أمانة الأبناء

الدرس في أمانة الأبناء، خطبة الجمعة بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 14 جمادى الآخر 1431هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وجوب الاعتناء بالنفس والأهل

يأمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يقوا أنفسهم وأهليهم من نار جهنم، ويشمل هذا الاعتناء اختيار الزوجة الصالحة.

أهمية التربية الصالحة والدعاء للأبناء

يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية تربية الأبناء تربية إسلامية صحيحة وتقديم صاحب الدين، ويحذر من غفلة الآباء.

دور إصلاح النفس في إصلاح الذرية

يُشدد على أهمية إصلاح النفس أولًا لضمان إصلاح الذرية، ويُناقش دور الآباء في تربية أبنائهم وتوجيههم نحو الخير.

تحذير من تضييع الأمانة وتأثير وسائل الإعلام الفاسدة

يتحدث عن خطورة الانفلات في المجتمعات وتأثير وسائل الإعلام الفاسدة، ويحذر من تضييع الأمانة التي حملها الإنسان.

  • 17 جمادى الآخرة 1431هـ - 30/05/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. يقوا أنفسهم وأهليهم نارًا، وقودها الناس والحجارة، عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. عباد الله، يأمر ربنا جل وعلا في هذه الآية الكريمة أهل هذا الدين العظيم، أهل الإيمان ممن اتصفوا بصفات الإيمان وانتسبوا إلى أهل الإيمان، أن يقوا أنفسهم ويقوا أهاليهم نارًا عظيمة، وقودها الناس والحجارة. هذه النار التي جعلها الله عز وجل لمن كفر به وفجر بدينه. فإن الله سبحانه وتعالى، وهو الحكم العدل، توعد من خالف أمره بهذه النار العظيمة. وقد أمرنا سبحانه أن نقي أنفسنا وأن نقي كذلك ذرارينا وأهالينا هذه النار التي وقودها الناس والحجارة، نار جهنم التي قال عنها نبينا عليه الصلاة والسلام: «فضلت عن نار الدنيا بسبعين جزءًا». قالوا: يا رسول الله، إن كانت لكافية؟ يعني نار الدنيا. نار الدنيا، عباد الله، التي يذوب عندها وبها الحديد، فضلًا عما سوى ذلك. يذوب الحديد منها، ومع ذلك فنار جهنم، نار جهنم أعاذنا الله منها، فضلت عليها بسبعين جزءًا. فأشد ما تجدون من النار في الدنيا، فإن نار جهنم فضلت عليه بسبعين جزءًا. يأمرنا ربنا جل وعلا، عباد الله، أن نقي أنفسنا، أي أن نجعل بيننا وبين هذه النار وقاية بالعلم النافع والعمل الصالح الذي به يسدد العبد في قوله وفعله، وبه يستطيع سلوك طريق أهل الإنعام، طريق الصراط المستقيم، وبه ينجو من طريق المغضوب عليهم والضالين. وليس هذا فحسب، بل يأمرنا أن نقي أنفسنا، وهكذا نقي كل من تحت رعايتنا من الأهالي والذرية. قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيح من حديث ابن عمر: «الإمام راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته. والرجل راعٍ في أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها». عباد الله، ما من فرد من أفراد هذا المجتمع إلا وتتعلق في عنقه رعاية وأمانة سيسأل عنها يوم القيامة. ومن هذه الرعايات والأمانات أمر الاعتناء بالأزواج والذرية، فإن ذلك من أعظم الأمانات. ولهذا، عباد الله، حذرنا بهذا التحذير الخاص، وهذا الوعيد الشديد لعظم هذه الأمانة وثقلها. وهكذا عد ذلك كذلك من مواضع الامتحان والإفتتان. فإن من الناس من ينجح في امتحانه، ومنهم من يكون له غير ذلك. ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، فتنة بما يكون في تربيتهم، وبما يكون من توجيههم بالمعروف، وتجنيبهم من طريق المنكر، من أداء النصح لهم، وإقامتهم على دين الله عز وجل. عباد الله، إن من أهم المهمات في هذا الدين العظيم القيام به في النفس، والقيام به كذلك في الأهل والولد. فإن ذلك مما رعاه ديننا الرعاية العظيمة. ففي كتاب الله عز وجل من ذلك أخبارًا كثيرة، وأوامر أكثر فيما يتعلق بهذا الواجب العظيم. كم أخبرنا عن عدد من أنبياء الله ورسله وعباده الصالحين في اعتنائهم بأنفسهم وذرياتهم، فنجى الله عز وجل أولئك الصالحين. فنجي أولئك الصالحون بما كان من استجابتهم لأمر الله، وقيامهم لأنفسهم ولذريتهم بشريعة الله، فكانت العاقبة للمتقين. وهكذا كذلك العكس لقوم خرقوا فخرجوا عن الصراط المستقيم، لم يقيموه في أنفسهم ولا في ذريتهم، فكان لهم عاقبة ذلك عذاب الله بالدنيا قبل الآخرة. وهكذا في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك كذلك النصيب الأكثر. ففي سنته عليه الصلاة والسلام القولية والفعلية والتقريرية جوانب كثيرة ترشدنا إلى هذا الواجب العظيم. وجملة ما يذكر في هذا المقام من الأسباب التي دلت الأدلة الشرعية على وجوب الاعتناء بها والتأديب بأدبها مما يعين العبد على إصلاح نفسه وذريته، فيكون له بذلك أداء الأمانة وتمام الرعاية، بما ينجو من عذاب الله وصَطْوِهِ ونقمته وغضبه في الدنيا قبل الآخرة. فمن تلك الأسباب، عباد الله، أن يعتني المسلم بادئ ذي بدء في اختيار الزوجة الصالحة التي تعينه على نفسه ودينه. وهكذا يجد بذلك العون في إقامتها على دين الله عز وجل، ويجدون جميعًا بذلك العون في إقامة أسرة صالحة وذرية طيبة مباركة. بما يكون من تعاونهما على البر والتقوى، وقيامهما بما أوجب الله جل وعلا من دينه وشرعه. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاضفر بذات الدين تربت يداك». قال بعض أهل العلم: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أمثلة أربعة، وليس المقصود من ذلك الحصر، ولكن المقصود من ذلك ما اشتهر بين الناس، وما كذلك شاع عند بعض الأمم. فإنه اشتهر تتبع الناس لهذه الخصال، فاشتهر النصارى بتتبع الجمال، واشتهر اليهود بتتبع المال، واشتهر العرب بتتبع الحسب، وأمر ديننا بتتبع الدين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فاضفر بذات الدين تربت يداك»، أي احرص على صاحبة الدين. فإن صاحبة الدين، عبد الله، هي المرأة الصالحة التي تعينك على دينك ودنياك. فلا يجوز لمؤمن يريد أداء هذا الواجب لذريته إلا أن يتتبع هذا الباب، فيكون ممن أدى بعض الأمان فيه. وكما هذا في حق النساء، وهو خطاب لأوليائهن، فهو كذلك في حق الرجال، وخطاب لمن يرعى أولئك الرجال. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من جاءكم ترون خلقه ودينه فزوجوه، إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض». فكذلك ينبغي أن يحرص على صاحب الدين، صاحب الخلق والدين، هو الذي له الأولوية، ولو قل ماله، ولو قل جماله، ولو قل نسبه وحسبه. فإن النبي صلى الله عليه وسلم يرشدنا أن من أسس ديننا، ومن أولوياته في هذا الباب تقديم صاحب الدين. فإن لم يقم أهل الإسلام بذلك، حصلت الفتنة والفساد العريض. ولا شك أن الفتنة تحصل بتسلط الفجار والكفار إذا أقيمت الأسر بأمثال هؤلاء، فلا تسأل عن الشر الذي يكون من ثمرة هذه الأنكحة بهذا الوصف. وهكذا كذلك، عباد الله، من هذه الأسباب ما أمرنا ديننا من الحرص كذلك على الدعاء الصالح. فالدعوة الصالحة عبادة يتعبد بها العبد مع ربه سبحانه وتعالى، ويجد ذخرها وأثرها في الدنيا والآخرة. وقد أخبرنا ربنا جل وعلا في آيات كثيرة عن عدد من أنبيائه ورسله وعباده الصالحين كيف كانوا يدعون ربهم بصلاح ذريتهم. فإنهم يطلبون من الله العون بلسان المقال، كما أنهم يبذلون كل الوسائل بلسان الحال، تصديقًا لدين الله جل وعلا وشرعه في هذه الأمانة العظيمة الثقيلة. فقد أخبر ربنا جل وعلا عن عدد من أنبيائه ورسله بعدد من تلك الأدعية الصالحة، وذلك يدلنا على أهمية هذا الباب. قال ربنا جل وعلا عن زكريا عليه الصلاة والسلام: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. وقال عن نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿وَجَنِّبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾. وقال عنه عليه الصلاة والسلام كذلك: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وهكذا كذلك مواضع كثيرة من كتاب الله عز وجل فيها التنبيه على هذا الباب العظيم. فينبغي للمسلم أن يعتني بهذا الباب، فيكثر من الدعاء في جميع مواضع إجابة الدعاء، في وقت السحر، وفي سجوده، وبين الأذان والإقامة، وغير ذلك من مواضع إجابة الدعاء، يتحينها ويتتبعها. إذا كان صادقًا في إرادة هذا الخير لنفسه ولذريته. ومن صدق مع الله لن يضيعه الله. وهكذا كذلك في هذا لفتة، كما أنك تدعو بلسان المقال، فكذلك ادعُ ربك بلسان الحال، ببذل الأسباب العلمية والعملية التي تعينك على إصلاح ذريتك، بما علمت في دين الله جل وعلا وشرعه. ومن صدق الله جل وعلا صدقه، ومن كذب على نفسه وكله الله عز وجل إلى نفسه. ومن هذه الأسباب كذلك أن نتأدب بآداب ديننا في المدخل والمخرج، وفي القول والفعل، حتى في تتبع الأذكار التي يحفظ الله جل وعلا بها من شياطين الجن وغيرها من الآداب التي يحفظ بها المسلم في نفسه وذريته من شياطين الجن والإنس. حتى علم النبي صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح البخاري من حديث ابن عباس، أن الرجل إذا أتى أهله وقال: «اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا»، إن قدر بينهما أي مولود لم يضره شيطان أو لم يقربه شيطان. فانظر إلى ثمرة هذا الأدب. ومن ذلك ما علم النبي صلى الله عليه وسلم من حفظ الأبناء أن لا يخرجوا بعد المغرب، فإنه وقت انتشار الشياطين، أي شياطين الجن. فلعلها تصيب أحدًا منهم. وهكذا بمعناه كذلك. والشرع لا يفرق بين المجتمعات والمتماثلات. يحفظ المسلم أبناءه في موضع مظنات السوء، ووقت الغفلات، ووقت استراق شياطين الجن والإنس. ومن ذلك الحفظ للأبناء في وقت الظهيرة. ما أكثر الآباء الذين يحفظون أبناءهم في أوقات، ثم يغفلون في أوقات، فيكون بذلك الشر من حيث لا يشعرون. فإن الشر كما قيل: لجاجة، والخير عادة. الشر لجاجة، والخير عادة. روى ابن ماجة في سننه بإسناد صحيح مرفوعًا عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وروي موقوفًا وصححه العلامة الألباني رحمه الله: أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخير عادة، والشر لجاجة، ومن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». ومعنى الخير عادة: أي الخير بما تعود عليه، فإذا عودت نفسك على الخير، وعودت غيرك عليه، سهلت عليك تلك الخيرات أبوابها، حتى صارت عادة لا تنفك عنك. ويذل البعد عنها، فيحصل لك الخير في أمرك في عاجله وآجله. والشر لجاجة: أي أن مواضع الشر وأبوابه تكون في أوقات الغفلات، في أوقات الغفلات. فرب طفل ينحرف، ويكون سبب انحرافه غفلة أبويه في لحظة من اللحظات، وفي وقت من الأوقات. ما أكثر الآباء والأمهات الذين يغفلون عن أبنائهم، فيكونون فريسة وسقطة في أيدي بعض أهل السوء والفساد من أهل الرذائل، فيكونون سببًا في انحراف أولئك الأبناء، وسلوكهم مسلك الرذيلة. وكان ذلك بسبب فلتة وسقطة وقعت من آبائهم، فلم يحفظوهم. فاحذروا، عباد الله، من مثل هذه الفلتات والسقطات، فإنها يوم القيامة حسرة وندامة. روى الإمام مسلم في صحيحه عن معقل بن يسار رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من امرئ يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا لم يدخل الجنة». أي لم يدخلها دخولًا أوليًا، بل عذبه الله قبل أن يدخل الجنة. وأي ظلم يا عبد الله أن تظلم ابنك أو تظلم ابنتك بأن تتغافل عن تربيته أو عن تربيتها، فتتشاغل في وقت من الأوقات كوقت الظهيرة، فيخرج ولدك، فتتلقفه أيدي السوء ورجال السوء من تلك الشوارع في تلك اللحظات، فيكون فلتة، ويكون ضحية ببراءته يسقط في تلك الأيدي الخبيثة. فعند ذلك تتحمل أنت أيها الأب، وأنت أيتها الأم إذم وانحراف هذا الولد، بما كان من تساهلك وتضيعك لهذه الأمانة. «ما من امرئ يسترعي الله رعية يوم يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا لم يجد رائحة الجنة». ولهذا، عباد الله، وجب علينا أن نتعلم من العلم الشرعي ما نتتبع به الآداب، وما أكثرها، وما أكثر الجاهلين بها. وهكذا كذلك أن نحرص على تربية أبنائنا بالتربية الصحيحة المتمثلة ليس بالدعاء الكاذب، ولا كذلك التمدح الكاذب، ولكن بما يكون من علم يتتبع وعمل يحقق، يكون فيه برهان الإيمان وتصديق الإسلام في تربية هؤلاء الأبناء. ومن ذلك أن نعودهم على أبواب الخير والبر. روى أهل السنن عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع». أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الأولياء أن يأمروا الآباء الأبناء بالصلاة لسبع سنين، فإنه سن التعليم وسن وعي الطفل وإدراكه. وأن يضرب عليها من سن عشر سنين، أي ما قبل البلوغ، حتى يكون الخير له عادة. فإن الخير عادة، والشر لجاجة. فإذا تعود الخير صار يجري في دمه وقلبه، فعند ذلك يتعلق به تعلقًا عظيمًا، فيكون حصنًا حصينًا يتحصن به هذا الولد في وجودك وفي غيابك، لأنك أدفته بآداب الإسلام وربيته على أخلاق الإيمان. فكان بذلك أن حفظه الله عز وجل. احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجد تجاهك. أنت ربما تدعو الله فلا تجاب، وربما تطلب العون من الله فلا تجد العون، بسبب أنك لم تحفظ الله في نفسك ولا في ولدك، فضيعك الله ووكلك إلى نفسك الأمارة بالسوء. أردت الضياع والغفلة والتساهل في المسؤولية، فكان الثمرة ذلك ذرية ضائعة مفلوتة من المسؤولية، منفلتة من قيود الخير، متشبثة بطرق وسبل الفساد والشر. وهذا جزاء بما كان من جنس العمل. وهكذا كذلك، عباد الله، من الأسباب أن يعين المرء نفسه وذريته على طريق الخير بإصلاح نفسه أولًا. فإنه إذا أصلح نفسه أعانه الله عز وجل على إصلاح ذريته، فتسهل له أمور التربية، ويجد الاستجابة السريعة، ويجد كذلك الأخلاق الكريمة. فإنه إن نصر الله نصره الله، وإن حفظ الله حفظه الله في نفسه وماله وأهله وولده. والجزاء من جنس العمل. وليس هذا فحسب، بل إن الله يحفظ لك ذريتك حتى بعد مماتك. وانظروا إلى ما أخبرنا الله عز وجل في سورة الكهف، الخضر نبي الله وموسى عليهما الصلاة والسلام، كيف مر على ذلكم الجدار، فأقامه الخضر عليه الصلاة والسلام، لأنه كان جدارًا لغلامين يتيمين، وكان أبوهما صالحًا. حفظ الله عز وجل الأبناء وأموالهم، وهم صغار ضعاف، يسر الله لهم من يحفظ لهم ذلك بصلاح الأبوين. إذا كنت تخاف، أخي المسلم، على ذريتك وعلى مستقبلهم، فليس بأكل المال الحرام، ولا بالتحيل كذلك بأكل أموال الناس أو أكل الأموال العامة. ليس هذا الذي يحفظ لك الذريات ويضمن لهم المستقبل، ولكن الذي يضمن لهم المستقبل هو الله. والذي يحفظ لهم ما بعد زمانك هو الله. واعتبر بهذه القصة العظيمة. ويقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم كذلك: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. فسر بعض أهل العلم أن من الحسنى صلاح الذرية في الدنيا قبل الآخرة، أي بعض الحسنى ما كان من إحسانك، أحسن الله عز وجل إليك، فرزقك ذرية صالحة طيبة. ذرية صالحة طيبة بما كان من صلاحك واستقامتك. وهكذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾. فسر العلماء هذه الآية بتفاسير، ومن تفاسيرها أن الذين آمنوا فصلحوا بأنفسهم، فدخلوا جنة الله وارتفعوا إلى المراتب العليا، أكرمهم الله بإكرامهم لأنفسهم باستقامتهم على دين الله، بأن ألحق بهم ذريتهم، أي أصلحهم لهم من بعدهم. والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان، ألحقنا بهم ذريتهم، وما ألتناهم من عملهم من شيء. ما ظلمهم الله، ولا بخس عليهم من عملهم من شيء. فإن الله يكرم لك ذريتك يا عبد الله بإصلاحها وحفظها حتى بعد موتك، بما كان من إيمانك وحفظك لدين الله عز وجل. وهكذا بسرت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، أي أن الآباء كانوا أهل صلاح، وكان الأبناء عندهم شيء من الإيمان، لكنهم ليسوا بمرتبة الآباء. فجمع الله جل وعلا في الجنة الأبناء إلى مرتبة الآباء، إكرامًا منه سبحانه وتعالى للآباء بما كان من صلاحهم واستقامتهم. ولم ينقص الآباء من أعمالهم وأجورهم شيئًا. نسأل الله عز وجل الكريم رب العرش العظيم أن يصلحنا ويصلح ذرياتنا، إنه على كل شيء قدير. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، عباد الله، إن هذه الأسباب أسباب عظيمة تعين المسلم على إصلاح نفسه وذريته، فاحرصوا عليها. وهكذا من الأسباب والأسباب كثيرة أن يعتني المسلم كذلك بالرفقة الصالحة لذريته. فأنت تنتقي لهم رفقتهم وخلتهم كما تنتقي لنفسك. وأعظمك. فإن كنت تحرص على أن تنتقي لنفسك المصاحب الصالح، فاحرص على ذلك في أبنائك وذريتك. ولا يخفى عليكم قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى الترمذي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير». فأنت تنظر يا عبد الله من هو الذي يصاحب ولدك. احذر أن تتساهل في رفقة سيئة تكون تلك الرفقة سببًا لانحرافه وزيغه. فتتبع وتفتش ذلك تتبعًا دقيقًا وتفتيشًا عميقًا يكون به إصلاح مستقبل ولدك، ويكون به المحافظة عليه في أحرج اللحظات، وكذلك أضيق الأوقات. فرب لحظة تغفل عينك وقلبك عنه، تكون هي لحظة الانحراف ولحظة الزيغ، فيكون بذلك هلاك هذا الولد بسبب تفريطك وتضيعك له. فاحرص على متابعته ومراقبته، ومتابعة رفقته. فأنت تنتقي تلك الرفقة كما تنتقي بذلك طيب الطعام وهو في مائدتك، فتبعد السيئ وتقرب الطيب. فكذلك تصنع مع ولدك، تقرب منه الأخيار وتبعد عنه الأشرار، وتتبع أخلاقه وأفعاله. فإن ذلك من مسؤوليتك، ومن الأمانة التي تتعلق بعنقك. ولا يخفى عليكم كيف كان منهج سلفنا في هذا الباب. فإنهم كانوا يحرصون غاية الحرص على إصلاح ذريتهم بالحرص على الرفقة الصالحة. فربما أدخلوهم في الكتاتيب، أي المدارس التي يعلم فيها القرآن والدين، في أول وصغر سنهم. وهكذا اعتنوا بإيجاد الصحبة الصالحة، فينتقونها لهم انتقاءً بما يكون به صلاحهم في سائر حياتهم. وهكذا كذلك، عباد الله، من هذه الأسباب أن تحرص أخي المسلم وأختي المسلمة على تتبع أخلاق ولدك وتتبع كذلك فعاله. فأنت مأمور بتتبع ذلك. فإن وجدت كلمة سيئة صوبتها، وإن وجدت فعلًا منحرفًا أقمته وعدلته. فانظروا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو يرى صبيًا من صبيان المسلمين يأكل بشماله ولا يسمي، ويأكل من وسط الصحفة. فيقول: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». تعليمًا له وتأديبًا، ومباشرة في التربية. فمن منا، عباد الله، تتبع أخلاق أبنائه وأقوال أولاده بما يكون به تقويمهم على ما فيه صلاحهم واستقامتهم؟ وهكذا ليس فقط تدفع عنه الشر، بل وكذلك تحرص على إدخال الخير إليهم. ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود، ومعناه من حديث عبد الله بن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ بأصابع أيديهم، أي ابن عباس وابن مسعود، كفهم بين كفيه عليه الصلاة والسلام، يعلمهم التشهد في الصلاة كما يعلمهم السورة من القرآن. فمن منكم أيها الآباء، ومن منكن أيتها الأمهات، أخذ بأيدي أبنائه أو بناتهن في نعومة أظفارهم، فوضع أصابعهم بين كفيه يعلمهم أحكام الصلاة كما يعلمهم السورة من القرآن؟ ينحت في قلوبهم نحتًا الإيمان، ويحفر في صدورهم أسس الإسلام. بما يكون به أساسًا عظيمًا ثابتًا ينفع الولد في سائر مستقبله. من منا فعل مثل ذلك؟ اسألوا أنفسكم. ونحن قدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا». وقارن بين هذا وبين ذاك. الإنفلات التي ابتليت به مجتمعاتنا، وسائل إعلام لا تعين على الخير، وتفتح الشر على مصراعيه، من وسائل مقروءة وأخرى مرئية، وثالثة مسموعة. انفلت فيها الكثير من أبنائنا وبناتنا. ومجتمع منفلت منحل، كثر فيه أهل السوء، وقل فيه أهل الخير. كان ليس بعون لصلاحهم، بل كان على العكس من ذلك. أين نحن من هذه الأمانة؟ وهذا الشر، ونحن سنسأل عن ذلك يوم القيامة؟ اعلموا، عباد الله، أن الأمانة أمرها عظيم. فقد حملتها السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها. وحملها الإنسان، إنه كان ظلومًا جهولًا. ظلومًا جهولًا بسبب تضيعه لهذه الأمانة بعد إذ حملها. فاحذروا، عباد الله، أن تكونوا من هؤلاء. أسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يرينا الحق حقًا يرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا يرزقنا اجتنابه. والحمد لله رب العالمين.