الخطبة بعنوان وسوسة الشيطان، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 17 جمادى الأولى 1434هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الوسوسة هي كلام خفي يلقيه الشيطان في نفس الإنسان لإثارة الشر والبعد عن الخير. يحذر الله عباده من وساوس الشيطان التي تصرفهم عن طريق الخير.
الشيطان يحاول إيقاع الإنسان في الذنوب والمعاصي بوساوسه وخطواته. يجب على المسلم أن يتخذ الوسائل الصحيحة للاحتراز من ذلك.
يجب على المسلم أن يستعيذ بالله من وساوس الشيطان ويقطع التفكير فيها ويشغل نفسه بالطاعات. علمنا النبي صلى الله عليه وسلم كيفية التعامل مع وساوس الشيطان.
يبدأ الخطيب خطبته بالحمد لله رب العالمين ويكرر هذا الحمد، ثم يأتي بالشهادتين. يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أَمَّا بَعْدُ، عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ لَنَا فِي هَذَا الدِّينِ الْعَظِيمِ مَا هُوَ كَفِيلٌ لِإِصْلَاحِ هَذَا الْإِنْسَانِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَفِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، وَهُوَ الْقَائِلُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. فَمَا مِنْ صَغِيرٍ وَلَا كَبِيرٍ يَحْتَاجُهُ النَّاسُ فِي مَعَاشِهِمْ وَيَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي مَعَادِهِمْ إلَّا وَجَعَلَ لَهُمْ فِي هَذَا الدِّينِ مِنْهُ عِلْمًا. حَتَّى مَا يَمُرُّ بِالنَّاسِ وَمَا يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرَاضٍ وَأَسْقَامٍ وَأُمُورٍ مُعْتَرِضَةٍ تَكُونُ سَبَبًا لِتَنْكِيدِ حَيَاتِهِمْ أَوْ تَنْغِيصِ عَيْشِهِمْ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِذَلِكَ فِي هَذَا الدِّينِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْعِلَاجِ مَا يَكُونُ لَهُمْ بِهِ الشِّفَاءُ، وَمَا يَكُونُ لَهُمْ بِهِ الْعَيْشُ الطَّيِّبُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، وَكَذَلِكَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ دَاءٍ إلَّا وَأَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ». وَإِنَّ مِمَّا يَعْرِضُ لِلنَّاسِ وَيُنَغِّصُ عَلَيْهِمْ بَعْضَ حَيَاتِهِمْ، وَرُبَّمَا عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ الْكَثِيرِ مِنْ شُؤُونِهِمْ وَأُمُورِهِمْ، مَا يُبْتَلَى بِهِ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَمْرِ الْوَسْوَسَةِ، هَذِهِ الْوَسْوَسَةُ الَّتِي هِيَ مِنْ الشَّيْطَانِ. وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا بِالتَّعَوُّذِ مِنْهَا، وَأَخْبَرَنَا بِعَظِيمِ أَثَرِهَا عَلَى هَذَا الْإِنْسَانِ إنْ هُوَ الْتَفَتَ إلَيْهَا. قَالَ اللَّهُ جَلًّ وَعَلَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «الْوَسْوَسَةُ كَلَامٌ خَفِيٌّ يُلْقِيهِ الشَّيْطَانُ فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ، أَحْيَانًا بِشَيْءٍ يُسْمِعُهُ، وَأَحْيَانًا بِشَيْءٍ لَا يُسْمِعُهُ». فَهَكَذَا وَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ، عِبَادَ اللَّهِ، هِيَ مَا يُقْذَفُ فِي قَلْبِ هَذَا الْإِنْسَانِ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ إعَادٌ بِالشَّرِّ، وَبُعْدٌ عَنْ الْخَيْرِ. وَهِيَ تُقَابِلُ وَتُضَادُّ الْإِلْهَامَ الَّذِي يُقْذِفُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَلْبِ هَذَا الْإِنْسَانِ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ إعَادٌ بِالْخَيْرِ وَحَثٌّ عَلَيْهِ. فَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، مَرْفُوعًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً، وَإِنَّ لِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَلَمَّةُ الشَّيْطَانِ إعَادٌ بِالشَّرِّ وَحَثٌّ عَلَيْهِ، وَلَمَّةُ الْمَلَكِ إعَادٌ بِالْخَيْرِ وَحَثٌّ عَلَيْهِ»، أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَحَسَّنَهُ الْعَلَامَةُ الْأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مُرَاجَعَاتِهِ فِي «مَوْرِدِ الضَّمَانِ» وَغَيْرِهِ هَسَّنَهُ. هَذَا الْحَدِيثُ، عِبَادَ اللَّهِ، خَبَرٌ صَحِيحٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يُوقِعُ لَمَّةً فِي قَلْبِ هَذَا الْإِنْسَانِ، فَيَدْفَعُهُ إلَى فِعْلِ الشَّرِّ وَإلَى الْوُقُوعِ فِيهِ. وَأَنَّ كَذَلِكَ لِلْمَلَكِ لَمَّةً، وَهِيَ مَا يَكُونُ مِنْ إعَادِهِ بِالْخَيْرِ وَدَفْعِهِ إلَيْهِ. حَتَّى أَنَّهُ جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ جَلًّ وَعَلَا: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، عِبَادَ اللَّهِ، دَعَانَا ذَلِكَ إلَى أَنْ نَحْتَاطَ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ وَوَسَاوِسِهِ الَّتِي قَدْ تُؤَخِّرُنَا عَنْ الْوَاجِبَاتِ، وَوَسَاوِسِهِ الَّتِي قَدْ تُوقِعُنَا فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ. وَوَسَاوِسِهِ الَّتِي قَدْ تُثَقِّلُنَا عَنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ وَأَبْوَابِ الْخَيْرِ وَصُنُوفِ الْقُرَبَاتِ. وَوَسَاوِسِهِ الَّتِي قَدْ يَدْفَعُنَا إلَى الْفُضُولِ، ثُمَّ مَا بَعْدَهُ مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فِي الْوُقُوعِ فِي أَنْوَاعِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ وَالْمُوبِقَاتِ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا وَسَاوِسُهُ الَّتِي تَكُونُ فِي إشْغَالِ الْإِنْسَانِ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَصَرْفِهِ عَنْهَا. وَكَذَلِكَ إيقَاعُهُ فِي الشَّكِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ تَأَخُّرُهُ وَصَرْفُهُ عَنْ طَرِيقِ الْخَيْرِ الَّذِي أَحَبَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. فَلِذَلِكَ، عِبَادَ اللَّهِ، حَذَّرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ، تَارَةً بِالتَّعَوُّذِ مِنْهُ كَمَا سَمِعْنَا. وَتَارَةً بِمَا أَخْبَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مِنْ وَسْوَسَتِهِ لِأَبَوَيْنَا فِي الْجَنَّةِ، وَكَيْفَ كَانَتْ وَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ سَبَبًا فِي خُرُوجِ الْأَبَوَيْنِ مِنْ الْجَنَّةِ إلَى دَارِ الْابْتِلَاءِ وَالِامْتِحَانِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا. وَتَارَةً بِمَا يَكُونُ مِنْ إيقَاعِ هَذَا الْإِنْسَانِ فِي أَصْنَافِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي، بِتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ أَوْ بِفِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ. فَلِذَلِكَ، عِبَادَ اللَّهِ، يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ أَنْ يَتَّخِذَ الْوَسَائِرَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي يَحْتَاطُ بِهَا مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ. وَأَنْ يَحْتَمِيَ بِهَا بِاَللَّهِ جَلًّ وَعَلَا مِنْ مَكَائِدِهِ، وَمِنْ خُطُوَاتِهِ الَّتِي يُرِيدُ بِهَا صَرْفَ هَذَا الْإِنْسَانِ عَمَّا فِيهِ الْخَيْرُ لَهُ فِي دُنْيَاهُ وَفِي أُخْرَاهُ. وَلْيَتَذَكَّرْ وَلْيَتَذَكَّرْ هَذَا الْإِنْسَانُ كَثِيرًا قَوْلَ اللَّهِ جَلًّ وَعَلَا: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾. فَإِنَّ عَدَاوَتَهُ تَقْتَضِي أَنْ لَا نُقَرِّبَهُ، وَأَنْ لَا نَقْبَلَ مِنْهُ إيحَاءً، وَلَا نَلْتَفِتَ إلَى شَيْءٍ مِنْ وَسَاوِسِهِ. وَأَنْ نَحْذَرَ مِنْ آثَارِ وَسَاوِسِهِ وَخُطُوَاتِهِ. فَإِذَا رَأَيْت فِي نَفْسِك، عَبْدَ اللَّهِ، تَأَخُّرًا فِي طَاعَةٍ، أَوْ فُضُولًا فِي الْوُقُوعِ فِي بَعْضِ الْمَعَاصِي، فَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ دَخَلَ إلَى قَلْبِك، وَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُوقِعَ بِك وَيَفْتِكَ بِك. فَعِنْدَ ذَلِكَ خُذْ الْحَذَرَ، فَهَذِهِ أَوَّلُ خُطُوَاتِهِ. فَأَوَّلُ خُطُوَاتِهِ أَنْ يُوقِعَك فِي هَذِهِ الْوَسْوَسَةِ، وَهِيَ الَّتِي تَتْبَعُهَا حَدِيثُ النَّفْسِ. فَإِذَا جَاءَ حَدِيثُ النَّفْسِ أَتْبَعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَكُونُ مِنْ فِعْلِ الْجَوَارِحِ، تَارَةً بِلَحْظِ الْعَيْنِ، وَتَارَةً بِإِقْبَالِ الْأُذُنِ، وَتَارَةً بِحَرَكَةِ اللِّسَانِ، وَتَارَةً بِخُطُوَاتِ الرِّجْلِ. وَقَدْ صَحَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إنَّ الْعَيْنَ تَزْنِي، وَزِنَاهَا النَّظَرُ، وَإِنَّ الْأُذُنَ تَزْنِي، وَزِنَاهَا السَّمْعُ، وَإِنَّ اللِّسَانَ يَزْنِي، وَزِنَاهُ الْحَدِيثُ، وَإِنَّ الْيَدَ تَزْنِي، وَزِنَاهَا الْبَطْشُ، وَإِنَّ الرِّجْلَ تَزْنِي، وَزِنَاهَا الْمَشْيُ، وَإِنَّ الْقَلْبَ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَإِنَّ الْفَرْجَ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ». فَإِذَا تَأَمَّلْت هَذَا الْحَدِيثَ، وَمَا جَاءَ بِمَعْنَاهُ مِنْ أَلْفَاظٍ، وَتَأَمَّلْت كَيْفَ يَسْتَدْرِجُ هَذَا الشَّيْطَانُ الْإِنْسَانَ فِي الْوُقُوعِ فِي الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي، خُطْوَةً خُطْوَةً، حَتَّى يُوقِعَهُ فِيمَا يَطْمَعُ فِيهِ وَيُرِيدُهُ مِنْ الشَّرِّ لِهَذَا الْإِنْسَانِ، فِيمَا يَكُونُ مِنْ سُوءِ عَاقِبَتِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَمَا يَكُونُ كَذَلِكَ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ جَلًّ وَعَلَا فِي الدُّنْيَا. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَجَبَ عَلَيْنَا، عِبَادَ اللَّهِ، أَنْ نَأْخُذَ الْحِيَطَةَ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ وَأَعْمَالِهِ وَخُطُوَاتِهِ الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا فِي خَسَارَتِنَا فِي الدُّنْيَا، وَكَذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ. وَمِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ، عِبَادَ اللَّهِ، أَنَّهُ كَذَلِكَ قَدْ يَرِدُ فِي قُلُوبِ بَعْضِ الصَّالِحِينَ وَأَهْلِ الْإِيمَانِ، فَيُدْخِلُ عَلَيْهِمْ مَا يُنَازِعُ إيمَانَهُمْ. فَإِذَا وَجَدَ الْمُسْلِمُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلْيَثِقْ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ مُحَاوَلَةِ الشَّيْطَانِ فِي إفْسَادِهِ وَإِغْوَائِهِ وَصَرْفِهِ عَنْ الْخَيْرِ الَّذِي هُوَ لَهُ. فَفِي الصَّحِيحِ، فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» وَغَيْرِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَتَوْا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أَحَدَنَا لَيَجِدُ فِي نَفْسِهِ مَا يَتَعَاظَمُ أَنْ يَتَحَدَّثَ بِهِ. فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَوَجَدْتُمْ ذَلِكَ؟» قَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «ذَلِكَ مِنْ صَرِيفِ الْإِيمَانِ، ذَلِكَ مِنْ صَرِيفِ الْإِيمَانِ». فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَأْتِي إلَى بَعْضِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، فَيُحَاوِلُ أَنْ يُصْرِفَهُ، وَأَنْ يُزِيغَهُ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الْخَيْرِ. فَيُشَكِّكُهُ تَارَةً فِي أَصْلِ الْإِيمَانِ، وَتَارَةً فِي صِحَّةِ الْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ. فَيَقُولُ لَهُ: إنَّمَا تَفْعَلُ ذَلِكَ رِيَاءً، إنَّمَا تَفْعَلُ ذَلِكَ رِيَاءً. وَهُوَ يُرِيدُ بِهِ أَنَّ يُصْرِفَك عَنْ هَذِهِ الطَّاعَةِ. إنْ كُنْت تَقُومُ اللَّيْلَ، يُرِيدُك أَنْ تَتْرُكَ قِيَامَ اللَّيْلِ. وَإِنْ كُنْت تُصَلِّي صَلَاةَ نَافِلَةٍ، يُرِيدُك أَنْ تَتْرُكَ صَلَاةَ النَّافِلَةِ. وَإِنْ كُنْت تَصُومُ صِيَامَ التَّطَوُّعِ، يُرِيدُك أَنْ تَتْرُكَ صِيَامَ التَّطَوُّعِ. وَإِنْ كُنْت كَذَلِكَ تَحْرِصُ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، أَوْ عَلَى الصَّدَقَةِ، أَوْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ الطَّاعَاتِ وَالْقُرَبَاتِ. فَهُوَ يَأْتِي إلَيْك يُوَسْوِسُ فِي نَفْسِك حَتَّى تَنْصَرِفَ عَنْ تِلْكَ الطَّاعَاتِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ تَتَذَكَّرُ هَذَا الْحَدِيثَ الْعَظِيمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ مِنْ صَرِيفِ الْإِيمَانِ، وَمِنْ مُحَاوَلَةِ الشَّيْطَانِ لِزَيْغَتِك وَصَرْفِك وَوَسْوَسَتِك، حَتَّى تَنْصَرِفَ عَنْ هَذَا الْخَيْرِ الَّذِي وَفَقَك اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إلَيْهِ. وَمِنْ ذَلِكَ، عِبَادَ اللَّهِ، أَنَّهُ يُحَاوِلُ أَحْيَانًا أَنْ يُوقِعَ فِي نَفْسِك بَعْضَ الْوَسْوَسَةِ حَتَّى فِي أَصْلِ الْإِيمَانِ. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَاحْذَرْ أَنْ تَسْتَرْسِلَ فِي الْاسْتِمَاعِ لِتِلْكَ الْوَسَاوِسِ. فَمَا مَثَلُهُ إلَّا كَمَثَلِ رَجُلِ السُّوءِ الَّذِي يُحَدِّثُ فِي أُذُنِك لِأَجْلِ أَنْ يُصْرِفَك عَنْ الْخَيْرِ، وَيُشَكِّكَك فِيمَا أَنْت فِيهِ، لِأَجْلِ أَنْ يَجُرَّك إلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَأَتْبَاعُهُ مِنْ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ. وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ». وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ». فَلَا تَتَّخِذْ، لَا تَتَّخِذْ يَا عَبْدَ اللَّهِ، الشَّيْطَانَ لَك خَلِيلًا. وَلَا تَتَّخِذْ يَا عَبْدَ اللَّهِ الشَّيْطَانَ لَك جَلِيسًا، بِالِاسْتِمَاعِ إلَى وَسَاوِسِهِ وَالِاسْتِرْسَالِ فِي خَوَاطِرِهِ. وَكَذَلِكَ كَثْرَةُ التَّفَكُّرِ وَالتَّأَمُّلِ فِيمَا يُلْقِيهِ فِي قَلْبِك مِنْ تِلْكَ الْإِحَاطَةِ الَّتِي تُوقِعُك وَتَوْرِدُك فِي طَرِيقِ الشَّرِّ وَالسُّوءِ. بَلْ الْعِلَاجُ أَنْ تَقْطَعَ ذَلِكَ، وَأَنْ تَتَعَوَّذَ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إنَّ الشَّيْطَانَ لَيَأْتِي لِيَأْتِيَ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَلْيَنْتَهِ». وَلْيَنْتَهِ، وَلْيَنْتَهِ. وَهَذَا هُوَ الْعِلَاجُ، عِبَادَ اللَّهِ، هَذَا هُوَ الْعِلَاجُ. أَنْ تَتَعَوَّذَ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَتَنْتَهِيَ عَنْ أَنْ تَتَفَكَّرَ فِي تِلْكَ الْوَسَاوِسِ. وَأَنْ تَسْتَرْسِلَ فِي تِلْكَ الْخَوَاطِرِ. وَأَنْ تُضَيِّعَ وَقْتَك فِي التَّفَكُّرِ وَالتَّأَمُّلِ فِي تِلْكَ الْإِحَاطَةِ وَالْإِيرَادَاتِ الَّتِي يُوَرِّدُهَا الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِك. بَلْ انْتَهِ، وَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. وَاشْغَلْ نَفْسَك بِأَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ وَصُنُوفِ الْقُرَبَاتِ. أَوْ حَتَّى بِبَعْضِ الْمُبَاحَاتِ بِمَا يَقْطَعُ تِلْكَ الْخَوَاطِرَ وَتِلْكَ الْوَسَاوِسَ مِنْ قَلْبِك. لَوْ أَنَّك تَقُومُ فَتَعْمَلُ عَمَلًا مُبَاحًا، تَضْرِبُ مِسْمَارًا فِي جِدَارٍ، أَوْ تَأْخُذُ حَجَرًا مِنْ طَرِيقٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، لَكَانَ هَذَا خَيْرًا لَك مِنْ أَنْ تَقْعُدَ فَتَسْتَرْسِلَ فِي تِلْكَ الْخَوَاطِرِ وَتِلْكَ الْوَسَاوِسِ الَّتِي تُصْرِفُك عَنْ طَرِيقِ الْخَيْرِ، وَتُوقِعُك فِي طَرِيقِ الشَّرِّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ «الشَّيْطَانَ يَنْصِبُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، فَلَا يَزَالُ يَأْتِيهِ جُنْدُهُ، فَيَسْأَلُهُمْ: مَا صَنَعْتُمْ؟ فَيَكُونُ أَحْضَرَهُمْ عِنْدَهُ مَجْلِسًا، وَأَقْرَبَهُمْ إلَيْهِ مِنْزِلَةً، مَنْ كَانَ أَشَدَّهُمْ لِلنَّاسِ فِتْنَةً، مَنْ كَانَ أَشَدَّهُمْ لِلنَّاسِ فِتْنَةً». فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَاحْذَرْ، عَبْدَ اللَّهِ، أَنْ يَفْتِنَك الشَّيْطَانُ، وَأَنْ يُصْرِفَك عَنْ طَرِيقِ الْخَيْرِ. وَمِنْ ذَلِكَ، عِبَادَ اللَّهِ، أَنَّهُ قَدْ يَأْتِيَك كَذَلِكَ فِي صَلَاتِك، قَدْ يَأْتِيَك فِي صَلَاتِك، فَيُشْغِلَك، وَكَذَلِكَ يُشَكِّكَك فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ، وَانْتَهِ كَذَلِكَ عَمَّا يُرِيدُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَرْفِك عَنْ عِبَادَةِ رَبِّك جَلًّ وَعَلَا، وَالِانْشِغَالِ مِمَّا فِيهِ الْخَيْرُ لَك مِنْ صَلَاتِك وَإِقْبَالِك عَلَى رَبِّك سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَقَدْ ثَبَتَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّهُ شَكَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَلَاتِهِ وَقِرَاءَتِهِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّمَا ذَلِكَ مِنْ الشَّيْطَانِ، إنَّهُ خَنْزَبٌ»، أَيْ: صِنْفٌ مِنْ أَصْنَافِ الشَيَاطِينِ، قَدْ تَخَصَّصُوا فِي إشْغَالِ النَّاسِ فِي صَلَاتِهِمْ. قَالَ: «فَإِذَا وَجَدْت ذَلِكَ، فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ، وَانْفُثْ عَنْ يَسَارِك ثَلَاثًا». فَهَكَذَا تَفْعَلُ إذَا جَاءَك فِي صَلَاتِك، فَأَرَادَ أَنْ يُشَكِّكَك فِيهَا، وَيُشْغِلَك عَنْهَا، وَيُصْرِفَك عَنْ قِرَاءَتِك، أَوْ يُشَكِّكَك فِي قِرَاءَتِك. فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَانْفُثْ ثَلَاثًا عَنْ يَسَارِك. وَالنَّفْثُ دُونَ التَّفْلِ، بَلْ هُوَ حَرَكَةُ اللِّسَانِ مَعَ الشَّفَةِ بِمَا يُظَنُّ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ. فَتَقُولُ هَكَذَا ثَلَاثًا، تَنْفُثُ عَنْ يَسَارِك كَمَا عَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَعِنْدَ ذَلِكَ يُصْرِفُ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الشَّيْطَانَ عَنْك. وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْقَوِيُّ الَّذِي يَرُدُّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ. وَلِهَذَا أَمَرَنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنْ هَذَا الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وَكَذَلِكَ أَيْضًا، عَبْدَ اللَّهِ، قَدْ يَأْتِيَك فِي طَهَارَتِك، أَوْ يَأْتِيَك فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ الطَّاعَاتِ وَأَنْوَاعِ الْقُرَبَاتِ. فَإِذَا وَجَدْت ذَلِكَ، فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَانْتَهِ عَنْ تِلْكَ الْخَوَاطِرِ وَتِلْكَ الْوَسَاوِسِ. يَكُونُ بِذَلِكَ الْعِلَاجُ. نَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُفَقِّهَنَا فِي دِينِنَا، وَأَنْ يُبَصِّرَنَا بِمَوَارِدِ شَرْعِنَا، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ يَسْتَمِعُ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُ أَحْسَنَهُ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلِيُّ الصَّالِحِينَ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّ