شرح العقيدة الواسطية للهراس 17

شرح العقيدة الواسطية للهراس 17

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 17، الدرس السابع عشر : (ومن الأيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه ... حين سئل عن كيفية استوائه تعالى على العرش الاستواء معلوم والكيف مجهول). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الإيمان بالله وصفاته ومفهوم التحريف

يتناول هذا الفصل مفهوم الإيمان بالله وصفاته، ويشرح معنى التحريف وأصله اللغوي، مع ذكر أمثلة من القرآن والسنة. يوضح أهمية فهم الصفات الإلهية بشكل صحيح.

التحريف والتعطيل في الأسماء والصفات الإلهية وأنواعهما

يناقش هذا الفصل مفهوم التحريف والتعطيل في الأسماء والصفات الإلهية، ويوضح أنواعهما ومخاطرهما على العقيدة. يبين أن التحريف يشمل تغيير اللفظ أو المعنى، بينما التعطيل يعني نفي الصفات.

الفرق بين التحريف والتعطيل وتطبيقهما في تفسير النصوص

يشرح هذا الفصل الفرق بين التحريف والتعطيل، ويوضح أن كل محرف معطل وليس كل معطل محرف. يبين أيضًا مذهب السلف في التعامل مع النصوص الدينية، وهو إثبات المعاني وإرجاء الكيفية إلى الله.

الكيفية والغيب والتوقف عن الخوض فيهما

يتناول هذا الفصل موضوع الكيفية والغيب، ويبين أن الكيفية مجهولة لأنها من الغيب. يؤكد على ضرورة التوقف عن الخوض في الغيب وعدم البحث في الأمور المجهولة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه العزيز، وبما وصف به رسول محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. قال الشارح رحمه الله: وقوله "ومن الإيمان بالله" إلى آخره، هذا شروع في التفصيل بعد الإجمال. وكما مر معنا أن طريقة العلماء أنهم يذكرون الشيء مجملا ثم يذكروه مفصلا، وهذه هي طريقة الشرع في مواضع كثيرة. فمثلا في كتاب الله العزيز ذكرت فاتحة الكتاب التي هي جامعة لما في الكتاب من معاني، ثم ذكرت صوره بما فيه من تفاصيل. وأسلك العلماء هذا المسلك كذلك من هدي النبي عليه الصلاة والسلام. وليس المعنى ذكر الشيء مجملا أن يستوعب ذاك الإجمال، وهذا شرط، أو يستمر استخدام أسلوب الإجمال وبعده التفصيل، ولكن إذا فعل أحيانا فلا بأس. وابتدأ المؤلف رحمه الله بذكر شيء من التفصيل في مبحث الصفات؛ لأن هذه الرسالة هي جواب عن سؤال من بعض أهل واسط، كما مر معنا في المقدمة، وكان السؤال يدور حول مبحث الصفات. فلذلك ابتدأ المؤلف رحمه الله في الشروع في المقصود بذكر مبحث الصفات. قال رحمه الله تعالى: "ومن هنا للتبعيض، والمعنى ومن جملة إيمان أهل السنة والجماعة بالأصل الأول الذي هو أعظم الأصول وأساسها، وهو الإيمان بالله، أنهم يؤمنون بما وصف به نفسه" إلى آخره. لأن الإيمان بالله كما مر يتضمن أربعة مباحث: الإيمان بوجوده، وبربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته. فهو خاض الآن في ابتداء فيما يتعلق بمبحث الأسماء والصفات. ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه إلى آخر كلامه. وهكذا كذلك يفيد ذلك في قوله "ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه" أن الكلام على مبحث الأسماء والصفات هو فرع عن الكلام في الذات. فكما أنه لا وجود لذات من غير الصفات، فكذلك كان الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات. وسيأتي معنا إن شاء الله بصدد ذلك في موضعه. قال رحمه الله تعالى: وقوله "من غير تحريف" متعلق بالإيمان قبله، يعني أنهم يؤمنون بالصفات الإلهية على الوجه الخالي من كل هذه المعاني الباطلة، إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل. إثباتا بلا تمثيل حتى لا يغلو الإنسان في الإثبات، يعرف أن الإثبات حده إثبات اللفظ على مراد الله من غير تمثيل، لا تمثيل بمثال في الواقع أو كذلك في الخيال، فكل ذلك ممنوع. ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وكذلك إذا كان إثبات بلا تمثيل فهو تنزيه كذلك بلا تعطيل، ننزه الله سبحانه وتعالى عن مشابهة المخلوقين، ولكن لا يعني ذلك أن نغلو فنعطل ما وصف وسمى به نفسه سبحانه وتعالى. فجملة "من غير تحريف" متعلق بالإيمان كما قال رحمه الله: أن من الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه، وهذا الإيمان بما وصف به نفسه وصفه أنه من غير تحريف. وسيأتي معنى هذا التحريف. قال رحمه الله: والتحريف في الأصل مأخوذ من قولهم "حرفت الشيء عن وجهه" حرفا من باب "ضربة" إذا أملته وغيرته، والتشديد للمبالغة، يعني تحريف أو حرف لزيادة المعنى؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. فهو مأخوذ من صرف الشيء عما هو له. "حرفت الشيء عن وجهه" يعني أملته عن الوجه الذي ينبغي أن يكون عليه. وسيأتي معنى أن التحريف هذا أنواع. قال: وتحريف الكلام مالته عن المعنى المتبادر منه إلى معنى آخر لا يدل عليه اللفظ إلا باحتمال مرجوح. وهذا نوع من أنواع التحريف، إمالته عن المعنى المتبادر إلى معنى آخر. وهذا هو أصل التحريف، أنه تحريف المعاني. ومنه قول الله عز وجل: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي يحرفون معنى هذا الكلام عن مواضعه. وإلا فالتحريف يأتي في اللفظ ويأتي في المعنى. فمثال التحريف في اللفظ تحريف اليهود: أمروا أن يدخلوا سجدا أي منكسين، ويقولوا حطة يعني حط عنا خطايانا، فحرفوا واستهزأوا وسخروا، فقالوا "حِنطَة". حرفوا اللفظ عن ظاهره. فالتحريف تحريف أهل الباطل الذين عطلوا مباحث الصفات، فإنهم طلبوا تحريف اللفظ كما صنع بعض المعتزلة من الجهمية حين أتى إلى القارئ السني وهو أبو عمر ابن العلاء، فسمعه يقرأ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ فقال له: قل ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وتعرفون الفرق بين اللفظين. فالأول معنى أن المتكلم من هو الله سبحانه، والثاني الذي يريد هذا الضال المبتدع يريد أن المتكلم من هو موسى عليه الصلاة والسلام، مع أن هذا باطل لا يستقيم حتى في نفسه هذا اللفظ؛ لأن الله قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. قال له ماذا أبو عمر بن العلاء؟ قال: هب أني فعلت -يعني وافقتك على ما تريد- فماذا تصنع بقول الله جل وعلا: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾؟ فهنا لا يمكن في هذا الموضع أن يغير الشكل فيه، فيحرف اللفظ، لا يمكن؛ لأنه لو غير لصار لحنا. فالشاهد من هذا أن التحريف هو تحريف في اللفظ أو تحريف في المعنى. فمن التحريف في اللفظ ما سمعنا، ومن التحريف بالمعنى كذلك قولهم: "الرحمن على العرش استوى" قالوا: استولى، حولوا معنى استوى إلى استولى. وهذا باطل وظلال ومخالفة لما أوجب الله عز وجل في القرآن. ولذلك أمر الناس بأن يتابعوا، ويبقوا على أصل المتابعة كما فعل سلفنا من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان من أئمة الدين. فالواجب في هذا الباب أن لا نخوض بشيء، لا بتحريف ولا بتعطيل ولا بتكييف ولا بتمثيل. أولا لأن هذا مما لا يعلمه الإنسان، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي تقفوا فيما وراء ما أخبر الله عز وجل به. فالواجب الوقوف حيث أمرك الله سبحانه وتعالى، والعقل قاصر عن إدراك حقيقة صفات الرب سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك الله عز وجل يخبرنا أنه أعد لعباده ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، هذا في ماذا؟ في الجنة، في شيء من مخلوقات الله. لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب البشر، فكيف بحق الخالق تعالى وتقدس سبحانه وتعالى؟ وكذلك أن الخوض في هذا الباب سبب لضرب الأمثال لله عز وجل، والله يقول: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ ويقول: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ ويقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ويقول: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وغير ذلك مما هو بهذا المعنى. فالواجب إمرار ما جاء كما جاء، ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها. قال رحمه الله تعالى: إمالته عن المعنى المتبادر منه إنه من و سمنه إلى معنى آخر، وإنه يدل عليه اللفظ إلا باحتمال مرجوح. هذا هو التحريف، صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر باحتمال مرجوح، أي ضعيف لا يصح. مثل هذا الموضع مثلا تحويلهم للكلام هنا مثل ما فعل الزمخشري، قول الله جل وعلا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ قال: كلمه بمخالب الحكمة، جعل "كلم" بمعنى إيش؟ جرح، "كلم" بمعنى جرح. هذا خطأ من جهة اللغة، وضلال من جهة العقيدة والتسليم لظاهر النص. ووجه الخطأ أن الله جل وعلا أكد هذا الفعل بمصدره، فقال ماذا؟ "تكليما"، ولو كان من الجرح لقال ماذا؟ "كلم"، لقال "كلم" فعلم بهذا أن هذا باطل. فلذلك هو معنى مرجوح في معارض شيء راجح، وهو إثبات لفظ الكلام على ظاهره من معنى الكلام. قال: فلابد فيه من قرينة تبين أنه المراد. فكيف إذا لم تكن هناك قرينة؟ فكيف إذا وجد المانع من إثبات المعنى المرجوح؟ القاعدة عند أهل العربية أن اللفظ لا ينصرف عما هو ظاهر فيه إلى غيره إلا بقرينة. ولا يعني ذلك القول بالمجاز. وسيأتي إن شاء الله الكلام على مبحث المجاز في موضعه. لكن نريد أن نبين هنا فقط أن بعض من يصرف اللفظ عن ظاهره يخطئ من وجهين: يخطئ من جهة أولا أنه ينصرف من الأصل أو من هذا اللفظ وظاهره إلى غيره من غير قرينة. والمعنى العربي يفهم بالسياق وبالسبب، واللفظ العربي يفهم كذلك بما يدل عليه موضعه. فهو لم ينصرف عن هذا اللفظ بشيء ظاهر حتى يكون قرينة لما ذهب إليه. فكيف يضاف أنه عورض، وهذا الثاني، بما هو مانع له أن ينصرف عن هذا اللفظ الظاهر؟ فهذا يؤكد بطلان هذه الطريقة. وبعضهم يذكر هنا بالتحريف أن التحريف باللفظ قد يكون بزيادة، مثل قول اليهود "حِنطَة". وقد يكون بالنقص، مثل فعل بعض المعتزلة الذين يصرفون ويحرفون بعض الألفاظ وينفونها من كلام الله، كما ثبت عن بعضهم أنه قال: "وددت أن الأمر لي" وحكك هذه الآية من القرآن، ويريد آية صفة السمع والبصر. فتغيض ببدعته حتى هم بهذا الهم. وهكذا كذلك تغيير تحريف بتغيير الحركة، مثل هذه القصة التي وقعت مع أبي عمر بن العلاء. هذا النوع الثالث، والنوع الرابع تغيير بغير حركة إعرابية. الأول تغيير بحركة إعرابية، تحريف بحصول تغيير حركة إعرابية. والرابع تحريف بغير حركة إعرابية، ويمثلون له بمثل "جرحا" يعني صرف اللفظ عن ظاهره بغير حركة إعرابية، ولكن بالمعنى. قال رحمه الله تعالى: وأما التعطيل فهو مأخوذ من العطل الذي هو الخلو والفراغ والترك. ومنه قوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ أي أهملها أهلها وتركوا وردها؛ لأن البئر إذا سحب منها الماء بقي الماء نقيا وزاد. وإذا أهمل صار هذا الماء آس بسبب عدم النحث منه وتجديده. قال: والمراد به هنا نفي الصفات الإلهية، وإنكار قيامها بذات الله تعالى. هذا المراد بالتعطيل. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن التعطيل على ثلاثة أنواع: تعطيل لربوبية الرب سبحانه وتعالى، وهذا كفعل الفلاسفة ومن سبقهم من الملاحدة. والثاني تعطيل لألوهية الرب سبحانه وتعالى، وهذا كفعل المشركين ممن أشرك من أهل الكتاب أو من غيرهم. والثالث تعطيل عن كمال الرب سبحانه وتعالى في أسمائه وصفاته، وهذا كفعل الجهمية ومن سبقهم من اليهود. فاليهود هم الذين عرفوا بتحريف مبحث الأسماء والصفات، كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَقَالُوا يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ غلت أيديهم. ولهذا يذكر أن أول من قال بالتعطيل من أهل الإسلام هو الجعد بن درهم. وأن الجعد بن درهم أخذه عن بعض اليهود، وكان يجلس إليهم. فإذن هذه البدعة دخلت على المسلمين من جهة اليهود. والجهمية نسبة إلى الجهم بن صفوان الذي هو تلميذ الجعد بن درهم. ولكن لما كان الجعد بن درهم سرعان ما قتل، لم تنتشر هذه البدعة باسمه، إنما انتشرت هذه البدعة باسم تلميذه، وهو الجهم بن صفوان. قال رحمه الله تعالى: فالفرق بين التحريف والتعطيل أن التعطيل نفي للمعنى الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة. وأما التحريف فهو تفسير النصوص بالمعاني الباطلة التي لا تدل عليها. يقول: الفرق بين التحريف والتعطيل أن التعطيل نفي للمعنى الحق. أنت الآن عندك معنى حق، فإذا لم تثبته فأنت عطلته فقط. إذا لم تثبته فأنت عطلته. فإذا أثبت غيره حرفته. هذا هو المعنى في اللغة، وهو المعنى كذلك في اصطلاح أهل العلم في هذا المبحث. فالتعطيل نفي للمعنى الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة. والتحريف هو تفسير النصوص بالمعاني الباطلة، لفظا أو معنا. طيب إذن نفهم من هذا: أيهما أعم من الآخر؟ التحريف أو التعطيل؟ أهل عندك بجير التحريف أعم. لماذا؟ لأن المعنى لا صح هذا من حيث السبب. لكن من حيث الواقع أيهما يدخل بالآخر؟ أيهما يدخل بالآخر؟ نعم. إذن يدخل التحريف في التعطيل. نعم. فالمحرف عطل وزيادة. المحرف عطل وزيادة، فهو عطل ثم أضاف معنى آخر. ثم أضاف معنى آخر. وهنا نضيف شيء آخر. طيب نكمل أولا عبارته. قال: والنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق. فإن التعطيل أعم مطلقا من التحريف، بمعنى أنه كلما وجد التحريف وجد التعطيل دون العكس. ليس كلما وجد التحريف كلما وجد التعطيل. وليس كلما وجد التعطيل وجد ماذا؟ التحريف. قد يوجد تعطيل ولا يوجد تحريف، مثاله المفوض. المفوض الذي يزعم أنه لا يعرف معنى هذا اللفظ، لا يعرف له معنى. ماذا صنع؟ عطل. هذا المفوض سواء أكان من مفوضة الفقهاء أو غيرهم. كما سيأتي معنا إن شاء الله حين زعم أن هذا اللفظ ليس له عنده معنى. ماذا فعل؟ عطل. لكن هل أثبت شيء آخر؟ لم يثبت شيء آخر في الظاهر. لم يثبت شيء آخر. فهو إذن ليس بمحرف. لكن الذي أثبت الشيء الآخر مثل الأشعري، عطل معنى الاستواء وأثبت ماذا؟ معنى الاستيلاء. فهو عطل اللفظ أولا ثم حرفه فأتى بلفظ آخر ثانيا. فإذن كل محرف معطل. وليس كل معطل محرف. كل محرف معطل. وليس كل معطل محرف. قالوا: بذلك يوجدان معنى في من أثبت المعنى الباطل -يعني التحريف والتعطيل- يوجدان معنى ونفى المعنى الحق. مثل الأشاعرة قالوا: "استواء" بمعنى "السيولة". فإنه يوجد التعطيل والتحريف معنى. قالوا: ويوجد التعطيل بدون التحريف في من نفى الصفات الواردة في الكتاب والسنة، وزعم أن ظاهرها غير مراد. ولكنه لم يعين لها معنى آخر، وهو ما يسمونه بالتفويض. أي من يزعم أن هذا اللفظ الذي وجد في الكتاب والسنة في مباحث الصفات لا يعرف له معنى، أو ليس له معنى. في كل المعنيين والتفسيرين هو تفويض. وهو مذموم. وليس هو مذهب السلف. ولا هو كذلك مذهب الأئمة. قال رحمه الله: ومن الخطأ القول بأن هذا هو مذهب السلف. ويقول ذلك ويزعمه الأشاعرة. ولماذا يزعم الأشاعر ذلك؟ يزعمون ذلك فرارا من الإثبات الذي عليه أهل السنة. فهم يزعمون أن أهل السنة ممثلة. يزعمون أن أهل السنة ممثلة. وأن السلف إنما كانوا مفوضة. وهذا قلب للحقائق وتغيير وكذب لأصل هذه المسألة. وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه في موضعه. وهنا عبارة من العبارات المكذوبة على بعض الأئمة. وربما نقلها بعض أهل العلم في كتبهم. وهي ما ينقل عن الإمام أحمد رحمه الله أنه ذكر في مبحث الصفات بأن قال: "بغير معنى أو بلا معنى". وهذه العبارة أولا لم تنقل بنقل صحيح عن إمام أحمد. وثانيا أنها لو قدر صحتها فقد كسرت بتفاسير صحيحة -يعني بغير معنى- فاسد. هذا الذي نقله ابن القيم رحمه الله تعالى في تفسيره. أو أنه كذلك بغير معنى للكيفية. الكيف غير معلوم. لا نذكر معنى للكيفية. وكيف إذا انضاف إلى ذلك أن الإمام أحمد رحمه الله نقل عنه خلاف هذا؟ فقد نقل الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه "الصواعق" وفي مختصره كذلك موجود. أن الإمام أحمد رحمه الله وغيره من السلف نقل عنهم: إنا لا نعلم كيفية ما أخبر الله به عن نفسه، وإن كنا نعلم تفسيره ومعنى. وإن كنا نعلم تفسيره ومعنى. ذكره في "الصواعق" وفي مختصره كذلك موجود في المختصر في صفحة 104. قال رحمه الله: ومن الخطأ القول بأن هذا هو مذهب السلف، كما نسب ذلك إليهم المتأخرون من الأشاعر وغيرهم. يعني نسب هذا إلى مذهب السلف. وهذا كذب وخطأ. قال: فإن السلف لم يكونوا يفوضون في علم المعنى أبدا. وإنما كانوا يفوضون في ماذا؟ في الكيفية فقط. وهذه مسألة بسبب كثرة تضليل المتأخرين من الأشاعر ومن اغتر بهم من بعض أهل السنة. صارت تلتبس على بعض الفضلاء. فربما في شروح الحديث أو تفاسير القرآن أو كذلك بعض كتب العقيدة الصغار والكبار تجد بعض الفضلاء قد زلت قدمه في هذه المسألة. فيظن أن مذهب السلف هو تفويض المعنى. وهذا خطأ ليس بصحيح. قال: ولا كانوا يقرؤون كلاما لا يفهمون معناه -يعني السلف- بل كانوا يفهمون معاني النصوص من الكتاب والسنة، ويثبتونها لله عز وجل. ثم يفوضون فيما وراء ذلك من كنه الصفات -يعني حقيقة الصفات- حقيقة الصفات غير معلومة. وكيفياتها كذلك. كيفياتها ليست بمعلومة. كما قال مالك حين سئل عن كيفية استوائه تعالى على العرش: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول". الاستواء معلوم، نعرف معنا الاستواء في اللغة، وهو مراد على ظاهره فيما ذكر في الشرع. والكيف مجهول -يعني غير معلوم لنا- لكن لا ننفي وجود كيفية. الكيفية موجودة، لكنها غير معلومة. وهي مجهولة؛ لأنه من الغيب الذي أمرنا بالكف عنه. طيب نقف هنا ونكمل إن شاء الله في درس لاحق.