وتعاونوا على البر والتقوى

الدرس في وتعاونوا على البر والتقوى، خطبة الجمعة بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 28 صفر 1431هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم التعاون على البر والتقوى

يتناول أهمية التعاون على البر والتقوى في الإسلام مستدلاً بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويبرز أمثلة من سيرة النبي وصحابته. التعاون على البر والتقوى سبب لقوة الأمة الإسلامية وإنجاز الأمور العظيمة.

آثار التعاون على البر والتقوى في المجتمع

التعاون على البر والتقوى سبب لحب الله تعالى، وقوة أهل الإسلام، وإقامة المشاريع العظيمة، كما أنه يعين على إزالة الخصال السيئة ويزكي النفس بالأعمال الصالحة. يُعد علامة على قوة الإيمان وصلاح صاحبه.

أهمية التعاون بين أفراد المجتمع

يُشدد على أهمية التعاون بين أفراد المجتمع لتحقيق البر والتقوى، خاصة بين الحاكم والمحكوم. يُذكر أمثلة من سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين في التعاون والتواضع للضعفاء والمساكين.

دعاء لله بالهداية والصلاح

يتضمن دعاء لله جل وعلا بأن يري الداعي الحق حقًا ويوفقه لاتباعه، وأن يصلح حال الداعي وأئمته وولاة أمور المسلمين. يدعو لله أن يوفقه لاجتناب الباطل ويصلح أحوال المسلمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعود بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وَخَيْرَ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٍ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٍ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. عباد الله، يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. إن هذه الآية العظيمة تدل على خلق من أخلاق أهل هذا الدين العظيم، وعلى خصلة من خصاله ومزايا هذا الدين العظيم، تميَّز بها أهل هذا الدين عن سائر الناس في الأرض قديمًا وحديثًا. إذ خصَّ الله عز وجل أهل هذا الدين بعدد من المزايا والخصال والصفات التي يكون بها عزهم وشرفهم ورفعتهم وقوتهم في الدنيا والآخرة. ومن تلك الخصائص والمزايا الأمر بالتعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان. فإنها من خصال هذا الدين الحميدة. لو فتشت يا عبد الله في سائر ما عند الناس في الأرض قديمًا وحديثًا لما وجدت شيئًا مثل هذا المعنى العظيم. ليس هذا فحسب، ولكنه على أمر أعظم منه، إذ أن تفاصيل هذه الخصلة الحميدة جاءت مبينة مذكورة في تفاصيل شرعنا الحكيم، مما في كتاب الله ومما في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. شيء لا يمكن للبشر أن يدركوه، وهم الضعفاء الفقراء إلى ربهم سبحانه وتعالى. فأعانهم الله عز وجل على أنفسهم، وكمل نقصهم بما شرع لهم من تفاصيل في شرعه الحكيم، يكون به القيام بهذا الأمر العظيم، فتكون به قوتهم وعزتهم ونفعهم في الدنيا وفي الآخرة. وأخرى يدرك الإنسان بعضها، ولكنه لا يستطيع بضعفه ونقصه استيعابها. فكان من حكمة الله عز وجل أن جعل في تفاصيل هذا الشرع الحكيم ما يكون به عونًا للإنسان في استكمال تلك الخصال الحميدة التي يكون فيها التعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان. وإن من تتبع سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وجد من ذلك الأمثلة العظيمة الرائعة التي لا يوجد لها نظير في تاريخ البشرية. إن دل ذلك على شيء، دل أولًا على ضرورة وجوب أن يعتني أهل الإسلام بهذا الواجب العظيم الذي أمر الله عز وجل به الأفراد والجماعات. وإذ يدل كذلك على أمر آخر عظيم، وهو أن خيرية هذه الأمة بقدر استمساكها بشرعها وبدينها وبكمال اقتدائها وإتسائها بنبيها ورسولها محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام. إن الأمر بالتعاون على البر والتقوى، عباد الله، سبب لإنجاز الأمور العظيمة التي لا يمكن للأفراد إقامتها، بل يعجز جمع من الجماعات أن يقيموها. انظروا إلى بعض تلك الأمثلة العظيمة التي وضعها ديننا، وطبقها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكانت أروع الأمثلة في تاريخ البشرية. من ذلك الأحاديث الكثيرة التي جاءت في مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار. ففي الصحيحين من حديث أنس، قيل لأنس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حلف في الإسلام»، قال: نعم، ولكنه حالف أي النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في بيتي هذا. هكذا يقول أنس رضي الله عنه أرضاه. انظروا إلى تلك المؤاخاة التي أثمرت ما أثمرت من قوة المحبة بين أهل الإسلام من المهاجرين والأنصار، حتى كان ما كان من الأمثلة العظيمة الرائعة التي لا يوجد لها نظير في تاريخ البشرية. ومن ذلك ما وقع بين سعد بن أبي وقاص وهكذا سعد بن الربيع، أخى بينهم النبي صلى الله عليه وسلم، حتى قال الأنصاري للمهاجري: هذا مالي أقسمه بيني وبينك، وهذا بيتي وهؤلاء نسائي. فقال: بارك الله لك في مالك وبيتك وأهلك، ولكن دلني على السوق. حب وتضحية كان بتطبيق هذا المعنى العظيم من التعاون على البر والتقوى. وفي حديث أبي سعيد في الصحيح، يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوم المسلم بأخيه المسلم، فمن كان له فضل مال أعطى من فضل ماله، ومن كان له فضل زاد أعطى من فضل زاده، ومن كان له فضل راحلة أعطى من فضل راحلته. حتى قال أبو سعيد رضي الله عنه أرضاه: حتى ظننا أنه ليس لأحدنا حق فيما جعل الله جل وعلا تحت يده. يعني فيما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم من البذل والتعاون على الخير مع إخوانهم. وجاء عند الطبراني وغيره بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أرضاه، أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحب الناس إلى الله؟ وما أحب الأعمال إلى الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا». ولئن أغدو في إعانة أخ أو قضاء حاجة أخ أحب إلي من أن أعتكف في مسجدي هذا شهرًا. حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في مواضع من كتبه. انظر إلى هذا الحديث العظيم، وغيره من الأدلة الكثيرة التي تدل على هذا المعنى العام، وبتفاصيل متنوعة فيما يجب أن يكون بين أهل الإسلام من التعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان. ومن ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومن نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة». إن التعاون على البر والتقوى، عباد الله، سبب لحب الله سبحانه وتعالى لك، وسبب للوصول إلى الدرجات العلية في الدنيا والآخرة، وسبب لقوة أهل الإسلام، وسبب لإقامة المشاريع العظيمة والخصال الصعبة التي لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا, وإن التعاون على البر والتقوى، عباد الله، علامة من علامات قوة الإيمان وصلاح صاحبه في إسلامه وصدقه في إيمانه. فكلما كان المؤمن أكثر تعاونًا على البر والتقوى، كان ذلك من البراهين التي تدل على صدق إيمانه وإسلامه. بل إن التعاون على البر والتقوى يعين على إزالة الكثير من الخصال السيئة التي توجد في ظواهر أجسادنا وبواطنها. فإن الحسد والغل وغير ذلك من الخصال السيئة الذميمة، إن مما يعين على إزالتها أن يستعين المسلم بالله سبحانه وتعالى، ويقوم بالأعمال النافعة من التعاون على البر والتقوى، فيكبت بذلك نفسه الأمارة بالسوء التي تأمره بالشح والبخل والحسد، وتأمره كذلك بالغل وغير ذلك من الخصال الذميمة. فكلما استعان بالله عز وجل، واستكثر من خصال التعاون على البر والتقوى، فإنه بذلك يروض نفسه الأمارة بالسوء على الأعمال الخير والبر، فيهذبها ويزكيها. وقد قال الله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. أفلح من زكاها بالأعمال الصالحة والأخلاق الحميدة، أفلح من زكاها بالعلم النافع والعمل الصالح، وخاب من دنسها ودساها بالأعمال السيئة وبالجهل والطيش وبحب النفس وبالعجب والغرور وبالاستئثار عن الناس وحب الخير للنفس، وغير ذلك من معاني السوء. وهكذا كذلك، عباد الله، إن من ثمرات ومعاني التعاون على البر والتقوى، أن الله جل وعلا جعل ذلك من أعظم الواجبات التي أمر الله عز وجل بها، فتحقيقها تحقيق لخصال الدين، ومرضاة لرب العالمين، واقتداء بسنة نبينا سيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وهكذا كذلك، عباد الله، إن الأمر بالتعاون على البر والتقوى لا يقتصر على الأمور العامة، بل كذلك حتى في الأمور الخاصة. ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يكون في شؤون أهله، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة. ومعناه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعين أهل بيته على شؤونهم وأمورهم. فليس التعاون على البر والتقوى يقتصر على أعمال البر العامة، وكذلك على نفع الآخرين من غير أهل البيت، بل أهل بيتك وأقرب الناس إليك هم أحق من تعينهم على البر والتقوى. فقد صح من نبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة كذلك رضي الله عنها أنه قال عليه الصلاة والسلام: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». ليس بعيب ولا نقص، أخي المسلم، أن تعين أهلك أهل بيتك في شؤونهم، أن تدخل في المطبخ أو أن تقوم ببعض حاجاتهم داخل المنزل أو خارجه. فإنه كان من خلق نبينا عليه الصلاة والسلام. بل قال عليه الصلاة والسلام كما سمعت: ما يدل أن خيريتك في هذا الدين تكمن بخيريتك مع أهلك. وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه بالصحيحين، حين غضب فسب غلامًا فأيره بأمه، فغضب عليه النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «إنكم قوم فيكم جاهلية». ووعظه وذكرته، ثم كان مما قال له: أنه أي إن كان له غلام، قال: غلمانكم أو قال: خدمكم خوالكم. فمن كان غلامه تحت يده، فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس. فكان لا يرى أبو ذر رضي الله عنه أرضاه إلا وعليه حلّة وعلى غلامه حلّة مثل حلّته. فيتعجب الناس فيسألونه عن ذلك، فيذكر لهم حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ما أجمل، أخي المسلم، أن تلين بجانبك إلى الضعفاء وإلى الفقراء وإلى ذوي الحاجة، فتنزل من علوك الحسي والمعنوي إلى ذلك الوطاء الذي يكون به رفعتك بالدنيا والآخرة. فإنه ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله سبحانه وتعالى. ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله سبحانه وتعالى. يرفعك الله بالدنيا بما يكون من صدقك في لين جانبك لإخوانك وضعفة المسلمين، كما كان نبيك وحبيبك ورسولك محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكما كان الصالحون ممن سبقك من الصديقين والشهداء والصالحين، الذين ساروا في مجرى هذا التاريخ، وفي سير أهل هذا الدين العظيم، فضربوا أمثل الأروعة أمثل أروع الأمثلة في تلك المواقف الجميلة الصادقة الصافية التي فيها لين الجانب والتواضع للآخرين من أهل الضعف. كم سمعتم وسمعنا من سيرة أبي بكر رضي الله عنه، ولين جانبه وإعانته للضعفاء، كان يتفقد أبيات الضعفاء والفقراء في المدينة، حتى لما مات شعر الناس ولم يشعروا قبل أن إعانتهم كانت من أميرهم وولي أمرهم. يطوف عليهم فيعين عجوزًا أو يكسي يتيما أو يقوم بمساكين، بل يعجن لمن يحتاج إلى أن يُعجن له. حتى قال عمر رضي الله عنه: أَتْعَبْتَ بَعْدَكَ الْأُمَرَاءَ يَا أَبَا بَكْرٍ. يعني حين مات، وعلموا ما كان يصنع في الغيب فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى. وكم سمعتم وقرأتم من سيرة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، مما ضرب لتاريخ هذه الأمة أروع الأمثلة في أمير يقوم برعيته أفضل قيام، فيتفقد ذلك في أعز أوقاته وأهم كذلك وأهم فترات حياته. يتفقد أحوال المسلمين فيجبر مكسورهم ويعين ضعيفهم ويقوم بحوائجهم، حتى قال رضي الله عنه وأرضاه: لو أن بغلة في الشام تعثرت لخشيت أن أحاسب عليها. أين هذا بالله عليكم، ومثله الكثير عند أهل الكفر والشرك والنفاق؟ لتعلموا عباد الله أن خصال هذا الدين العظيم، متحققها أهلها، كان بذلك عزهم وقوة قوتهم في الدنيا وفي الآخرة، وكانت لهم الذكر الحسن والثواب الجميل في عاجل أمرهم قبل آجله. وهكذا كذلك، عباد الله، من التعاون على البر والتقوى، التعاون بين الأمير والمأمور، بين الحاكم والمحكوم. فإن قيام هذا المجتمع لا يتصر على التعاون في مثل هذه الأمور، بل إنه يعظم كلما عظم الأمر. فما بالكم بشعوب تأتيها من القضايا المهمة والفتن المدلهمة، ما يحتاج إلى تعاون عظيم بين الحاكم والمحكوم؟ هذا بلين جانبه، وهذا بحسن ظنه، هذا بأمره بالخير، وهذا بجمع الناس على الخير. الكل يتعاون في الحفاظ على هذا المجتمع، أن تدور دائرته على الخير والبر والتقوى، وأن يسير سيره على ما يحبه الله ويرضاه. لا تقضى الأمور بالطيش، ولا تقضى بالعنف، ولا تقضى كذلك بالعشوائية، ولكنها تقضى بالتعاون على البر والتقوى، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح لكل مسلم، بوفق الضوابط الشرعية الصحيحة، بوفق ما علمنا من ديننا في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ففي أحكام ديننا وتفاصيل شرعنا ما يغنينا عن أن نلتفت لإغراءات ودعايات شرقية وغربية تفسد علينا مجتمعاتنا وتخرب علينا أمننا. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجنبنا ما يبغضه ويأبى، وأن يجعلنا ممن يستمع القول ويتبع أحسنه. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، بعد إذ سمعنا ما سمعنا، فلنعلم عباد الله أن الواجب على كل مسلم أن يحقق ما يستطيع تحقيقه من التعاون على البر والتقوى، بحسب استطاعته وقدرته، في مجالات كثيرة لا تعد ولا تحصى. منها ما علمها من نصوص شرعنا، ومنها ما يسمع بها من نصائح علمائنا، مما يكون مقرؤًا أو مسموعًا أو غير ذلك. وهكذا كذلك المسلم الفطن اللبيب يقيس على ما علم بغيره مما لا يعلم، من الأشباه والنظائر الكثيرة التي لا تعد ولا تستطاع حصرها. فإن الشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. فما كان من معنى من المعاني الطيبة الحسنة، سواء نص عليه الشرع أو لم ينص، فهو من البر والتقوى الذي أمرنا بالتعاون عليه وفيه. وما كان من معنى خبيث ذميم، فهو من الإثم والعدوان الذي نهينا عنه، سواء بلغك النص فيه أو لم يبلغك. فإن الطيبة يلحق بالطيب، والخبيث يلحق بالخبيث. ومن صفات نبينا صلى الله عليه وسلم الذي ذكر في كتابنا وفي كتاب الأمم قبلنا، أنه يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث. فإذا كان كذلك، فلا ينبغي أن تضغى علينا العواطف، فيكون التحليل والتحريم بمستوجب ما تسمع، أو بمستوجب ما كان عليه الناس ولو كانوا كفرة. فتغطي ما علمت وما استيقنت من أنه من البر والتقوى، أو أنه من الإثم والعدوان. فإن ذلك من الخيانة لله ولرسوله ولدينه وشرعه. وقد أمرت بالأمانة في ذلك. أمرك الله جل وعلا بالأمانة فيما استأمنك الله جل وعلا من طاعته وطاعة رسوله، والاستجابة لدينه وشرعه. وهل معنى قولك، أخي المسلم: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا، إلا رضاء يقتضي متابعة ما علمت، ولو خالف شهوة نفسك، ولو خالف هوى نفسك، ولو خالف أهل الأرض جميعًا؟ فإن الحق لا يعرف بالكثرة، ولا يميز بالعواطف، ولا يتوصل إليه بالجهل، ولكنه بالعلم والاتباع. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه. اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ذلك لنا صلاحًا في دنيانا وأخرتنا. إنك ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.