الزيات المقرئ، يعني: القارئ حمزة مشهور. وأما حبيب بن حبيب، فهو واهي الحديث، كما ذكر في ترجمته. فهو لا يتحمل التفرد، فضلا عن المخالفة. قال: «عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أقام الصلاة وآتى الزكاة وحج البيت وصام وقرى الضيف دخل الجنة»». قال أبو حاتم: «منكر، لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفا، وهو المعروف». فأفاد هذا أولا: أن هذا النوع من الحديث يسمى منكرا: مخالفة الضعيف للثقات. وأفاد ثانيا: أن ما يقابل المنكر يسمى معروفا، لأنه قال: «وهو المعروف». كما أشار إليه الشارح. وكذلك أفاد ثالثا: أن النكارة، أن النكارة قد تكون بالمخالفة، وقد تكون بغير المخالفة، جمعا بين هذا الذي ذكروه وما ذكروه في مواضع أخرى، ليس فيها مخالفة، بل مطلق التفرد. قال أبو حاتم: «نعم، قال أبو حاتم: منكر، لأن غيره من الثقات روى عن أبي إسحاق موقوفا، وهو المعروف». قال: «الفرق بينه وبين الشاذ، يعني: المنكر». قال: «المنكر مباين للشاذ، إذ المنكر هو الحديث الذي يرويه الضعيف مخالفا رواية الثقة». وهذا كما قلنا: معنى من معاني ماذا؟ المنكر، وليس هو كل أنواع المنكر. قال: «وأما الشاذ فهو الذي يرويه الثقة المقبول مخالفا لمن هو أولى منه». والقول بترادفهما بعيد، يعني: أنهما سواء. وقد نبه السيوطي على بعده بقوله في ألفيته: «والذي رأى ترادف المنكر والشاذ دناء». وقال قبله السيوطي في ألفيته: «المنكر الذي رواه غير الثقة مخالفا في نخبة حققه قابله المعروف، والذي رأى ترادف المنكر والشاذ دناء». فأفاد أولا: أن المنكر الذي رواه غير الثقة مخالفا في نخبة حققه. وإشارته إلى النخبة بقوله: «حققه»، يشير بذلك إلى قول الحافظ بن حجر في النخبة. وقد أشار الحافظ بن حجر في النخبة إلى معنيين في معنى المنكر. فأشار: أن التفرد معنى من معاني المنكر، وهو المشهور عند أهل الحديث. وأن المنكر إذا وجدت فيها مخالفة، أي: مخالفة الضعيف للثقات، هذا معنى آخر من معاني المنكر، وهو الذي عليه عمل أهل الحديث، والذي أشار إليه بقوله: «حققه»، أي: الحافظ بن حجر. فالحافظ بن حجر انتهى إلى أن المنكر هو الثاني، يعني: المشهور في اصطلاح الكثير من أهل الحديث، ويريد بذلك: المتأخرون منهم، والذي عليه العمل. فأفاد بهذا أن المنكر له معنيان، بإحالته إلى كلام الحافظ بن حجر. وفي قوله: «قابله المعروف»، أي: قابل المنكر المعروف. وفي قوله: «والذي رأى ترادفهما المنكر والشاذ دناء»، يعني: قول من قال: «إنهما مترادفان: المنكر والشاذ». فقوله: «بعيد»، وهو كما قال. قال: «وقال ابن حجر: وقد غفل من سوى بينهما»، أي: من سوى بين المنكر والشاذ. لكن كما تقدم: قد يدخل الشاذ في معنى المنكر بوجود معنى النكارة، إما المعنوية. وعلى هذا ما تقدم في الكلام على الحديث الشاذ من إطلاق بعض أهل الحديث على بعض الأحاديث أنها منكرة، ما أنها تجري على القاعدة في معنى الشاذ، فيكون معنى النكارة هنا معنويا. أو كذلك هذا النوع الخاص من مخالفة من قد تقبل روايته، إذا فحش غلطه وفحشت مخالفته، فإنه يسمى كذلك منكرا، كما تقدمت الإشارة إليه في المثال الذي مثل به حديث أبي زكير، وكذلك ما أشار إليه بعض الأئمة كالإمام مسلم في مقدمته، وغيره من أهل العلم. طيب، هذا خلاصة ما يذكر في هذا الباب، وبه نكتفي، والله تعالى أعلم.