تنبيهات بلزوم فتوى الأكابر في القرارات الاحترازية في الجمع والجماعات

المحاضرة بعنوان تنبيهات بلزوم فتوى الأكابر في القرارات الاحترازية في الجمع والجماعات، وكانت يوم الأحد ٨ شوال ١٤٤١هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

وجوب طاعة ولاة الأمر ومرجعية العلماء

يؤكد الشيخ على أهمية طاعة ولاة الأمر ومرجعية العلماء في أوقات النوازل، ويحذر من الانسياق وراء تشويش الخارجين. حكم الحاكم يرفع الخلاف في المسائل الخلافية.

أهمية الطاعة في زمن الفتن والمصالح

يجب طاعة العلماء والأمراء في زمن الفتن، خاصة إذا كان حكمهم يرفع الخلاف ويحقق المصلحة العامة. يجب لزوم الصمت وترك الأمر لأهل الاستنباط.

مراعاة المصالح والمفاسد في القرارات

يُناقش أهمية طاعة العلماء والأمراء ومراعاة المصالح والمفاسد في القرارات، ويُحذر من مخالفة العلماء وتشويش الناس عليهم. ضرورة لزوم غرز الأكابر والاستمساك بنصائح العلماء.

ختام بالدعاء والثناء على الله

المقطع يتضمن دعاء لله بالتوفيق والحماية من الشرور، ويعبر عن الثناء على الله وحمده، ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ففي هذه الليلة، ليلة الأحد ثامن من شوال في عام 1441 الهجرة، جاءت أسئلة كثيرة من عدة جهات فيما يتعلق بأولًا: فتح المساجد في المملكة العربية السعودية، في أرض الحرمين، مع الشروط الاحترازية التي أمر بها وأفتى بها كبار العلماء. فجاء هذا الأمر، وفرح به -بفضل الله سبحانه وتعالى- المسلمون المتعلق قلوبهم ببيوت الله سبحانه وتعالى. فحصل من بعض المشوشين أن أخرجوا كلامًا شوش على بعض الناس، سواء فيما يتعلق بتطبيق هذا القرار مع الإجراءات الاحترازية المرافقة له، أو كذلك تعميم هذا القرار في بلدان أخرى لم يأتِ الإذن حقيقة بالتعميم أو بالرخصة بعد. فأقول: ألخص الجواب على ما ورد من أسئلة كثيرة في عدة تنبيهات. التنبيه الأول: أذكر نفسي وإياكم وإخواني وأبنائي بالأصل العظيم من أصول شريعتنا، ومما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، قال: وهو وجوب طاعة ولاة الأمر من العلماء والأمراء في طاعة الله سبحانه وتعالى، بل هو من ثوابت الدين المعلومة من الدين بالضرورة. وقد تضافرت وتكاثرت الأدلة من الكتاب والسنة على هذا الأصل. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. وأولو الأمر -كما ذكر العلماء منهم الإمام ابن القيم رحمه الله- هم العلماء والأمراء. ويتأكد هذا الأمر عند النوازل، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. فالواجب عند نزول النوازل إرجاع الأمر إلى أهل الاستنباط، أهل الرسوخ في العلم والإمامة والديانة، مرجعية الأمة الحقيقية. فلا ينبغي أن تختلف الأوراق في وقت النوازل، وفي وقت الفتن يتكلم التافه والرويبضة في أمر الناس عامة. لا يجوز أن يسمع لكل أحد في وقت الفتن، في وقت النوازل. فلينبغي أن يسمع للعلماء، للأكابر. في حديث ابن عباس الذي رواه ابن حبان والطبراني في الأوسط بإسناد حسن، ويصححه جماعة من أهل العلم، وله شواهد وطرق كثيرة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «البركة مع أكابركم». فيجب لزوم غرز الأكابر. وبفضل الله سبحانه وتعالى، لا يخفى على العقلاء من هم الأكابر؟ أكابر أهل العلم المرجعية الذين يرجع إليهم. فإذا أشكل على الناس شيء، فإنما يرجعون إلى أكابر العلماء. فكذلك من باب أولى في وقت النوازل. وبه نعرف أن من يطعن في مرجعيتهم أو يشكك في فتاويهم، أنه فيه نزعة خارجية. ولذلك لا تجد من يسلك هذا المسلك إلا أحد رجلين: الطائفة الأولى: من فيهم نزعة خارجية على ولاة الأمر، كأهل المذاهب والمناهج المنحرفة، الخوارج بأنواع قوافلهم، سواء من كان موجودًا في عصرنا فسمي بمسمى خوارج حقيقة، أو تغيرت الأسماء. فهؤلاء هم الذين يشوشون ويتطاولون على أكابر أهل العلم وفتاويهم في قضايا كثيرة، ومنها هذه القضية. وهكذا أصحاب الحزبيات والمناهج المنحرفة السياسية، كالإخوان المسلمين، سواء سموا بهذا الاسم أو سموا بمسميات أخرى. فلهم مسميات كثيرة، كلهم يدخلون بمعنى الخوارج. الخوارج سواء من خرج بالسيف والسنان، كالجماعات التي خرجت بالسلاح على المسلمين وانتسبت إلى الإسلام ظلمًا وزورًا، أو من خرج بالخطب والفتاوى والكتابات والتهيجات. فأمثال هؤلاء ليسوا مرجعية للأمة، ولا ينبغي أن يلتفت إليهم، فضلًا أن ينقل تشويش هؤلاء. فمثلًا: أضرب مثلًا، وإلا فأمثال هؤلاء كثير. انتشر في بعض وسائل التواصل الاجتماعي ما نقله حاكم المطيري المتطاول على أكابر أهل العلم، صاحب الشذوذات الكثيرة العلمية، فضلًا عن منهجيته المنحرفة المعروفة. فهو صاحب لوثة حزبية خارجية، ولا أدل على ذلك كتابه «الحرية أو الطوفان» الذي تبنته قوافل كثيرة، بل وأشاد به رؤوس الخوارج في هذا الحصر، كالمسعر وغيره. فهل مثل هذا الرجل وكلامه بمثل هذه النازلة يصلح أن يعارض به كلام الأكابر، كهيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة وغيرهم من علماء السنة في عدة بلاد من بلاد المسلمين، من عرفوا بالثبات على السنة والرسوخ عليها لسنين طويلة؟ فينبغي أن ننتبه لهذا الأمر الخطير الذي صار -وللأسف- يشوش على بعض العامة وأشباه العامة وصغار طلبة العلم، بتكثير النقولات التي يقصد بها زعزعة المجتمعات عن متابعة فتاوى كبار أهل العلم. وصنف آخر من الخوارج على العلماء، كالحدادية والحجورية. ففي هذه النازلة وافقوا الخوارج في هذه القضية، فلهم حملة شرسة من بداية هذه النازلة إلى يومنا هذا، ولهم فتاوى وكتابات وكلمات فيها التهييج وزعزعة الثقة بفتاوى أكابر أهل العلم، بل والخروج عن طاعة ولاة الأمر فيما أمر به من أوامر المقصود منها سلوك الجانب الاحترازي لحفظ المجتمع في هذه النازلة من هذا الداء، داء كورونا. فلا ينبغي أن يعول أمثال هؤلاء، كذلك ولا ينظر إلى تشويشهم. وينبغي أن يبقى المجتمع واثقًا بمرجعيته الحقيقية، أكابر أهل العلم الذين عرفهم ووثق بطريقتهم. بل أدلّك عمومات الشريعة على وجوب لزوم غرزهم. هذا التنبيه الأول ينبغي أن لا نغفل عنه، وأن يذكر بعضنا بعضًا به. ويلحق به التنبيه الثاني، ألا وهو أن بعض ما صدر من العلماء في هذه النازلة صدر في قضايا قد يكون بعضها وقع فيه خلاف. فبعض المسائل من المسائل الخلافية، لكن لا يخفى علينا ما ذكره العلماء في كلامهم على القاعدة الفقهية المشهورة: أن حكم الحاكم يرفع الخلاف. وبعض تفاصيل هذه القاعدة فيها خلاف لا يخفى، لكن عند المحققين من أهل العلم الذين عرفوا بالأمانة والديانة والعلم، قديمًا وحديثًا، يقررون هذه القاعدة، خصوصًا إذا اقتضته المصلحة العامة، فيكون بها اجتماع كلمة المسلمين، ويرتفع عن المسلمين به ضرر. فإذا كان الحال كهذا، فلا خلاف بينهم بأنه يجب لزوم حكم الحاكم. وإذا قيل: حكم الحاكم، فالمراد به الإمام أو من ينوبه من القاضي والمفتي ونحوه. فإن حكم الحاكم يرفع الخلاف بلا شك بهذا الوصف. وقضيتنا بهذه النازلة لا شك أنها كذلك. فإذا كان كلام أكابر أهل العلم في بعض القضايا هي من المسائل الخلافية، فكونه صدر وأيده بعد فتوى كبار أهل العلم بأمر السلطان وولي الأمر، فينبغي أن لا ينازع. وهذا من الفقه الذي يخفى على من لا رسوخ عنده في العلم، كأمثال من ذكرنا من الخوارج على العلماء، الذين بسبب عدم رسوخهم في العلم تجرأوا أن يتطاولوا على أكابر أهل العلم ويخرجوا عليهم. لأنهم لم يبلغوا من العلم وغوره ما يجعلهم يعرفون أن كلام أهل العلم إنما هو لمعرفتهم وضلوعهم بحقيقة العلم. فليس هو تساهلًا ولا تلاعبًا، وحاشى أن يظن هذا الظن السيء بمرجعية الأمة وعلمائها. فينبغي الحذر من هذا المسلك، مسلك الهمز واللمز والتعريض بأمانة هؤلاء العلماء الكبار وديانتهم، أو كذلك التشكيك في رسوخهم في العلم. وهم إذا تكلموا تكلموا بعلم، وإذا أمسكوا أمسكوا بعلم. ولذلك فإن أهل الرسوخ في المسائل الخلافية التي لم يأتِ فيها حكم الحاكم يتكلمون ويبدون رأيهم، ولكن إذا جاء حكم الحاكم توقفوا ولم يعارضوا، وتركوا حكم الحاكم يمشي، ولو كان في أصل الأمر قد خالف هذا القول. لأن بهذا تجتمع كلمة المسلمين ولا تتفرق، وتحصل لهم بهذا الاجتماع المصلحة، ويرتفع الضرر. وأضرب لكم مثلًا: انظروا إلى فتوى شيخنا الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله، ونفعنا والمسلمين ومتعنا بعلمه. كانت له فتوى في البداية قبل أن يصدر شيء، حين كان هذا الأمر يفعل في أماكن أخرى، ولم يتبن هذا القول الحاكم، ولم تأمر به هيئة كبار العلماء، ولا اللجنة الدائمة. قضية الصلاة مع تفرق الصفوف، كان يله كلام في أول الأمر. فلما نزل بيان اللجنة الدائمة، أخرج ما لا يخفى عليكم من تنبيه دقيق يدل على ديانته وأمانته ورسوخه في العلم. هذا درس علمي عملي لمن يعرف العلم وقدر أهل العلم. لكن من لا يعرف هذا، كالحدادية والحجورية وأمثالهم من الخوارج على العلماء، لا يفقهون مثل هذا. إنما يحسنون التشويش وإثارة الفتن في المجتمع، غير مبالين بالعواقب، لا يكترثون بقضية تفرق الأمة وحصول الفتن. ضمن منهم أنهم محافظون على السنة، ثابتون راسخون. وما علموا أن السنة تأمر بلزوم غرز الأكابر، وتأمر بالاجتماع وعدم التفرق، وتأمر بمراعاة المصالح ودرء المفاسد، وتأمر بدفع الضرر. وكل هذا له أدلته وقواعده المعروفة التي لا تخفى على العارفين فيما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. وكثر الكلام عليه عن العلماء والأئمة. التنبيه الثالث: أن نعلم -أيها الأحبة- أن الواجب في وقت الفتن لزوم الصمت وعدم الخوض فيما لا يعنيك، يا أيها المسلم. وما لا يجوز لك أصلًا أن تخوض فيه، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾. لا يجوز إشاعة القيل والقال وتناقل المقولات والكلمات، وضرب بعضها ببعض. بل ينبغي أن يلزم الصمت الجميع، ليسمع كلام الأكابر فيفهم ويؤخذ به. وهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. فيترك الأمر لأهل الاستنباط حتى يتكلموا، ولا يكون إلا صوتهم وكلامهم. لا يشوش عليه، ولا يعارضه غيره. فلذلك: احذر من نقل الشائعات وتناقل المشوشات والمعارضات بكلام أكابر أهل العلم. والتنبيه الذي بعده: ينبغي أن نعلم أن الفقه الحقيقي ليس هو العلم بالمسائل، أو العلم بالدلائل. ولكن العلم الحقيقي والفقه الحقيقي هو وضع الدلائل للمسائل بما دلت عليه الشريعة. ومن ذلك: الرخصة وقت الرخصة، والتشدد وقت التشدد، والمنع وقت المنع. ومن هذا الباب: ما روي عن الثوري رحمه الله فيما ذكره ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله»، أنه قال: «إنما العلم الرخصة من ثقة». أما التشدد فيحسنه كل أحد. «العلم هو الرخصة من ثقة». وتأمل قوله: «من ثقة»، يعني: ليس من كل أحد. فمن يشك في ثقة أكابر أهل العلم الذين تكلموا في هذه النازلة، كاللجنة الدائمة، ومن عرفناهم وعرفهم المجتمع بأمانتهم وديانتهم وعلمهم، كالشيخ عبد العزيز آل الشيخ، والشيخ الفوزان، وغيرهم من المشايخ الكبار والمعروفين الذين تكلموا في هذه النازلة وتفاصيلها وقضاياها. فينبغي أن نفقه هذا، وأن نقف معه وقفًا. التنبيه الذي بعده: ينبغي أن نعلم أن هذه الإجراءات الاحترازية التي صدرت في هذه المحنة والفتنة، وهذا البلاء -نسأل الله عز وجل أن يرفعه عنا وعن المسلمين- إنما أريد به حفظ المجتمع وصيانته، أن لا يلحقه ضرر. وما دام كان الأمر كذلك، وكما تقدم معنا كلام أهل العلم في أن حكم الحاكم يرفع الخلاف، خصوصًا في مثل هذه القضايا، فيجب طاعة العلماء والأمراء والحال هذا. فإذا منعوا مثلًا أشياء، ومنها الصلاة بالمساجد لهذه المصلحة، فيجب طاعتهم في ذلك. وإذا أذنوا برفع بعض ما منعوا، ولكن بشروط، فيجب طاعتهم فيه. ولا يصح أن يقول قائل: «إنما الطاعة بالمعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». فيقال: سبحان الله! وهل يرضى هؤلاء العلماء بمعصية الخالق؟ لكن لو تأملت حقيقة الأمر، وجدت أن كلامهم ليس فيه معصية. فترك الجمع والجماعات إذا كان لدفع ضرر، هذا شيء دلت عليه أصول الشريعة وأدلة كثيرة. وقد رخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجمع بين الصلاتين لأجل المطر، ولأجل الخوف. وأيهما أشد ضررًا: المطر، أو مثل هذه النازلة التي تزهق فيها الأرواح والأنفس؟ وثبت بكلام أهل الخبرة أن عدواه سريعة، وآثاره فتاكة. كل عاقل ومنصف سيعلم أن كلام أكابر أهل العلم لم يكن إلا موافقًا لما دلت عليه الشريعة. وعلى التنزل: لو قيل أنه من المسائل التي يسعى فيها خلاف، فيقال: هذا إذا لم يأمر به الحاكم، ومن ينوبه من العلماء. فينبغي التنبه لهذا، ولا ينبغي معارضة العلماء والحال هذه. كذلك إذا جاءت الرخصة بشروط واحترازات، فينبغي لزوم هذه الشروط والاحترازات. ولا يصح أن يعارض فيقال: «أمروا بما ينافي السنة». فمثلًا: قضية الصفوف التي شوش بها الخوارج على العلماء، ويستدلون بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة منفردًا خلف الصف، وأن هذه الكيفية خلاف السنة. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». فيقال: صحيح، إذا كان هذا ليس له سبب ولا عذر. أما ما دام له سبب وعذر، فأين فقهكم؟ وقد دلت أدلة كثيرة على جواز ترك بعض الأركان، فضلًا عن الواجبات. انظروا إلى صلاة الخوف، وانظروا كذلك إلى ما تقدم من الرخصة في الجمع، جمع الصلاتين. تفاصيل كثيرة تتعلق بأصل الصلاة، وتتعلق بكيفية الصلاة، دلت عليها الأدلة الشرعية: أنه إذا وجد سبب، فالشرع لا يفرق بين مجتمع، كما لا يجمع بين متفرق. وهذه القاعدة دلت عليها نصوص كثيرة. ثم أين حسن الظن بالعلماء؟ وهل يصح أن يقول من عنده مسكة عقل، أو معرفة بالعلم وأهله: أن يهيج المجتمع لمخالفة العلماء في هذه القضية، والأمراء؟ لتكون الفوضى والفتن والنزاعات والخلاف في المجتمع. هل هذا تصرف حكيم؟ هل هذه فتوى حكيمة؟ لكن من يعرف هذا، من يفقه مثل هذا؟ والله المستعان. مع ما لا يخفى: أن القضية لو تنزل فيها الأقوال، هي من المسائل التي يجتهد فيها العالم، فهو بين الأجر والأجرين. لأن هذه نازلة جديدة. فإذا أفتى المفتي، وتبنى هذه الفتوى الحاكم، فيجب عند ذلك أن يلزم ويلتزم الجميع بذلك، حتى لا تتفرق كلمة المسلمين. ثم من كان بنفسه شيء، رخص له أن لا يحضر، ولا يصلي مع الجماعة. ليس لأجل هذه القضية، انتبه! ولكن لأجل ما علم من أن الداء ما زال موجودًا. فمن أراد السلامة لنفسه، فلا حرج أن لا يحضر إلى الجمع والجماعات. وهذا هو أحد التنبيهات في هذه الكلمة: أنه وإن أذن بإقامة الجمعة والجماعة على هذا الوصف، فلا يعني ذلك وجوب الجمعة والجماعة. لأن الخوف ما زال موجودًا، وخصوصًا من علم أنه مظنة سرعة الإصابة، ككبار السن ونحوهم، وأصحاب الأسقام، ومن في صحتهم بعض الضعف. فإن أمثال هؤلاء يلزمون بيوتهم. ولهذا جاءت القرارات الاحترازية بمنع أمثال هؤلاء، حفظًا لهم أن لا ينالهم شيء من الضرر. ولا يخفى علينا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». والقاعدة الفقهية المشهورة: «الضرر يزال»، دلت عليه أدلة الكتاب والسنة الكثيرة. التنبيه الذي بعده: أن هذه الرخصة التي رخص بها بعد المنع في أرض الحرمين، في المملكة العربية السعودية، جاءت بعد دراسة ومعرفة للواقع. فأمر ولاة الأمر، وأخرج العلماء الفتاوى. وجاءت هذه الرخصة مع ما فيها من قرارات احترازية مرافقة. لكن لا يعني ذلك أن يعمم هذا على جميع البلدان الأخرى. وهذا من الأسئلة التي وردت. فبعض استدل بهذا الحدث أن يفتح المساجد في بعض الدول المجاورة، كاليمن مثلًا. وقالوا: قد فتح في السعودية، فينبغي أن يفتح في اليمن. وهذا غير صحيح. والعجيب أن بعض هؤلاء الذين انتقدوا على هذه القرارات من المتطاولين على العلماء، عارضوا بما جاء في هذه القرارات. ثم في نفس الوقت -وهذا من التناقض- استدلوا به على وجوب أو لزوم فتح المساجد في اليمن. وهذا عجيب تناقض، سبحان الله! عجيب. وكما تقدم معنا في أول الكلمة: هذه القرارات الاحترازية إنما صدرت -سواء منعا أو رخصة بقيودها- مراعاة لمصلحة المجتمع والواقع. أولًا: في اليمن، لكل منصف وعارف، واضح جدًا أنه لا يصلح فتح المساجد مع انتشار المرض، وهو في ذروته في هذه الأيام. ولا أدل على ذلك كثرة الإصابات، بل والوفيات في عدة مناطق ومدن. ثم قبل هذا لم يأذن ولي الأمر، ولم تأتِ الرخصة. أما كونه يوجد في المجتمع بعض المتلاعبين والمستهترين، ومن لا يلتزم بهذه القرارات، هذا لا يعني أن المسؤولية سقطت، وأن هذه الأوامر والقرارات انتهت. المسلم الصادق عليه أن يلزم ما علم من دين الله عز وجل، طاعة الأمراء والعلماء. ثم كذلك ما لا يخفى من مراعاة المصالح والمفاسد. لأن هذه القرارات جاءت لحفظ المجتمع. ولا يصح كذلك أن تقول: «كيف نمنع عن مساجد، والأسواق مليئة؟» طيب! أنت مسؤول عن المسجد، لست مسؤولًا عن السوق. من هو مسؤول عن السوق؟ هو الذي سيحاسب، وهو الذي سيعاقب، وهو الذي سيسأل يوم القيامة عما صدر، إذا وقعت كوارث بسبب هذه الخلطة وعدم المبالاة بالقرارات الاحترازية التي صدرت، وأمرت بها الدولة. لكن أنت ماذا ستصنع؟ وأنت قد أمرت، فعصيت! بل وليس هذا فحسب، تتطاول وتشوش وتشكك. فينبغي أن نعيد النظر -أيها الأحبة- في مثل هذه التصرفات، وهذه الفوضى التي -وللأسف- يتبنى بعض من ينتسب إلى العلم والدين. نسأل الله سبحانه وتعالى الهداية والسلامة للجميع. وأخيرًا: أنصح نفسي وإخواني من الآباء والإخوة والأبناء، أن نتق الله عز وجل في أنفسنا، في السر والعلن، في الصغير والكبير، والقليل والكثير. وأن نعلم أن الواجب علينا لزوم ما أمرنا الله عز وجل به بكتابه، سنة نبيه عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك: لزوم غرز الأكابر، والاستمساك بنصائح العلماء الذين عرفناهم بالإمامة والديانة والنصح لهذه الأمة. ولا ينبغي أن نقبل التشويش، ولا التشكيك في نصائحهم. مع ما لا يخفى علينا: أنهم إنما أرادوا الخير للمجتمع والسلامة والحفظ والصيانة. ومن كان هذا حاله، فلا ينبغي إلا أن يكون معه الإجلال والاحترام والطاعة والاستفادة من نصائحه وتوجيهاته. وأن نعرف له قدره. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يدفع عنا وعنكم كل شر وضير، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.