الخطبة بعنوان إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٧ ربيع الآخر ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ سنة الله في تغيير أحوال الأمم، حيث يبدأ التغيير من الفرد ثم المجتمع، ويؤكد على أهمية العقيدة الصحيحة. يُبين أن تغيير النفس هو الخطوة الأولى نحو إصلاح المجتمع.
يتناول المقطع أسباب حلول نقمة الله، ومنها التفرق والذنوب والظلم وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذه الأسباب تؤدي إلى تغيير النعم إلى نقم وعقوبة الله.
يُشير إلى أهمية تحقيق التوحيد والعقيدة، وبث العلم النافع، والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله، والاجتماع وعدم الاختلاف. هذه الوسائل تعتبر ضرورية لتحصيل الخير ودفع النقم.
يشدد النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية الدعاء في تغيير القضاء، ويحث على الإلحاح في الدعاء لإصلاح النفس والمجتمع. يُطلب من كل فرد أن يدعو الله لإصلاح نفسه وأحوال المسلمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمد الله تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. فإن من سنة الله جل وعلا الشرعية ومن سنة سبَسْحانه وتعالى الكونية أن الله لا يغير ما بقوم من نعمة إلى نقمة، ولا من نقمة إلى نعمة إلا أن يغيروا ما بأنفسهم. فهذه سنة الله سبحانه وتعالى، ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا. ولو تأملنا حال أمم كثيرة أخبرنا الله عز وجل بأحوالهم وما كانوا عليه، كيف غير الله عز وجل من أحوالهم بسبب ما كانوا عليه من نقمة إلى نعمة أو من نعمة إلى نقمة، وهذه سنة الله سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. وانظروا كيف صنع الله عز وجل بقوم نوح، أغرقهم غرقًا عظيمًا، سبحانه وتعالى، لما كذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم وعادوه وآذوه وفعلوا ما فعلوا من الاستهزاء. وهكذا كذلك، انظروا كيف صنع الله عز وجل بقوم لوط، وكيف صنع الله عز وجل بأمم قبلهم وبعدهم. وهذه سنة الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾. فإذا علمنا ذلك، عباد الله، فلنعلم أن لهذا التغيير ولهذا العذاب أسبابًا جعلها الله عز وجل أسبابًا لوقوع العذاب والنقمة أو العكس. إن أصلح الناس من أنفسهم وأصلحوا وغيروا من أحوالهم، غير الله عز وجل ما بهم من نقمة إلى نعمة. انظروا كيف جاء النبي صلى الله عليه وسلم في قوم غاية في الجاهلية، فهم في جاهلية جهلًا يبغي بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضًا، لا يأمن بعضهم بعضًا، ولا يستطيع أن يحفظ بعضهم من بعض. ومن الله عز وجل عليهم بهذا الدين، فحين تمسكوا به وأخذوا به، غير الله عز وجل من حالهم مما كانوا عليه من نقمة إلى ما كان عليه أمرهم بعد ذلك من نعمة. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. وهكذا سنة الله سبحانه وتعالى، عباد الله، في الأمم. فإنهم إذا أصلحوا من أنفسهم، أصلح الله عز وجل من أحوالهم. بل هذا أمر الله وسنته في الفرد والمجتمع. إن أصلح الفرد نفسه، أصلحه الله وأعانه على نفسه. وإن لم يكن كذلك، وكله إلى نفسه الأمارة بالسوء. كما قال القائل: "لم ينل الجاهل من نفسه لم ينل العدو من جاهل ما نال الجاهل من نفسه". فإن الجاهل يفسد على نفسه ما لا يفسده عليه العدو. وإذا وكلك الله عز وجل القوي الغني إلى نفسك الضعيفة الفقيرة العاجزة، فلا تسأل عن الشر الذي تقع فيه. وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. فهذه سنة الله، عباد الله، هذه سنة الله سبحانه وتعالى في عباده. إنهم عملوا بما أوجب الله عز وجل عليهم، بما تكون به نجاتهم وما تكون به سعادتهم. والعكس بالعكس، عباد الله. ولذلك علينا أن نتأمل في الأدلة الشرعية، وفي سنن الله سبحانه وتعالى الماضي المرعية، من آيات الله الشرعية في كتابه وسنة نبيه، وآياته الكونية في هذا الكون. كيف أوقع الله عز وجل بنا من العظات والعبر ما هو سبب ومدعاة لأن نعتبر بمن سبقنا، وأن نأخذ بطريق النجاة والفوز والسعادة في أنفسنا ومجتمعاتنا، وأن نكون بإذن الله سبحانه من الذين يغيرون حالهم من الفساد إلى الصلاح، ومن الظلال إلى الهدى، ومن الإعوجاج إلى الاستقامة. ومن أعظم هذه الأسباب، عباد الله، التي يكون بها تغير حال الناس من نقمة إلى نعمة، ومن شقاء إلى سعادة، ومن اعوجاج إلى استقامة، ومن طريق غي وضلال إلى طريق هدى وتوفيق وبر، من أعظم هذه الأسباب الاعتناء بالعقيدة، الاعتناء بتأدية حق الله سبحانه وتعالى العظيم. فإنه من أعظم الأسباب التي يكون بها استقرار أوضاع الناس وأحوالهم في أنفسهم وفي مجتمعاتهم. ومن أعظم الأسباب لنزول نعم الله سبحانه وتعالى في البر والبحر، وحصول الخير الذي يرجونه في الدنيا والدين. ومن أعظم الأسباب الذي يرفع الله عز وجل به البلاء، ويمنع عنهم الضراء. ومن أعظم الأسباب الذي يجلب الله عز وجل به أنواع النعم، ويدفع به أصناف النقم. وكم أخبرنا الله عز وجل في أحوال عدد من الأمم، كيف لما أشركوا بالله عز وجل وكفروا به سبحانه وتعالى، عاجلهم الله عز وجل بالعقوبة الشديدة في الدنيا، فضلًا عن عقوبته سبحانه وتعالى المتوعد المنتظر في الآخرة. انظروا إلى ما وقع لقوم نوح، انظروا إلى ما وقع لقوم صالح، وقوم هود، وقوم لوط، وقوم إبراهيم. وهكذا ما وقع في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم، لما كفروا بالله عز وجل وأصروا على ما هم عليه من شرك، عذبهم الله عز وجل بأنواع العذاب. وهذه سنة الله سبحانه وتعالى. فلذلك، عباد الله، على أهل الإسلام أن يعتنوا بالمحافظة على هذه العقيدة الصحيحة، وعلى أداء ما يجب في حق الله سبحانه وتعالى. وإذا تعلقت قلوب العباد برب الأرباب سبحانه وتعالى، كان لها من القوة، وكان لها كذلك من الخير والإعانة ما لا يجده من لم يكن كذلك. فكيف إذا رضي لنفسه أو لغيره بوقوع الشرك والكفر؟ فعند ذلك يكون من التفرق، ويكون من التمزق، ويكون من الشحناء والعداوة والبغضاء، ويكون من تسلط الأعداء ما يكون سببًا لخسارة الدنيا، وكذلك الآخرة. وهل نصر الله عز وجل المؤمنين على الكافرين، وأعز الله عز وجل المؤمنين في هذه الدنيا، وأذل الكافرين، إلا بقيامهم بحقه سبحانه وتعالى العظيم، من توحيده وحسن عبادته، وعدم الشرك به سبحانه وتعالى؟ قال الله عز وجل في كتابه الكريم، مبينًا هذا المعنى، وأنه من أعظم ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وهكذا كذلك، عباد الله، من هذه الأسباب والأسباب كثيرة، أن يحرص من يريد نعمة الله عز وجل، ويحذر نقمته سبحانه وتعالى، من الذنوب والمعاصي. فالذنوب والمعاصي من أعظم الأسباب التي تحل بها نقمة الله سبحانه وتعالى. قال الله جل وعلا: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. بل قال سبحانه وتعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾. تأمل، أخي المسلم، هذه الآيات العظيمات، وغيرها كثير مما هو محل عظة وعبرة. وانظروا كيف عاجل الله عز وجل أصنافًا من الناس، أفرادًا وجماعات، عاجلهم بالعقوبة بما كان من ذنوبهم ومعاصيهم. وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. وهكذا كذلك، عباد الله، من هذه الأسباب والأسباب كثيرة، الظلم. فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وهكذا كذلك له عقوبة عظيمة في الدنيا. فإن الظلم من أسباب عقوبة الله جل وعلا، ومن أسباب تغيير أحوال الناس من نعمة إلى نقمة. فإن الله عز وجل يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلت، كما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه: "إن الله ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلت". فهذه سنة الله سبحانه وتعالى. وسمعنا قول الله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. فلا تظنن، يا أيها الظالم، أنك تفلت من عذاب الله ونقمته. بل ربك سبحانه وتعالى العدل يعاجلك بالعقوبة في الدنيا، فضلًا عن عقوبته في الآخرة. وقد أخبرنا الله عز وجل عن عدد من الأمم، كيف عذبها بما كان من ظلمها. قال سبحانه وتعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. فالحذر الحذر، معاشر المسلمين، أفرادًا وجماعات، وراعيًا ورعية، من الظلم. فإن الظلم ظلمات يوم القيامة. قد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أن يظلم المسلم ولو في عود أراك، أي عود مسواك، لو ظلمت لعذبك الله عز وجل وعاجلك به في الدنيا، فضلًا عن الآخرة. وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من ظلم في شبر واحد. فمن ظلم من شبر، كما في حديث عائشة، طوقه من سبع أراضين يوم القيامة، فضلًا عما ينتظره في هذه الدنيا. وهكذا كذلك، عباد الله، من هذه الأسباب والأسباب كثيرة، ترك واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح للخلق. فإنه من الأسباب التي ترفع بها النقم. فإذا لم يقم الناس بهذا الواجب العظيم، فقال كل واحد: "نفسي نفسي"، هذا إن كان في نفسه صادقًا صالحًا، فإن ذلك لا ينجيه. بل هو مستوجب لعذاب الله ولنقمته في الدنيا، فضلًا عما ينتظره في الآخرة. انظروا ماذا يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. تأملوا، لم يقل: "وأهلها صالحون"، ولكنه قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. فالذي يرفع العذاب ويدفع النقمة ليس أن تكون صالحًا، ولكن أن تكون مصلحًا لغيرك. فإن حرصت على إصلاح غيرك، رفع الله عز وجل عنك وعن غيرك العذاب والنقمة. وإذا لم تحرص على إصلاح غيرك، فإن الله لا يرفع العذاب عنك وعن غيرك. وثبت في الصحيحين من حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها وأرضاها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلة فزعًا، فقال: "ويل للعرب من شر قد اقترب". كررها ثلاثًا عليه الصلاة والسلام. ثم قال: "لقد فتح اليوم من ردمي يأجوج ومأجوج مثل هذه". فأشار إلى الإبهام والتي تليها. فقالت زوجته رضي الله عنها وأرضاها: "يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟" قال: "نعم، إذا كثر الخبث". تأملوا قولها: "أنهلك وفينا الصالحون؟" فإنها ذكرت أن الهلاك هل يقع مع وجود أهل الصلاح؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "نعم، إذا كثر الخبث". فإذا وجد من أهل الصلاح من وجد، ثم لم يقوموا بما يجب عليهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح والتغيير بحسب الإمكان وبالضوابط الشرعية، فإن ذلك موجب لعذاب الله ونقمته، وأن يعم الله عز وجل الجميع بالعذاب والنقمة، والعياذ بالله. وفي الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الواقع القائم بحدود الله، والواقع فيها. أن مثل ذلك كمثل قوم استهموا على سفينة، فكان قوم في أعلاها، وكان قوم في أسفلها. فكان الذين في أسفلها إذا أرادوا الماء، صعدوا إلى الأعلى، فأخذوا الماء. فقالوا: "لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا -يعني في أسفل السفينة- ولم نؤذ من فوقنا". قال عليه الصلاة والسلام: "فلو تركوهم وما أرادوا لهلكوا وهلكوا جميعًا، ولو أخذوا بأيديهم لنجوا ونجوا جميعًا". فهذه سنة الله سبحانه وتعالى. فنحن في هذه الدنيا، عباد الله، في سفينة. إن نحن تركنا من يخرقها، نغرق جميعًا. وإن أخذنا على يد من يريد أن يخرقها، نجونا جميعًا. فلا يجوز لأحد أن يرى من يريد أن يخرق السفينة، فيتركه، ويقول: "نفسي نفسي". لأنه في هذه السفينة، وسيغرق مع هؤلاء الذين كانوا سببًا في خرق هذه السفينة. وهكذا كذلك، عباد الله، من هذه الأسباب والأسباب كثيرة، حب الدنيا والتنافس عليها. فإنه من أعظم الأسباب التي توجب النقم وتغيير النعم. فإن الله سبحانه وتعالى قد يبدل بعض النعم إلى نقم إذا حصل التنافس على الدنيا وحرص الناس عليها. فعند ذلك يسلط بعضهم على بعض. ثبت في الصحيحين من حديث المسور بن مخرمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أبا عبيدة إلى مال البحرين. فلما جاء أبا عبيدة بمال البحرين، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة الفجر، تعرض له بعض أصحابه، بلغهم ما جاء من مال البحرين، يريدون أن يعطيهم صلى الله عليه وسلم من ذلك المال. فننظر إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "بلغكم مقدم أبي عبيدة بمال البحرين؟ أبشروا وأمِّلوا بالذي يسركم. فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تبسط عليكم كما بسطت على الذين من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم". وصدق صلى الله عليه وسلم. وهل هذا الفساد العريض الذي نراه بأعيننا، ونشاهد آلامه وأحزانه في حياتنا، هل هذا إلا من تهالك الناس وتنافسهم على الدنيا، حتى استحل الكثير من المسلمين الدماء المحرمة، واستحل الكثير من المسلمين الأموال المحرمة، كل ذلك لأجل هذه الدنيا الحقيرة التي هي لعاعة حقيرة من لعاعة الدنيا؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق: "لو كان لابن آدم واد من ذهب، لأحب أن يكون له واديان. ولو كان له واديان، لأحب أن يكون له ثلاثة. ولا يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب". انظروا وتأملوا إلى هؤلاء الذين يتنافسون في هذه الدنيا، كم عندهم من الأموال المصدَّرة والمرصودة؟ فإنها تكفيهم وتكفي أبناءهم وأبناء أبنائهم، بل وربما تكفي دولًا بأكملها. ومع ذلك، هل قنعوا؟ مع ذلك، هل شبعوا؟ لا والله. صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كان لابن آدم واد من ذهب، لأحب أن يكون له واديان. ولو كان له واديان، لأحب أن يكون له ثلاثة. ولا يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب". ومعناه: لن يقنع حتى إذا أدخل في القبر، وصب عليه التراب، فعند ذلك يقنع بالقوة. لكن متى؟ حين يندم، ولا ينفع الندم. فإن لله وإنا إليه راجعون. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، بعد أن علمنا ما علمنا، فلنعلم عباد الله أنه كما أن هناك أسبابًا لحصول النقم، فإن الشرع قد بين أسبابًا لدفع هذه النقم، وحصول وجلب النعم. فمن أعظم هذه الأسباب التي تجلب النعم وتدفع بها النقم، كما تقدم أولًا، حرص أهل هذا الدين على تحقيق التوحيد والعقيدة. فإنهم إذا حرصوا على ذلك، حصل لهم ما يرجونه في الدنيا، وكذلك في الدار الآخرة، من الخير الذي وعدهم الله عز وجل به. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ومن هذه الأسباب، عباد الله، حرص الفرد والمجتمع على بث العلم النافع في المجتمعات. فالعلم النافع، العلم الشرعي، سبب لحصول الخير للناس أجمعين، في أنفسهم وفي مجتمعاتهم. لأنهم بهذا العلم الشرعي يتبصرون ويتعظون ويتذكرون ويذكرون، فيكونوا سببًا لخوفهم من الله سبحانه وتعالى. حتى لو غفل السلطان، فإن وازع الدين والإيمان في قلوبهم يأمرهم بالبر والصدق، وينهاهم عن الغش والخيانة. فإن ما تعلموه من العلم يدفعهم لأن يسيروا في طريق الاستقامة، ويتركوا طريق الغواية. إنما تعلموه ووعظوا به من العلم، سبب يمنعهم من أن يكونوا من أهل الظلم، ومن أن يكونوا من أهل البغي، ومن أهل الفساد. وصدق الله عز وجل إذ يقول: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. يحرص على العلم النافع، فيتدرج في مراتب الدين، ويرتقي في سلم الإيمان، حتى يصل إلى المنازل العلية. فإذا وصل إلى ذلك، فلا تسأل عن الخير الذي يكون منه، ويكون في مجتمعه. فعند ذلك يكون نبتة صالحة، يصلح الله عز وجل به العباد والبلاد. وقال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم، مبينًا هذا المعنى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ومن هذه الأسباب، عباد الله، الحرص على الأعمال الصالحة للفرد والمجتمع. أن يحرص الراعي وأن تحرص الرعية على المحافظة على الأعمال الصالحة. فإنها سبب لحصول الخير للمجتمع. فهي سبب لطهرة هذه الأرواح والأجساد من آثار الآثام. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. إذا كان في المجتمع مجرم أو كان في المجتمع عاص، فليعلم أن مما يعينه على التخلي عن ظلمه وإجامه وعن معصيته وسيئته، أن يحرص على الأعمال الصالحة. فإنها تغسله وتطهره وتجنبه تلك السيئات، كما أخبر الله عز وجل في هذه الآية العظيمة. وقال سبحانه في وصف الصلاة أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. فهل نحن نتعظ؟ وهل نحن نعتبر؟ ومن هذه الأسباب، عباد الله، أن نحرص على التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بصدق، لا نشرق ولا نغرب، لا نأخذ ديننا وما يصلح مجتمعنا من الكافرين المخذولين، لا من الشرق ولا من الغرب، ولكن من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففيه الخير لأهل الإسلام. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. فقد ذكرت هذه الآية ثلاثة أسباب متتالية مما يكون بها النجاة من النقم، والوصول إلى النعم، مما يكون به السعادة في الدنيا والسعادة في الدين، مما يكون به السعادة في الأولى والآخرة. من هذه الأسباب طاعة الله وطاعة رسوله. وثبت عند الحاكم بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة، ومعناه من حديث ابن عباس، قال عليه الصلاة والسلام: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعد أبدًا: كتاب الله وسنتي". ومن هذه الأسباب ما ذكر في هذه الآية من أمر أهل الإسلام بالاجتماع وعدم الاختلاف، والتعاون وعدم التضاد. فإنه من أسباب حصول النعم لهم ودفع النقم، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. أي تذهب قوتكم. وما يحصل في مجتمعات المسلمين من التناحر والتنازع هو من أعظم الأسباب لحلول النقم وذهاب القوة وتسلط الأعداء علينا. فهل لا نعتبر ونتعظ ونمتثل ما أمرنا الله سبحانه وتعالى به؟ وقد قال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ومن هذه الأسباب الصبر التي ختم الله عز وجل بها الآية، كما قال سبحانه: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وفي حديث ابن عباس في السنن بإسناد صحيح، الحديث المشهور في وصية النبي صلى الله عليه وسلم: "واعلم أن النصر مع الصبر، واعلم أن النصر مع الصبر". فإن النصر يأتي مع الصبر، أن نصبر على طاعة الله، وأن نصبر عن معصية الله، وأن نصبر على أقدار الله. فتأخر الفرج ليس موجبًا للتغيير، أن نشرق أو نغرب أو نغير أو نبدل. بل ذلك موجب أن نلتجئ إلى الله، وأن نفتقر إليه، وأن نرجع إليه، وأن نصبر. فإن الله مع الصابرين، كما سمعنا. وهكذا من هذه الأسباب، وبها نختم، أن نحرص على الدعاء بلسان الحال ولسان المقال. فإن الدعاء من أعظم أسباب حصول الخير للفرد والمجتمع، ومن أعظم الأسباب التي تدفع بها النقم. فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد إذا دعا، فإنه ينزل القضاء، ويرفع الدعاء، فلا يزال يتعاقب في السماء. فإذا كان كذلك، فلا تبخل على نفسك، يا أيها الرائي ويا أيتها الرائية، بالدعاء أن تلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى، في سحر الليل، أن الله عز وجل يصلحك ويصلح بك رعيتك. وأن الله عز وجل كذلك يصلح كل فرد في نفسه. وعلى كل فرد أن يدعو بهذا الدعاء، وأن يحرص على إصلاح نفسه بلسان الحال ولسان المقال. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، وأن يهدينا ويهدي ظال المسلمين، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ظالمين ولا مضلين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.