النصر لهذا الدين 5 صفر 1428هـ

الدرس في النصر لهذا الدين 5 صفر 1428هـ، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وعد الله تعالى بنصر دين الإسلام

يؤكد الشيخ على وعد الله تعالى بنصر دين الإسلام مستدلاً بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وأن النصر مرتبط بإيمان وعمل المؤمنين الصالح. يشير إلى أن الله سينصر رسله والمؤمنين في الدنيا والآخرة.

بشائر النصر لدين الإسلام في آخر الزمان

يبشر النبي صلى الله عليه وسلم ببشائر منها خلافة راشدة ونصر أهل الإسلام على اليهود والروم وقتل المسيح الدجال. يرجع الناس إلى دين الله أفواجًا ويدخل الكثير من الكفار في الإسلام في آخر الزمان.

أسباب النصر والتمكين في الإسلام

يشرح المقطع أسباب النصر والتمكين، مشيرًا إلى أهمية الاستمساك بدين الله والتفقه فيه والدعوة إليه والصبر. ويبين أن النصر يكون بالإيمان والعمل الصالح والاستجابة لأمر الله ورسوله وليس بكثرة العدد والعتاد.

تأكيد أهمية الفقه في الدين للنصر

يؤكد على أن الفقه في الدين من أسباب النصر والظفر، ونسأل الله أن يبصرنا بأمور شرعنا ويوفقنا لاتباع أحسن الأقوال.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن الله جل وعلا قد أخبر، وخبره الحق سبحانه وتعالى، أخبر أن النصر لهذا الدين، فهو القائل في كتابه الكريم سبحانه وتعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. يخبرنا ربنا جل وعلا، وهو من وصف نفسه سبحانه بأنه أصدق حديثًا وأصدق قيلًا جل وعلا، يخبرنا أن النصر والتمكين يكون بإذنه سبحانه وتعالى لهذا الدين. وإن البشائر بنصرة هذا الدين العظيم كثيرة متوافرة بالأدلة الشرعية النقلية، وهكذا كذلك بما تقتضيه القوانين العقلية الصحيحة، وبما ترشد إليه الفطر السليمة. فإن أدلة الكتاب والسنة، وأدلة العقل، كل ذلك يبشر بنصرة هذا الدين العظيم. فإن بشائر نصرة هذا الدين العظيم كثيرة في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي غيرها من الأدلة بالمعقول، ما يؤيد ويؤكد نصرة هذا الدين العظيم. وكان ذلك، عباد الله، لأجل أن ما وقع وما يقع وما يراه أهل الإسلام من تسلط الكفار شرقًا وغربًا، ومن كذلك ظهور الضعف والهوان عند بعض طوائف أهل الإسلام، ما قد يفضي في قلوب بعض من ينتسب إلى هذا الدين من اليأس والقنوط والشعور بالهزيمة، مما له أثره الظاهر في الفرد والمجتمع، وما يكون له كذلك من أثر في سير هذه الدعوة المباركة. ولهذا كان لزامًا التذكير بهذا المعنى الذي به يستيقن المؤمن بحقيقة هذا المعنى العظيم الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. فما أكثر أدلة الكتاب والسنة التي تخبر بأن النصر بإذن الله تعالى لأهل هذا الدين. فقد أخبرنا الله جل وعلا في آيات كثيرة بقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، وبالآية الأخرى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزى»، فقالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: يا رسول الله، إن كنت لأظن بعد إذ أنزل الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، أن الله مُتم ذلك. قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم مجيبًا لسؤالها رضي الله عنها وأرضاها: «أما إن ذلك يا عائشة سيكون، يصدق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن ذلك سيكون»، قال: «أما إن ذلك يا عائشة سيكون، ما شاء الله أن يكون، ثم إن الله جل وعلا يرسل ريحًا طيبة تأخذ نفسًا أو روح كل مؤمن، حتى لا يبقى على الأرض إلا شرار الخلق، فيرجعون إلى دين آبائهم، فعليهم تقوم الساعة». وبهذا نعرف، عباد الله، معنى النصر، وأن النصر والظفر لهذا الدين سيكون بإذن الله تعالى، كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿فَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ويقول الله جل وعلا في كتابه الكريم مبينًا هذا المعنى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾. أولئك، عباد الله، هم الذين تكون لهم الحياة الطيبة، تكون لهم كذلك معاني النصر والظفر والتأييد والتمكين في هذه الأرض. والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾، ويقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. والله جل وعلا يقول: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وهكذا كذلك يضرب الله جل وعلا لنا مثلًا في قوم يقاتلون في سبيل الله، وآخرون كفروا، كانوا ضعفين، ومع ذلك نصر الله الذين يقاتلون في سبيل الله على الذين كانوا من الكافرين، ويجعل ذلك سببًا للاعتبار لمن كان من أولي الأبصار. وهذه سنة الله جل وعلا ماضية، ولا يغرنكم، عباد الله، ما يكون من الغلب وما يكون من التنكيل لبعض الكافرين في وقت من الأوقات. فسنة الله جل وعلا ماضية، وهو القائل سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. فإذا كانت الأيام دول بين الناس، البر والفاجر، والمسلم والكافر، فكيف بمن وعده الله جل وعلا بالنصر والتمكين؟ كيف بمن وعده الله بالنصر والتمكين بالأدلة الكثيرة من الكتاب، ومن صحيح سنة النبي عليه الصلاة والسلام؟ وقد جاء في مسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم بإسناد صحيح عن تميم رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لن تَملِكُوا هَذَا الْأَمْرَ -أَوْ قَالَ: لِيَبْلُغَنَّ هَذَا الدِّينُ- مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، حَتَّى لَا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ». إن نبينا عليه الصلاة والسلام إذ يخبر ويبشر بهذه البشائر، ما يبشر بذلك إلا ليعمل أهل الإسلام بأسباب الوصول إلى هذه البشائر التي أمر الله بها بكتابه، وأمر بها رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسنته. بل صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما جاء عند الطيالسي بإسناد حسن عن حذيفة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أنه قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديثه: «إنه سيكون فيكم النبوة ما شاء الله أن يكون، ثم يكون ملكًا عاضًا ما شاء الله أن يكون، ثم يكون ملكًا جبرية ما شاء الله أن يكون، ثم تكون خلافة راشدة على منهاج النبوة». ثم تكون خلافة راشدة على منهاج النبوة. فقسم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تاريخ هذه الأرض: أنه يكون على هذه المراحل الأربع. المرحلة الأولى وهي ما كان من أمر النبوة، وهو ما كان على عهده عليه الصلاة والسلام، ثم ما يكون بعد ذلك من الملك العام، ثم ما يكون بعد ذلك من الملك الجبري، ثم ما يكون في آخر الأمر، وهو من خلافة راشدة على منهاج النبوة. هكذا يخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أنه: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل أهل الإسلام اليهود، فيخبر كل شجر وحجر بما خلفه من يهود، فيقول الشجر والحجر: يا مسلم، هذا يهودي خلفي فاقتله»، قال: «إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود». وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، يخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن أهل الإسلام سيقاتلون الروم -وهم النصارى- سيقاتلون الروم -وهم النصارى- في آخر الزمان، حتى ينتصروا عليهم، فيقتلونهم ويغنمون منهم. قال: «حتى إذا كانوا كذلك، إذا بهم يخبرون بأن الدجال المسيح الدجال قد خلفهم في أهاليهم وذراريهم»، قال: «فيرجعون، فلا يجدونه، ثم يجدونه في الشام، فإذا جاءوا ليقاتلونه، إذا بالمسيح عيسى عليه السلام ينزل في أرض الشام»، قال: «فيصلون معه -يعني مع ما يكون كما جاء في الأحاديث الأخرى مع المهدي الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: فيصلون معه»، قال: «فيصلط الله المسيح عيسى على الدجال فيقتله». هكذا جاء معناه في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وما أكثر الأحاديث التي فيها البشائر بنصر هذا الدين في آخر الزمان. وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «يخرج من عدن أبيا ثمانية عشر ألفًا، ينصرون الله ورسوله، هم خير ما بيني وبينهم». ويقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما جاء في زوائد مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله جل وعلا سينصر أهل الإسلام -أي في آخر الزمان- حتى يمكنهم -أي من بلاد الكفر- ويغنمون»، قال: «فمن ابتغى بالآخرة الدنيا، فإنه يلقى الله وليس له من عمله نصيب -أو كما قال عليه الصلاة والسلام-». فهذه بشارة أخرى بأن الله جل وعلا ينصر أهل هذا الدين في آخر الزمان. وما أكثر الأدلة من الكتاب والسنة التي تبشر بذلك. وما حديث ذكر الدجال وما يكون من نصر أهل الإسلام عليه، وما حديث ذكر المهدي المنتظر وما يكون من نصرة أهل الإسلام معه، إلا شاهدة ومؤيدة ومؤكدة لهذا المعنى الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. وها نحن، عباد الله، نرى في مشارق الأرض ومغاربها إفلاس القوانين الشرقية والغربية على القيام بما تحتاجه شعوبها من الحاجات النفسية، وما تقتضيه الأفطرة السليمة المستقيمة. فصار أناس يطلبون السعادة بسائر الوسائل، فلا يجدون معنى السعادة. هدوا عنها في المال فما وجدوها، هدوا عنها في الشهوة فما وجدوها، هدوا عنها بما كان من الرقي المادي والحضارة المادية فما وجدوها. وجدوا أنفسهم في فراغ، ووجدوا أنفسهم في غاية من التعب والنصب، إذ لم يجدوا معنى الحياة الطيبة. حتى نسمع قريبًا وبعيدًا، وقليلًا وكثيرًا، ما يكون من أحوال أولئك القوم مما يفعلونه بأنفسهم: انتحارات متتابعة، وتنقل متتابع في أصناف الأديان. وما ذلك إلا أنهم يبحثون عن السعادة. ولهذا وجد الكثير منهم معنى السعادة حين دخلوا في دين الإسلام، فصار العقلاء منهم ينادون أممهم بأن يستمسكوا بما في دين الله جل وعلا، وهو دين الإسلام، لما علموا من معنى الحياة الطيبة التي تكون فيما أنزل الله جل وعلا في هذا الدين. وهذا كذلك، عباد الله، إن هذا الدين فيه ما يوافق الفطرة الصحيحة السليمة، فيما تحتاجه في الدنيا، وما يكون له به أحياؤها الطيبة في العاجل قبل الآجل. فما من عاقل يتأمل يتأمل أحكام هذا الدين، صغيرها وكبيرًا، إلا ويجد فيه مما تكون به الحياة الطيبة، لو كان يعقل. ولكن أكثر الناس لا يعقلون. ولهذا، عباد الله، فإنا نرى بحمد الله جل وعلا، نرى بفضل الله جل وعلا ومنته، هذا الرجوع العظيم في بلاد الإسلام إلى هذا الدين. يرجع الناس أفرادًا وجماعات للاستمساك بدين الله سبحانه وتعالى، مما لم يكن يعهده الناس في تاريخهم القريب، فضلًا عن البعيد. فإن دولًا كثيرة وبلادًا متنوعة، يرون عودة عظيمة من الشباب الذكور والإناث، ومن الشيوخ الكبار وغيرهم، يرجعون إلى دين الله عز وجل أفواجًا. وما ذلك إلا من بشائر النصر. بل أعظم ذلك، عباد الله، أننا نرى أن ظاهرة دخول الكثير من الكفار إلى دين الإسلام، كان في هذا العصر ما لم يكن له نظير في العصور المتقدمة. فإنه يسلم في اليوم الواحد في البلد، فضلًا عن بلاد كثيرة، العشرات يسلموا في اليوم الواحد في بلد من بلاد الكفر، العشرات، فضلًا عما يكون في بلاد أخرى كثيرة. بغض النظر أن هؤلاء يحتاجون إلى توجيه وإلى تعليم، وإن ذلك بإذن الله تعالى سيكون. لكن لأجل أن نعلم أن بشائر النصر قادمة بإذن الله سبحانه وتعالى، قادمة بإذن الله سبحانه وتعالى، ولا نيأس ولا نقنط من روح الله. إنه ليأس من روح الله إلا القوم الكافرون. فإن قال قائل: إن كان النصر والتمكين لأهل الإسلام، فما لنا نرى تسلط الكافرين على أهل الإسلام في هذا الوقت؟ فما لنا نرى ذلك؟ فكما سبق أن قلنا: إن الله جل وعلا له سنة ماضية بأن جعل هذه الأيام دول بين الناس، وله حكمة بالغة سبحانه وتعالى فيما يكون من الظفر للكفار على أهل الإسلام. لو لم يكن إلا، عباد الله، أن يتوب أهل الإسلام ويرجعوا إلى دينهم، ويعلموا أن ما أصابهم إنما أصابهم بذنوبهم ومعاصيهم، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وكما قال سبحانه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، وكما قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. ويعفو عن كثير. وهكذا كذلك في ذلك حكمة أخرى، وهو أن الله جل وعلا يعجل طيباتهم في هذه الحياة الدنيا، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وكما قال سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾. ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها، فأولئك كان سعيهم مشكورًا. ﴿كِلَا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾. ومن حكمة ذلك، عباد الله، كذلك أن الله جل وعلا يجمعهم ويؤلف بينهم وينم شملهم، حتى إذا جمعوا واجتمعوا، استأصلهم الله جل وعلا من أصولهم، فسهل عند ذلك استئصالهم، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. مع غير ذلك من الحكم الكثيرة التي تكون في ذلك. نسأل الله جل وعلا أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، بعد إذ علمنا أن بشائر النصر لهذا الدين متحققة بنصوص الكتاب والسنة، وبما تقتضيه الأدلة العقلية والنقلية، فينبغي أن نعلم أن هذا النصر له أسباب: أسباب شرعية، وأخرى حسية كونية. وقد أمرنا الله جل وعلا بتحصيل هذه الأسباب. فإن النصر لا يكون إلا بأسبابه. وقد أخذ نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأسباب النصر، فنصره الله سبحانه وتعالى. وأول هذه الأسباب، عباد الله، هو الاستمساك بدين الله جل وعلا. الاستمساك بدين الله جل وعلا. فإن ذلك من أعظم الأسباب، بل الأسباب كلها مفتقرة إلى هذا السبب العظيم. فإن الناس لا ينصرون بكثرة عددهم وعدتهم، بقدر ما ينصرون باستمساكهم بدين الله جل وعلا. انظروا كيف نصر الله قوم موسى عليه الصلاة والسلام، وكانوا في غاية من الضعف والخوف والهوان، وقلة العدد والعدة. ومع ذلك نصرهم الله جل وعلا على فرعون وقومه، وهم في غاية من الجبروت والقوة. ولكن ذلك أمر الله سبحانه. وهكذا انظروا كيف نصر الله سبحانه وتعالى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن معه من الصحابة رضي الله عنهم، وهم كانوا قبل ذلك من أضعف أهل الأرض، ومن أقلهم عددًا وعدة. مع ما كان من قوة الأعداء في مشارق الأرض ومغاربها. بل نصر الله أهل الإسلام في أول هذا الدين، في أول عهد أهل هذا الدين على أكبر دولتين من دول هذه الدنيا قوة وعدة، وهم فارس والروم. كانوا غاية في القوة، وغاية كذلك في الرقي والعدة. ومع ذلك نصر الله عز وجل أهل الإسلام على تلك القوتين، حتى أباد أهل الإسلام تلك الحضارتين في المشرق والمغرب. ومع ذلك انظروا، رحمكم الله، كيف أن أهل الإسلام بلغوا في زمن من الزمان مبلغًا علميًا وحضاريًا ورقيًا ماديًا، فاقوا به أهل الحضارات في زمن من الأزمان. وذلك ما كان في آخر زمن بني العباس. كانوا غاية في الحضارة، وغاية في الرقي والمعرفة، حتى ضرب بهم المثل، وصارت كتبهم هي المقدمة، وصارت علومهم هي الأول من العلوم في الأرض. ومع ذلك لم تغن عنهم ذلك شيئًا، إذ لم يستمسكوا بدين الله سبحانه. فجاءهم التتار، وهم أمة من الأمم غاية في الجهل بالمعارف، وبذلك العلوم المادية. ومع ذلك صلوهم الله على أهل الإسلام. وما ذلك إلا لأجل أن يعقل الناس ويعلموا أن حقيقة النصر إنما هو بالاستمساك بهذا الدين. فإذا علمنا ذلك، فلنعلم أن من أوائل أسباب النصر هو التفقه في دين الله سبحانه. أن يتفقه الناس، وأن يتعلم الناس دين الله سبحانه وتعالى بحق، فينهلوا من المنهل الصافي الذي نهل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم. وبذلك يكون النصر، عباد الله. وهكذا كذلك إذا فعلوا ذلك، فإنهم يعملون بهذا العلم الذي علموه. فمتى عملوا بهذا العلم، فإن الله جل وعلا ينصرهم بصدقهم واستجابتهم لله وللرسول. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾. فإن الحياة تكون بالاستجابة لأمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، والموت والهوان والهزيمة تكون بعدم الاستجابة لله وللرسول. وهكذا ثالثًا: أن ندعو إلى هذا العلم والعمل، أن ندعو إلى هذا العلم والعمل أفرادًا ومجتمعات، رعاة ومرعيين. ندعو جميعًا إلى العلم والعمل الذي علمنا من دين الله سبحانه وتعالى. ومنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإذا وعينا ذلك، مكننا الله سبحانه وتعالى. وإذا لم نفعل ذلك، جعل الله لنا الذلة والصغار، كما جاء ذلك في أدلة الكتاب والسنة. ورابعًا: أن نصبر على العلم وعلى العمل، وعلى كذلك الدعوة، كما قال الله سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. فإذا كان ذلك، فإنه بإذن الله سيكون النصر. وقد جاء بالصحيحين وغيرهما عن عدد من الصحابة يبلغون أكثر من عشرين صحابيًا، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». وفي رواية: زاد فيه: «ومن يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». ودل ذلك أن من أعظم أسباب الظفر والنصر: الفقه في الدين. نسأل الله جل وعلا أن يبصرنا بأمور شرعنا، وأن يفقهنا بأمور ديننا وأحكامه، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.