المرئيات وإفساد البيوت

الدرس في المرئيات وإفساد البيوت، خطبة في مسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 15 ربيع ثاني 1430هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وجوب وقاية النفس من النار وتحذير الأهل

يأمرنا الله تعالى بوقاية أنفسنا وأهلينا من النار بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. يجب على المسلم أن يزن الأمور بميزان الشرع ويفرق بين الحق والباطل.

أخطار وسائل الإعلام على المجتمع

وسائل الإعلام تنشر المفاهيم المنحرفة والكفر الصريح وتؤثر سلبًا على الأخلاق والدين. يجب الحفاظ على الدين والأسر من هذه الشرور.

تحذير من مخاطر الأجهزة الحديثة

الأجهزة الحديثة والقنوات الفضائية تنشر الشبهات والشهوات وتفسد العقائد. يجب الحفاظ على سلامة القلب والدين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. يأمرنا ربنا جل وعلا أن نقي أنفسنا، وكذا أن نقي أهلنا نارا وقودها الناس والحجارة. نار وقودها الناس والحجارة، يا عباد الله، الناس على كثرتهم هم وقود تلكم النار التي فضلت على نار الدنيا بسبعين ضعف. قال الصحابة: يا رسول الله، إن كانت نار الدنيا لتأكل الحديد وتذيب الجبال، ويكون منها ما يكون من آثار حرها وسمومها، ومع ذلك فإن نار الآخرة فضلت عليها بسبعين جزءا. ومع ذلك، فإن هذه النار وقودها الناس والحجارة، يحذرنا ربنا جل وعلا أن نكون من حطبها. قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة. فأنت يا مسلم مأمور أن تقي نفسك هذه النار بوقاية كل سبب يوصل إليها، بامتثال أمر الله جل وعلا واجتناب نهيه. وهكذا، أنت مأمور يا عبد الله أن تقي أهلك من هذه النار، بأن تمنعهم من موجبات غضب الله جل وعلا وأسباب سخطه. فإنك إن فرطت في ذلك، كان سببا لدخولك النار ودخولهم كذلك النار. وقال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها... ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». فاحذر يا عبد الله أن تفرط في هذه الأمانة التي حملتها، والتي تسأل عنها يوم القيامة. أمانة تتعلق بنفسك، وأمانة تتعلق برعيتك، وأول رعيتك ممن تسأل عنهم يا عبد الله هم خاصة أهل بيتك. فإنك تسأل عنهم. وإن مما كان سببا في دخول الشرور الكثيرة على المسلمين في هذا الزمان، أجهزة الإعلام المرئية التي أدخلت على المسلمين شرورا عظيمة وكثيرة. وسائل الإعلام المرئية، يا عباد الله، المتمثلة بأجهزة التلفاز أو الدشوش وما كان بمعناها، من أعظم أسباب إدخال الشرور على المسلمين على الفرد والمجتمع. ومن أعظم ما ينبغي أن يحذر منه المسلم، أنك يا عبد الله إذا علمت أنك مسلم، أمرت أن تستسلم لدين الله جل وعلا، دين الإسلام، بما علمت من أوامره مما في كتاب الله وما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجب عليك عند ذلك أن تزن كل ما يعرض عليك في مجتمعك بهذا الميزان العظيم الذي تميز به بين الحق والباطل والهدى والضلال والصواب والخطأ. ليس صوابك هو صواب الناس، إن قالوا صواب فهو صواب، وإن قالوا خطأ فهو خطأ. إن أحسنوا أحسنت معهم، وإن أساءوا أسأت معهم. فليس هذا هو الميزان والمعيار الذي يعرف به الصواب من الخطأ، ولا الظلال من الهدى. ولكنك تعرف يا مسلم بما علمت من دين الله جل وعلا، مما في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مع ما وضع الله عز وجل لك من شواهد الحق وبراهين العقل فيما جعل في فطرتك التي فطرك الله عز وجل عليها. فتميز في قرارة نفسك بين الحق من الباطل، وبين الهدى من الضلال، وبين الصواب من الخطأ. فكم من إنسان يرى بأم عينه ويستحضر ببصيرة قلبه نكارة ما يراه عليه الأكثرون في مجتمعه، ولكنه يشق عليه الخروج من تلك العوائد والتقاليد وتلك الأعراف والقيود التي يعيشها الكثير من الناس. فصار يخشى ملامة الناس ويخشى إنكارهم والشذوذ فيهم، ولو على حساب دينه، ولو على حساب فطرته، ولو على حساب دخول الضر عليه وعلى أسرته. فإن الكثير من الناس قد استيقن فساد هذه الأجهزة والشراء والشرور الكثيرة التي تدخلها على الفرد والمجتمع. ولو قدر أن فيها مصلحة أو أن فيها مقصدا بعيدا عن تلك الإساءات وتلك الانحرافات، فإنه مغمور مع تلك الشرور الكثيرة والمفاسد المتنوعة التي تضر بالمسلم في عاجل أمره وآجله. إنه لا يخفى علينا، عباد الله، أولا، أن الحق لا يعرف بكثرة القائلين به، ولا كذلك بكثرة الفاعلين له. ولكن الحق يعرف بدليله وبرهانه، وموافقته للموازين الصحيحة التي يعرف بها الحق. والله عز وجل يقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. والله سبحانه يقول في كتابه الكريم: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. فأنت تعلم، وقد استقر ذلك في معرفتك الدينية، ولو كانت يسيرة، وفي قرارة فطرتك، ولو كانت قد شابها ما شابها، أن الحق لا يعرف بالكثرة، ولا يميز بكثرة القائلين والفاعلين له. ولكنه يعرف بقوة برهانه وصحة دليله، ولو كان القائل به والفاعل له رجل واحد في هذا المجتمع الكثير. فإذا علمت ذلك، فانظر ما هو المانع لك بعد إذ علمت أن ذلك هو الحق الذي يجب المصير إليه؟ ما هو الذي يمنعك من أن تصدع بهذا الحق، وأن تجهر به، وأن تعمل به، ولو خالفك من خالفك بهذا المجتمع؟ فإنك لو تأملت في هذه القضية، قضية خطيرة وعظيمة، تكلم فيها الكفار على كفرهم وعلى كثرة الفساد والانحراف فيهم. إلا أنهم رأوا أن الخطر الكامن في هذه الأجهزة أعظم وأكبر من تلك الأخطار والشرور التي يعيشونها في واقع حياتهم. فإن أدخلت عليهم من المعاني المنحرفة التي تضر بالفرد والمجتمع الشيء الكثير، وهم كفار، ومع ذلك ألفوا في ذلك البحوث الكثيرة، وكتبوا في ذلك الكتابات المتنوعة، وقدموا في ذلك المطالبات المتتابعة لدولهم ولمجتمعاتهم ولجهات الاختصاص في بلدانهم، يطالبون بإبعاد هذا الشر عن مجتمعاتهم. فإن لم يكن، فإنهم يطالبون بحصره، وكذلك التضييق عليه، خصوصا ما يثمره مع النساء والأطفال والقصر من سفهاء الرجال. فإن له آثارا سيئة كثيرة، خصوصا مع انفلات هذه الأجهزة على تنوع صور ما يعرض فيها. فإنها انفلتت انفلاتا عظيما لم يرض به فاجر، فضلا عن بر، ولم يقنع به كافر، فضلا عن مسلم، حتى صار محلا لسب من الجميع. فكيف بك أنت يا عبد الله، وقد من الله عز وجل عليك بهذا الدين العظيم؟ فإن هذه الأجهزة، عباد الله، يعرض فيها ما ينافي هذا الدين العظيم منافاة صريحة. فيعرض فيها الكفر الصراح، وصارت الكثير من الكفريات والأمور المنافية والمناقضة لهذا الدين، صارت محلا لنقاش، وصارت أفكارا ومحلا لأطروحات وبحوث توضع على وجه الجدل في هذه القنوات. ومن ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، الدعوة إلى وحدة الأديان، بصريح العبارة أو خفيها، وبإظهار الإعلان لها، أو بإظهار شيء مما يحاك ويدور في المجتمع من تأييد ونشر هذا المطلب بين المسلمين. حتى صار الكثير من المسلمين عندهم غيرة ضعيفة لدينهم، وعندهم ولاء وبراء ضعيف تجاه ما أمرهم الله عز وجل به من أمر الولاء والبراء مع أهل الإيمان والإسلام، ومع غيرهم من أهل الكفر والشرك والإلحاد. وهكذا، صارت بعض المفاهيم التي كانت بالأمس القريب هي من المفاهيم المنحرفة والدعوات الكفرية والإلحادية، صارت اليوم عبارة عن ثقافات وحضارات ومفاهيم تؤخذ وترد، وهي محلا لنقاش، وربما صارت كذلك مما يجادل فيها، وأنها لا تستلزم الكفر، وغير ذلك مما يعرض في هذه القنوات. وهكذا، يعرض فيها من معاني الكفر المنافي لدين الله جل وعلا، إما تلميع الكافرين ودعوتهم وعباداتهم، وغير ذلك من شعائرهم، سواء كان ذلك فيما يعرض في الأخبار، أو كان ما يعرض في بعض برامجها المتنوعة، أو ما يتضمنه بعض ما يعرض من الأفلام والمسلسلات، ولو كانت حتى ما يتعلق بالأطفال. حتى صار عند الطفل المسلم لوثة فكرية عن الكبار الذين ماتت فطرتهم، بكثرة ما يمر على أسماعهم ويرون بأبصارهم من آثار تلك الدعوة التي لم يشعروا بها. وهكذا، تتابع تلك الشرور من جهات متنوعة، يقصد بها نشر ما يريدون نشره، وتحويل ما يريدون تحويله، من مجتمعات سليمة محافظة، يزعم أنها مجتمعات تقليدية ومجتمعات مغلقة، يراد فتحها وإخراجها من تلك المعاني الضيقة إلى ذاك المعنى الأفيح الذي فيه كل معنى الحرية المطلقة، حرية دينية، وحرية أخلاقية، وحرية كذلك سياسية وسلوكية، وغير ذلك. ولا تسأل عن الشر الذي تتضمنه هذه المعاني، مما يعرض بوسائل وصور شتى، يكون فيها إفساد المسلمين أيما إفساد. ولا تسأل يا عبد الله عن تلك المواقف المحرجة التي تعرض في هذه الأجهزة، ببرامج وقنوات متنوعة، يقصد منها إدخال الشرور على المسلمين. وانظروا إلى موقف، ومثله ونظائره كثيرة في تلك القنوات والأجهزة التي تعرض على الناس. تأتي أحد المذيعات وتعمل مقابلة فاضحة مع ذكور وإناث، ويأتي السؤال المحرج: ما رأيكم في حكم العادة السرية؟ انظر إلى هذا السؤال الفاضح، يسأل فيه ذكور وإناث، وجهًا لوجه، وفي قناة تدخل إلى بيوت وأسر المسلمين، يراها الصغير والكبير، ويطلع عليها الذكر والأنثى، وغير ذلك. ثم تكون نقاشات على اختلاف ما يتصور مما يذكر من أمثال هؤلاء الساقطين وهؤلاء المتغرظين الذين يريدون بذلك إدخال الشرور وإماتة الحياء وإدخال معاني فاسدة على مجتمعات المسلمين، شعر الكثير من المسلمين أو لم يشعروا. ثم يأتي الحكم من هذه المذيعة الساقطة، بعد أن تسمع الناس جميعا آراء هؤلاء الذكور وآراء هؤلاء الإناث، ليكون بعد ذلك مستقرا في أفهام المشاهدين، ذكورا وإناثا، وصغارا وكبارا، ما قد قرر عليهم واستنطقوا بلسان الحال، ولو لم يكن بلسان المقال. ولا تسأل كذلك عن قضايا أخرى كثيرة يدخل بها هؤلاء، الذين إما هم بين جاهل أو مدسوس، يدخل الشرور المتنوعة على المسلمين، فيكون بذلك الشر العاجل والآجل على أهل الإسلام. فإذا علمت ذلك يا عبد الله، كيف ترضى لنفسك أن تدخل مثل هذه الأجهزة الخبيثة، فتفسد بذلك بيتك وأسرتك وأبناءك، وأهل بيتك، مما تنال به عاقبة السوء في عاجل أمرك وآجلك؟ ومما تضر به ليس فقط دين أهل بيتك ودينك، بل وكذلك حتى الدنيا. إن الكثير من المدمنين لهذه الأجهزة صاروا من الضائعين الساقطين، ممن لا يفلح في دين، بل ولا في دنيا، ممن لا يفلح في دين ولا دنيا. إن الذي يدمن النظر إلى هذه الأجهزة، على ما فيها، يربي نفسه على أي شيء يربى؟ من كان مدمنا لهذه الأجهزة، إنه يربى على طريق السقوط والانحراق. إنكم لا يخفى عليكم، عباد الله، ما يعرض في هذه الأجهزة كذلك من أفلام خليعة، وصور، ودعايات ماجنة، بصور شتى. وكل ذلك بمرأى ومسمع من جميع المسلمين، ولا غيرة تحرك غيورا، فضلا عن مسلم عرف ما يجب عليه تجاه ذلك. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾. ويقول جل وعلا: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾. إن الكثير من الناس ربما يغضب إذا أخبر أن ابنه صار يتتبع النساء بنظره، أو ابنته صارت تتبع الرجال بنظرها، وتقعد لهم في الطرقات. فكذا لا تأخذهم الغيرة، وهم يتتبعون ما هو أعظم من ذلك وأشد، في هذه الأجهزة الخبيثة. بل توقع في قلوبهم مواقعها العظيمة. فإن للنظر جرحا في القلوب، أشد من جرح السهام. إن للنظر في القلب جرحا أشد من جرح السهام، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. فكم من طريح مريض، كان قد مرض وطرح بسبب نظرة محرمة، أو فيلم ماج، أو موقف قبيح، أو كذلك دعوة رذيلة، كانت بسبب هذه الأجهزة. بل ربما صار بعضهم أسيرا لهذه الأجهزة، في تلك القنوات التي هي مليئة بتلك الشرور، التي هي من أعظم ما يفسد القلوب والأديان. تلك القنوات الماجنة التي صار يبثها، وللأسف، بعض من في أوصال المسلمين، مما يبثون هذه القنوات، ربما في فنادق في بعض مدننا، وفي بعض كذلك أماكن في بلادنا. وهكذا، بعض أصحاب التسجيلات، وأرباب الفن، وغيرهم ممن يمدون أسلاك الشر، ويفرعون تفريعات الضر، بما يدخلونه على المسلمين بتلك القنوات المجفرة، التي تدخل على المسلمين الشر العظيم. فالله، أعباد الله، في الحفاظ على دينكم، وعلى أبنائكم، وعلى أسركم. فإن الله سائلكم عن ذلك سؤالا عظيما. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من امرئ يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عز وجل عليه رائحة الجنة». رواه مسلم عن معقل بن يسار. نسأل الله جل وعلا أن يرينا الحق حقا، يرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا، يرزقنا اجتنابه. والحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، عباد الله، إننا سمعنا شيئا يسيرا من شيء كثير، مما هو من مفاسد هذه الأجهزة الخبيثة التي أضرّت وفتكت بالمسلمين، إضرارا وفتكا عظيما. وذلك مما أدخلته عليهم من الشرور المتنوعة، فأفسدت عليهم عقائدهم، وأفسدت عليهم كذلك أخلاقهم، وغيرت عليهم مواقفهم. فما كان من المسائل الثابتة بالأمس، المستقرة في نفوس وقلوب أهل الإيمان والإسلام، صارت اليوم محلا لنقاش وجدال، وأخذ ورد، بسبب هذه الأجهزة الخبيثة. وذلك من خلال ما يعرض فيها، ممن يمثل الإسلام وهو من الإسلام براء، وممن ينقل رأي الإسلام، والإسلام من رأيه براء. إما من بعض المنحرفين الساقطين الذين يظلون غيرهم بسبب جهلهم، أو الهوى الذي عندهم. وقد صدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «إن الله لا ينتزع هذا الدين انتزاعا من صدور الرجال، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». فكم في هذه القنوات وهذه الأجهزة من الرويبضات الذين يتكلمون في دين الله جل وعلا بجهل وهوى، فيتخرصون، فيضلون ويضلون غيرهم. وكم قد نجح أعداء هذا الدين في تغيير الكثير من المفاهيم، بما يعرض على هذه الأجهزة الخبيثة. فإذا كان كذلك، وجب على كل غيور يحب الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يحرص على محافظته على قلبه وعلى دينه، وسلامة ذلك لنفسه ولأهله ولمجتمعه. فإن المرأة إنما هو بقلبه ودينه. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». ويقول ربنا جل وعلا عن نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّمَا يَنْقِذُ اللَّهُ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال العلماء والمفسرون: القلب السليم هو الذي سلم من المعصية، باجتنابه الشهوة، ومن الشبهة كذلك باجتنابه الهوى. وما أكثر ما تدخل هذه الأجهزة من المعاصي بالشهوات التي تعرض فيها، ومن الشبهات بالأهواء التي يتكرر تردادها. فإذا كان كذلك يا عبد الله، كان حريا بك أن تحافظ على دينك بمجانبة مثل هذه الأجهزة. وقد يقول قائل: أنا لا أنظر إلى هذه الأمور الخبيثة، وأقتصر على بعض ما يسمى بالقنوات الإسلامية، أو كذلك بالمواضيع الهادفة. مع أنه لو حقق الحق، وأنصف نفسه، لوجد أنه لا يسلم جهازه ولا قناته من شيء من المحاذير الشرعية. لو لم يكن إلا بعض علماء السوء الذين يظهرون في تلك الأجهزة، لكان كافيا. وكان من قول سلفنا: «إن هذا العلم دين، فانظروا عن من تأخذون دينكم». فكيف ترضى يا مسلم أن تدخل على أبنائك وبناتك وأهل بيتك من دين هؤلاء المجهولين، بل وبعض المتسوسين والساقطين، الذين هم أداة من أدوات أعداء هذا الدين، يفسدون على أهل الإسلام دينهم. وهكذا، شرور أخرى تتخلل هذه الأجهزة، إما من أصوات غناء، أو آلات لهو وطرب، لا يكاد يخلو منها شيء من هذه القنوات، ولو قيل أنها قنوات إسلامية، ولو لم يكن إلا في بعض برامج الأطفال ونحوها. فإنها لا تخلو من ذلك. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف». فإن المعازف محرم بنص كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وهكذا، تلك الصور، صور ذوات الأرواح، التي لا يجوز لمسلم أن يدخلها إلى بيته، لما لها من أثر عظيم في إفساد القلوب والأديان، وتعلقها بغير الله جل وعلا، فتورث بذلك فسادا وشرا عاجلا وآجلا. وإن ذلك بعض الحكم التي لأجلها حرمت التصاوير. فإن بعضها يفسد العقائد، وبعضها يفسد الفطر، بتعلقها على وجه الشهوة، وبعضها يورث كذلك تعلق القلب بما يورث له الفساد، وغير ذلك من معاني أخرى تدخل على المسلمين، فيكون بها الشرور. وهكذا، لا تسلم هذه الأجهزة من أن تكون وسيلة وبابا لدخول شرور أخرى. كما قال بعضهم من أولئك التائبين: كنت أنتقل من الحرم إلى الحرام، كنت أنتقل من الحرم إلى الحرام، ينظر مع الناس في أول أمره ومبدئه، كما يقال، إلى الحرم وإلى القنوات الإسلامية. ثم يدفعه الفضول إلى تقليب قنوات أخرى، فيكون بذلك متقلبا في أنواع من أنواع الحرام. وهكذا، أنت تفتح على أهل بيتك سنة سيئة، بما يمكن استخدامه من هذه الأجهزة في الشر. وما أكثر الشر الذي يدخل بمثل هذه الأجهزة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن سن سنة سيئة، فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه مثل ما دعا، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا». فاحذر يا عبد الله أن تكون ممن دعا إلى ضلالة، فتضر بنفسك وتضر بأهل بيتك. وهكذا، هذا ليس من التعاون على البر والتقوى، بل هو من التعاون على الإثم والعدوان. ثم إن الكثير من الناس ربما استدلوا بهذا ذريعة لدخول مثل هذه الأجهزة إلى بيوتهم، فكان ذلك سببا لدخول الشرور عليهم. وهنا قد يريد السؤال أن يشكل على بعض الناس، فيقولون: ما بالنا نرى بعض المشايخ وبعض العلماء يظهرون في هذه القنوات؟ أليس هذا منهم إقرارا لمثل هذه الأجهزة ودخولها في بيوت المسلمين؟ فيقال: إن هؤلاء إنما اجتهدوا، ويخالفهم علماء آخرون. وإن هؤلاء إنما اجتهدوا في تخفيف الشر عن قوم ابتلوا في بيوتهم بهذه الأجهزة، فظنوا أنه لا أقل أن يدخل في بيوتهم شيء من الخير، يخفف ذلكم الشر أو يدفعه. أما رجل سلم بيته من هذا الشر، فهو في غناء أن يدخل على نفسه شرا كثيرا، ومعه خير قليل، إن قدر أنه خير خالص. فمن كان في عافية من أمره، فليس من العقل ولا من الدين أن يدخل على نفسه شرا كثيرا، بحجة خير قليل، يمكن أن يحصله في غير هذه الأجهزة. وما أكثر الوسائل الحديثة المتنوعة التي يمكن بها أن تستمع إلى فتاوى العلماء، وإلى نصائح أهل العلم، وإلى غير ذلك مما تنتفع به. وما أكثر الوسائل الحديثة التي يمكنك بها أن تستمع إلى الأخبار، وأنت قد سلمت وأسلمت وأنجيت أهل بيتك من الشرور الخطيرة العظيمة التي في هذه الأجهزة. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.