الدرس في نعمة الفراغ والوقت، خطبة جمعة للشيخ عبدالله بمركزه بدار الحديث بالشحر جامع التقوى ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُشدد على أهمية استغلال نعمة الفراغ والصحة في طاعة الله، ويبين أن الحياة الدنيا دار ممر وليست دار مستقر. يُنقل أقوال السلف الصالح في هذا السياق.
يُذكر حرص السلف الصالح والعلماء على استغلال أوقاتهم في طلب العلم والعمل الصالح، مع ذكر أمثلة لبعض العلماء الذين بذلوا جهودًا كبيرة في هذا السياق.
يُنبه إلى أهمية استغلال الإجازة الصيفية في ما ينفع الدين والدنيا، ويحذر من ضياع الأوقات في ما لا ينفع. يُشير إلى مخاطر الانشغال باللهو والترفيه على حساب الدين والدنيا.
يتضمن دعاءً إلى الله أن يجعلنا من عباده الصالحين المصلحين ويتبعون أحسن الأقوال، مع حمد الله على نعمه والاعتراف بقدرته.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن الله جل وعلا أنعم علينا بنعم لا تعد ولا تحصى، وهو القادر جل وعلا. ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. عباد الله، إن مما أنعم الله جل وعلا به علينا من نعم واسعة الكثيرة ما أنعم علينا من نعمة الفراغ والصحة والعافية، نعمتان عظيمتان يغفل عنهما كثير من الناس. ولهذا جاء في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». أي نعمتان الناس عنهما بغفلة، فيقول الغبن، أي الخسارة، لكثير من الناس إلا من استغلها في هاتين النعمتين العظيمتين. نعم، عباد الله، إن نعمة الفراغ ونعمة الصحة من أعظم النعم التي يتعين على المرء استغلالها في دينه ودنياه، ليس فقط في دينه، عباد الله، بل وكذلك في دنياه. فإن بالاستفادة من هاتين النعمتين مما ينتفع به الإنسان في دينه ومما ينتفع به في دنياه ما لا يعلم قدره إلا الله سبحانه. ولهذا، عباد الله، كان استغلال الزمن والوقت واستغلال الصحة والعافية ووقت الفراغ سببًا يحصل به النفع في دين الناس وأفرادهم ومجتمعاتهم، وسببًا كذلك لحصول النفع في دنياهم لأفرادهم ومجتمعاتهم. إن ذلك، عباد الله، من أعظم الأسباب لصلاح الدين والدنيا. فبالاهتمام بهما يكون صلاح الدين والدنيا للعبد ومجتمعه، وبعدم الاعتناء بهما يكون فساد الدين والدنيا للعبد ومجتمعه. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ومما يدل على أهمية الاهتمام بالزمن والوقت في كتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الله جل وعلا أقسم بالزمن لما له من أهمية في حياة المسلم. قال الله جل وعلا: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾، وغيرها من الآيات الكثيرة التي فيها العبرة والذكرى من الاعتبار بهذا الزمان الذي هو في الحقيقة حياة هذا الإنسان. ويقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾. وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه، ونخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا. ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. وقرن سبحانه بين هاتين الآيتين للاعتبار والذكرى؛ لأن هذا الزمان ومضي الليالي والأيام سبب للاعتبار والذكرى، فإن المسلم يعلم أن مضي الليل والنهار مضي شيء من عمره. ولهذا كان السلف يأمرون بالاتعاظ بمرور الليالي والأيام. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «اعلم أن مرور الليالي والأيام إنما هو مراحل من مراحل سفر العبد إلى الله جل وعلا. وكلما مر عليه يوم أو ليلة مرت عليه مرحلة. فإن الموفق أو الفالح الذي يشغل هذه الليالي والأيام بأعمالها بمنزلة من يدعو في بيوت سفره». نعم، عباد الله، وهكذا جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: «ما ندمت على شيء ندمي على يوم طلعت فيه الشمس نقص فيه عمري ولم يزد فيه عملي». فكانوا يفكرون ويتأملون بمرور الليالي والأيام، عباد الله، أن يعمروها بطاعة الله، أن يعمروها بما يقرب إلى الله جل وعلا، بما ينفعون به في يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وهكذا جاء عن داود الطائي رحمه الله تعالى أن رجلا جاء إليه فقال: «أوصني». فجمع عينيه فقال: «وما يبكيك؟» قال: «إن مرور الليالي والأيام لعبرة». فقال: «وما عبرتها؟» قال: «فإن بمرورها وانقضائها ينقضي وينقص العمر، ويفارق الأجل». يريد بذلك رحمه الله أن من لم يعتبر ولم ينتفع ويأخذ العبرة بمرور الليالي والأيام وتقلب الليل والنهار فإنه لم يعرف معنى الحياة ولم يعرف الهدف الذي لأجله خلقه الله جل وعلا. نعم، عباد الله، خلقنا الله جل وعلا لغرض عظيم وهو عبادته سبحانه. فهذه الدنيا دار ممر وليس دار مستقر. وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «يا عبد الله بن عمر، كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». فكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك». يعني أن المسلم ينبغي أن يستغل أيام الصحة والعافية والفراغ فيما ينفعه ويقربه إلى الله جل وعلا. ويقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنما أنا كرجل استظل تحت شجرة ثم تركها». فعمر هذه الدنيا، عباد الله، كعمر رجل استظل تحت ظل شجرة، عمر هذه الدنيا الذي قال عليه كثير من الناس هو الله قطعة قطعة يمثله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم برجل استظل تحت شجرة ثم تركها. وهكذا فيما سبق يبين عليه الصلاة والسلام أن أمر هذه الدنيا وأمر الماشي فيها كالغريب يعابر السبيل، ما له عسى أن يظهر الغريب في دار ليس في وطنه، إنما يتزود بها ما يبلغه ويوصله إلى وطنه ومحل استقراره. وهكذا كذلك ما له عسى أن يصنع عابر السبيل الذي يعلم أنه في دار ممر وليس في دار مستقر، حسبه أن يأخذ في طريقه من الزاد ما يبلغه إلى موضع استقراره؛ لأنه عابر السبيل. وهذا حال الناس في هذه الدنيا، عباد الله. ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في جامع الترمذي من حديث أبي برزة، وبمعنى كذلك عنده من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما بإسناد حسن أنه قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم آمرًا أن تستغل خمس خصال: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك». يأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم باغتنام ما تكون به معنى الحياة، وهذا هو الفطن الذي ينتهز بما يمر عليه من أمر هذه الدنيا والزمان الذي فيه. ولما تفطن الطالحون والتابعون لأهمية هذا العمر كانوا أشد تمسكًا به وأشد حرصًا عليه. مر بعض الناس بأحد التابعين، مر عليه وهو عامر رضي الله تعالى أو رحمه الله تعالى، فقال له: «أفله أكلمك ساعة؟» فقال: «وقف الشمس حتى أفرغ لك». لحرصه وشدته اهتمامه بأوقاته. ويقول ابن عقيل رحمه الله تعالى، أحد علماء المسلمين: «ألف كتابًا واحدًا من كتب كثيرة يبلغ ثمنه مئة مجلد، سماه "الفنون"، أدخل فيه علومًا كثيرة». يذكر عن نفسه رحمه الله تعالى من استبخاله على نفسه بالوقت واستغلاله لكل صغير وكبير من وقته أنه لا يدعي شيئًا يمر عليه من وقته إلا ويستغله. حتى يقول رحمه الله تعالى: «فإذا فترت يدي عن الكتابة وبصري عن النظر والمطالعة، وضعف جسمي عن القراءة والبحث والمذاكرة، فإني لم أفتر على نفسي أن أشغل ذاكرتي بما يمتعني في كتابتي وقراءتي». يعني أنه رحمه الله حتى في وقت فتوره وتعبه يقضي بعد القراءة والكتابة والمذاكرة والمطالعة والبحث، فإنه يستغل وقت الفراغ فيما ينفعه بعد ذلك في قراءتي ومطالعتي وكتابته، بما يكون من مذاكرة العلم في خاطره وفي ذهنه، ومراجعة بعض ما كتب وبعض ما قرأ ومعض ما ناب وبحث رحمه الله تعالى. ويقول رحمه الله تعالى: «وإن كنت لأستحب أن آكل الكعب وأشربه بالماء عن الخبز؛ لبراءة ما بينهما من المضغ وطول وقت الأكل». كان يبخل على نفسه رحمه الله تعالى أن يأكل الخبز مع شدة احتياجه له؛ لشدة حبه للعلم وحرصه على جمعه وكتابته والمطالعة فيه. حتى أنه كان رحمه الله يستغل ذلك بأن يأكل الكعب للكعب؛ لأنه يفتت ويؤكل بالماء، فيكون أسهل عليه من أكل الخبز الذي يحتاج إلى اعتناء ويحتاج إلى إدام ويحتاج إلى وقت في أكله ومراعاة. وهذا يدل على اهتمامهم رحمه الله تعالى بأوقاتهم. وهذا ذكر الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمة ابن أبي حاتم رحمه الله، أحد أئمة أهل الحديث من أئمة المسلمين: «أن أبا زرعة ذكر يومًا لأبيه عبد الرحمن لأبي حاتم أنه ذكر له يومًا ولده عبد الرحمن، فقال له: "يا أبا حاتم، إن ابنك هذا لحريص على العلم". فقال: "نعم، والله، إنه لحريص على العلم". فقال أبو حاتم: "ومن شبه أباه فما ظلم". ثم قال ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى: "وذاك عني لم يكن يبقى شيء من وقتي ووقت أبيه إلا استغليناه بالعلم. ولله دره، أسأله وهو يمشي، وأسأله وهو نائم". يعني عند انتباهه وتهيئه للنوم، "وأسأله وهو بالخلاء، وأقرأ عليه بكل وقت. فما من شيء إلا وسألته وتعلمت منه حتى ألفت كتابه العظيم "الجرح والتعديل" وكتابه العظيم "التفسير" الذي صار الناس بعده عيالًا على ذلك التفسير العظيم"». وهكذا علماء الإسلام لا تجدهم يبلغون ويصلون إلى منازل عالية إلا باستغلال أوقاتهم وإذابة أعمارهم فيما يكون به الصلاح والانتفاع في الدين والدنيا. هذا الإمام النووي رحمه الله تعالى، أحد أئمة المسلمين المعروفين، كان له في اليوم الواحد أكثر من تسعة دروس. وكان من شدة حبه للعلم وشدة حرصه على الاعتناء به والمطالعة والمذاكرة فيه أنه كان لا يحس بالنوم إلا أن ينعس على كتاب أو يستند على جدار. يعني أنه ما عرف أن يذوق النوم من شدة حبه واطلاعه وحرصه على العلم. وهذا مثل هؤلاء العلماء، حتى زماننا هذا. فهذا الشيخ العلامة المحدث الفقيه الألباني رحمه الله تعالى كان شديدًا في الحرص على العلم. وكان من شدة حرصه على العلم أنه ربما دخل المكتبة الظاهرية يلحد فيها ويذاكر ويقرأ ويكتب، فلا يدري إلا وقد جاء وقت إغلاق المكتبة، من أول النهار إلى آخر الليل، وهو لا يدري إلا وقد جاء وقت إغلاق المكتبة، إلا أن يخرج لطعام أو حاجة الإنسان. لا يستشعر مرور الوقت لشدة انهماكه وحبه وتعلقه بالعلم. حتى أن حارس المكتبة أعطاه نصف مفتاح المكتبة لما رأى منه شغفه وتعلقه بهذه المكتبة. وهكذا يقول عن نفسه رحمه الله تعالى: «أنه دون بيده لخط يده ما جمعه من المخطوطات في المجمع في المكتبة الظاهرية ما هو أكثر من أربعين مجلدًا، أكثر من أربعين مجلدًا، خطه بيده رحمه الله؛ لشدة شغفه وحبه وتعلقه بالعلم رحمه الله تعالى». وهكذا، عباد الله، لا ترون طفلًا ولا كبيرًا من أئمة المسلمين وعلمائهم، لا من علوم الشرعية بحد، بل وفي غيرها من العلوم الأخرى، إنا وتجده كان من أشد الناس حرصًا على وقته وعمره وحياته. فبذلك كان ذلك من النبوء وتلك من رفعات. وبه نعلم، عباد الله، أن مجتمعًا من المجتمعات لا يفلح ولا يرتفع، ليس فقط في دينه، بل وكذلك في دنياه، إلا بالاهتمام بالوقت والحرص عليه وإعماله وإشغال الناس بما فيه نفع. فإن الرقي الحضاري والارتفاع المادي كذلك لا يتوصل إليه بالضياء وبالغفلة وبالنوم واللعب، وكذلك الإعراض عن استغلال الأوقات والأعمار. بل إن ذلك لا يتوصل إليه، عباد الله، إلا باستغلال الأوقات والأعمار بما يقوم به النبوء في دين ودنيا. وتلك سنة الله جل وعلا، تلك سنة الله في من أفلح وارتفع من الأمم، لا في الدين ولا في الدنيا، إلا وكان من أعظم أسباب ذلك اهتمامها بأوقاتها وأعمارها. نسأل الله جل وعلا بمنه وتكرمه أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، فقد سمعنا طرفًا وشيئًا من أهمية الاهتمام بالأوقات والأعمار والبركة في حياة مسلم، بل في حياة الإنسان. فإنه لم يكن رقي ولم يكن ارتفاع في دين ولا دنيا إلا وكان بالاهتمام بالأوقات. وإنه قد دخلت علينا في هذه الأيام هذه الإجازة الصيفية التي لمح نظر عند كثير من الآباء والمناطين والعقلاء. فإنهم يهتمون باستغلالها فيما ينفع في دين ودنياهم، وأيضًا ينشغلون بتوجيه أبنائهم وبناتهم بما يكون به نفع في دين ودنياهم. وللأسف يوجد بمقابل ذلك الكثير من الآباء والكثير من الرعاة من لا يذكر لذلك ولا يهتم به، بل يترك برده وفلذات أكباده كالغنم السائمة. فتفرقون يتفرقون بأركاض الطرقات وبمعابر الطرقات ومداخل الحارات. سجدهم سجدهم متماهرون ها هنا وها هنا، من أوائل النهار إلى آخر ساعات الليل، يميتون أوقاتهم ويميتونها فيما لا ينفع في دين ولا دنيا، بل إنهم يميتونها فيما يضر بدين ودنياهم. فحسب هؤلاء ما يكون من ضياع تلكم الأعمار والأوقات ما يكون فيه خسارة لأنفسهم في دينهم ودنياهم، وخسارة لمجتمعاتهم، وخسارة لمجتمعاتهم، بما يكون فيه سبب في الدنو الحضاري وعدم التقدم المادي. نعم، عباد الله، لو لم يكن إلا ذلك لكان حريًا بكل عاقل، ولكان حريًا بالعقلاء من أولي الأمر وغيرهم أن يهتموا بتوجيه الشباب وتوجيه الأبناء إلى ما فيه نفع في دين ودنيا. وأعظم من ذلك، عباد الله، أن يتهافت ويتطاحن الكثير من الأبناء، بل وربما الآباء، يتطاحنون في هذه الإجازات الصيفية وراء ما يفعله ويستعمله أعداء هذا الدين من إشغال المسلمين وأجرهم مما يميت عليهم أوقاتهم ويذهب أعمارهم لما لا ينفعهم ولا ينفع مجتمعاتهم في دين ولا دنيا. قوم يعبدون الكرة، وآخرون يتفرجون أمام أجهزة التلفزة، وهكذا صنف ثالث وراء قنوات الفضائيات، من الدجالين ورعاعها، مما يكون فيه ضياع الدين وضياع الدنيا، مما يكون فيه ضياع الدين وضياع الدنيا. وهكذا، لا تسأل عما يكون كذلك من الإعلانات في الوسائل الإعلانية المقروءة والمسموعة والمرئية، مما فيه تهييج الشباب في إماتة الأوقات وقتلها وإضاعة الأعمال وإفنائها. رحلات إلى الشرق والغرب، وتخفيضات بذلك إما إلى الملاهي أو إلى البساتين، وأوكال الخراب ومواقع الرذيلة. وكذلك ما يكون من الابتكارات وما يكون من الرحلات الجماعية التي يكون فيها الاختلاط بأهل السوء. ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». عباد الله، بالله عليكم، لو تأملنا هؤلاء الشباب الذين تضيعون من أبناء وطننا ومن أبناء المسلمين عمومًا، لا علمنا لا علمنا أن قوة عظيمة هائلة تهدر تهدر بين المسلمين في كل عام، لا يلتفت لها إلا من رحم الله، ولا يقهر ويتألم عليها إلا العقلاء والمناطون من عباد الله. ومع ذلك يرمون بالتشدد والغلو ويرمون بالتمييع ويرمون كذلك بأنواع التهم، بينما هم يريدون للناس الصلاح في الدنيا فضلًا عن الدين. نعم، عباد الله، لو أننا حسبنا لو أننا حسبنا في حارة من الحارات أن فيها عشرة فقط من شبابها يضيعون في كل يوم عشرة ساعات، في ثلاثة أشهر، لكان معنا ذلك أن هؤلاء العشرة يضيعون تسعين ألف ساعة، تسعين ألف ساعة، تضيع من أوقات المسلمين، وهي قوة هائلة. وكل شهر ألف ومئة ساعة. فما بالك بعشرة تكونوا لذلك تسعين ألف ساعة تضيع من عشرة شباب، تسعين ألف ساعة في ثلاثة أشهر، وهو زمن عظيم وقوة هائلة لو أنها استغلت في دين أو دنيا. فما بالكم بألوف مؤلفة من المسلمين في المدن والمحافظات والقرى والنواحي والضواحي يضيعون أوقاتهم وأعمارهم؟ فكم الساعات التي تضيع هذرًا وتكون كذلك خسارة عظيمة على الإسلام والمسلمين، وخسارة عظيمة على هذه المجتمعات المسلمة؟ ولا يتفطن لها. نعم، عباد الله، إن من يدعوكم للاهتمام بالأوقات واستغلالها لما ينفع يدعوكم لما في مصلحتكم في دينكم وفي دنياكم. لن تضبط في الدين إلا كذلك بالدنيا. لو أن الأبناء وجهوا في هذه الإجازات لتعلم العلم الشرعي في بعض الوقت، وتعلم ما يحتاجون إلى تعلمه من الأشياء الضرورية التي صارت شبه ضرورية في هذا الزمن وفي مثل هذا المجتمع، مثل تعلم الحاسوب واللغة التي صارت من لغة العصر، وتعلم كذلك ما يحتاجون إلى تعلمه من المهن، أو إعانة الأبناء أو إعانة الآباء لما ينتجون به في دنياهم في متاجرهم وأعمالهم وزراعاتهم وصناعاتهم وغير ذلك مما يكون فيه نفع في دنياهم، فضلًا عما يكون فيه حفظ للجسم. وأما أن يتركوا كالغنم السائمة يصاحبون من يشاءون وينهبون حين يشاءون، فيقوم بعد ذلك ضياع الكثير من أبناء وتفسي الكثير من الأخلاق والقيم ومعاني الفضيلة. وما ذلك إلا بإفساد المفسدين والصفعاء والمجترئين الذين يرون في أيام الإجازات في الطرقات وبالشوارع وبالأسواق يعاكسون ويؤذون المسلمين ويفعلون ما يفعلون مما يضر بالدين والدنيا. وهكذا لا نمتد هذا المقام أن نحذر الآباء وأن نحذر ولاة الأمور كذلك من لعبة أخرى يتنفل بها بلدنا الدين والدنيا منه ضراء؛ لما يعلنوا من إعلانات وشعارات تحت مسمى تحت مسمى إسلامي، ولكنه بالحقيقة الإسلام منه بريء. من تلك المخيمات الصيفية التي يقوم عليها دعاة التكفير والتفجير، يقوم عليها دعاة التكفير والتفجير، وأعداء الأطائب الخفية للمسلمين، التي تنبث في المجتمع بأسماء شتى، أحيانًا بجمعيات خيرية، وأحيانًا بمؤسسات، وأحيانًا ربما كذلك بمخيمات، أو غير ذلك. فالحذر الحذر أن يخرج ابنك يا عبد الله بعد هذه الإجازة من دعاة التكفير والتفجير وأنت لا تشعر. فاحرص على وضع ابنك في المرعى المناسب الذي تأمن له في دينه وفي دنياه. فإن وجهته إلى المساجد، فاحرص على مساجد أهل السنة والجماعة الذين يدعون الناس بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى فهم السلف الصالح. لا يسألون الناس أجرًا ولا يريدون منهم جزاء ولا شكورًا. بل إنهم يدعونهم إلى هذا الدين العظيم، أبطاله النقي الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم يذهب إلى بلدك، ليس دينهم ودينك شروط عقدية، ولا بطائق انتساب، ولا إلتحام، ولا آوى عنها، ولا غير ذلك مما يأخذه أهل الأحزاب وأهل الطرق المنحرفة. فالحذر الحذر، عباد الله، من شرين ضارين بهذا المجتمع: شر يدعو الناس إلى الشهوات، وآخر يدعو الناس إلى الشبهات. سواء انتسب إلى الإسلام أو غير الإسلام. إن الإسلام الحق هو المعيار الذي يجر به الصوام إلى الصراط المستقيم، عباد الله. إنه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على فهم السلف الصالح، والسير خلف العلماء الراسخين الموثوقين الأكابر الذين أمرنا بالرجوع إليهم. كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، وكما قال سبحانه: ﴿فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «البركة مع أكابركم». نسأل الله جل وعلا بمنه وترحمه أن يجعلنا من عباد الله الصالحين المصلحين، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.