الدرس في تلخيص صفة صلاة النبي 15، الدرس الخامس عشر:( التشهد الأخير والتورك ... الدعاء قبل السلام..دعاء بما تيسر له مما ينفعه في دينه أو دنياه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتم شرح كيفية التورك في التشهد الأخير بإخراج القدمين من جهة واحدة، وينصب اليمنى، ويجوز فرشها. هناك كيفيتان للتورك كما ورد في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.
يتم شرح التعوذ من الأربع في الصلاة وأهمية الدعاء قبل السلام، مع ذكر الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم. يُشدد على أهمية الالتزام بالأدعية الواردة.
يُنصح بالاقتصار على الأدعية المختصرة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح في قنوت الوتر، ويُعتبر الدعاء الطويل من البدع. يُحرص على الدعاء المأثور ويُختصر في الدعاء.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ العلامة المحدث الألباني رحمه الله تعالى: قال في «التشهد الأخير والتورك»: «ثم يقعد للتشهد الأخير، وكلاهما واجب، ويصنع فيه ما صنع في التشهد الأول، إلا أنه يجلس فيه متوركًا، يخضي بوركه اليسرى إلى الأرض، ويخرج قدميه من ناحية واحدة، ويجعل اليسرى تحت ساقه اليمنى، وينصب قدمه اليمنى، ويجوز فرشها أحيانًا، ويلقي كفه اليسرى على ركبته، يعتمد عليها». قال: «وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والتعوذ من الأربع»: «ويجب عليه في هذا التشهد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا في التشهد الأول بعض صيغها، وأن يستعيذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال». هذا المبحث جعله رحمه الله في الكلام على التشهد الأخير، وما يلحق به من أحكام، سواء قولية أو فعلية. فقال: «ثم يقعد للتشهد الأخير، وكلاهما واجب»، أي: القعود والتشهد كلاهما واجب. قال: «ويصنع فيه ما صنع في التشهد الأول»، يعني: مما تقدم معنا من قراءة التحيات، والتشهد، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والدعاء بعده. وقد مر معنا صيغ التحيات، والتشهد، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فيما جاء وسبق في التشهد الأول. وقال: «إلا أنه يجلس فيه متوركًا» إلى آخره. التورك صفة وكيفية للجلوس، بأن يجعل وركه الأيسر إلى الأرض، إن شئت فقل: مقعدته اليسرى على الأرض، ويخرج قدميه -يعني اليسرى واليمنى- من جهة واحدة، ويجعل اليسرى تحت ساقه اليمنى، يعني هكذا، إن شاء فرشها، وإن شاء نصبها. وأكثر ما ورد في هذا الباب النصب. هذه كيفية للتورك. للتوريك كيفيتان: هذه الكيفية التي جاءت بحديث أبي حميد الساعدي، وغيره، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله، بأن يجلس على مقعدته اليسرى على الأرض، ليس فوق رجله. انظروا الآن على الأرض الجلوس، وأن يخرج كلتا الرجلين من جهة اليمنى، هذه الرجل اليسرى في الجهة اليمنى، وهذه الرجل اليمنى في الجهة اليمنى، وأن يجعل رجله اليسرى تحت رجله اليمنى مثل هذا الآن، وينصب رجله اليمنى، هذه منصوبة، ويجوز أن يفرشها هكذا، هذه مفروشة، هذا فرش، وهذا نصب. وهناك كيفية أخرى للتورك جاءت في حديث عبد الله بن الزبير عن أبيه في صحيح مسلم، ورويت من حديث عبد الله بن الزبير، بأن يجعل هذه الكيفية نفسها، لكن يجعل رجله اليسرى بين فخذه وساقه، مع فرش الرجل اليمنى، لا ينصبها، القدم الأيمن يفرشه، يعني هكذا. انظر الرجل بين الفخذ والساق، والأيمن مفروشة. وقال: «على مقعدته»، فهي نفس الكيفية الأولى، غير أنها تختلف في شيئين: الأول أن يدخل رجله اليسرى بين فخذه وساقه، يعني الأيمن، وأن يفرش الرجل اليمنى، قدم الرجل اليمنى على كل حال في هذه الكيفية تكون مفروشة، وهو أيسر وأرفق. فهاتان كيفيتان للتورك. وقد اختلف أهل العلم في مكان هذا التورك، فذهب المالكية إلى القول بالتورك في كلا التشهدين، وذهب الحنفية إلى القول بالافتراش في كلا التشهدين، وتقدم معنى التورك، وما معنى الافتراش. وذهب الشافعية إلى أن التورك يكون في كل سلام أخير، حتى الركعتين. وذهب الإمام أحمد إلى التفصيل، بأن التورك يكون فيما دون الركعتين، يعني: ثلاث، أربع. واختلفوا في الواحدة، والصحيح أنها -والله أعلم- تلحق بالتورك في الثلاث أو الأربع؛ لما جاء في حديث وائل بن حجر أنه قال: «وإذا جلس في الركعتين أضجع اليسرى ونصب اليمنى»، والحديث عند النسائي بإسناد صحيح. «إذا جلس في الركعتين أضجع اليسرى ونصب اليمنى»، مفهومه: كل ما سوى الركعتين فإنه ليس كذلك. إذن: ثلاث، أربع، حتى الركعة -على الصحيح وفيه خلاف- يكون حكمها التورك؛ لأن الركعة في الغالب تكون تبعًا لما قبلها، في الوتر تبعًا لما قبلها. وجاء في رواية في حديث أبي حميد -الذي هو أصل ذكر التورك، وهو في البخاري- قال فيه في صفة التورك: «قال: حتى إذا كانت الركعة التي تنقضي صلاته أخرج رجله اليسرى وقعد على شقه متوركًا ثم سلم». وفي رواية بحديث أبي حميد الساعدي -التي أصلها في البخاري- أنه قال بمثل حديث وائل بن حجر، «فإذا جلس في الركعتين ذكر الاتكاء على اليسرى ونصب اليمنى»، ثم ذكر في آخره: «أن في آخر صلاته يخرج رجله اليسرى ويجلس على شقه متوركًا» كما تقدم. فإذا في التورك تفصيل، وهو أنه يشرع في كل صلاة دون الركعتين، من آخر الصلاة التي يسلم فيها المصلي -على الصحيح- وإذا كانت ركعتين، فالصحيح أنه يفترش. والصحيح أنه يفترش. وأما التشهد الأول، فمن باب أولى أنه يفترش. وللتورك كيفيتان، علمنا وصف هاتين الكيفيتين، كما جاءت الكيفية الأولى في حديث أبي حميد الساعدي، أصلها في البخاري، وله روايات كثيرة عند أبي داود، وابن خزيمة، وجماعة. والكيفية الثانية جاءت في حديث عبد الله بن الزبير عن أبيه في صحيح مسلم. وأشار صاحب الجمع بين الصحيحين أنه في الصحيحين، فلعله خطأ، أو ذكر معلقًا، وإلا فالحديث في صحيح مسلم. وقوله رحمه الله: «وينصب قدمه اليمنى، ويجوز فرشها أحيانًا» كما تقدم، والذي ورد أن النصب يكون في كيفية حديث أبي حميد، وهي الكيفية الأولى، بدون إدخال الرجل بين الفخذ والساق، وإنما من تحت الفخذ، ورجله اليسرى في هذه الحالة ينصب قدمه اليمنى. وفي كيفية حديث عبد الله بن الزبير عن أبيه، إذا أدخل رجله اليسرى بين الفخذ وساق الرجل اليسرى اليمنى، فإنه يفرشها هكذا جاء. وبعضهم جعله يجوز أحيانًا كذلك حتى في الكيفية الأولى، أي: الفرش. وقوله: «ويلقم كفه اليسرى ركبته يعتمد عليها» يعني هكذا الآن، هو متورك، فهذا التلقيم -يعني قابض- قبض الذي يلقم الحجر، يلقم الحجر يمسكه هكذا، وحتى في العجم يقول: «اقطع لقيمات»، في العجم يقوله: «اقطع لقيمات»، اللقيمة قدر قبضة اليد. هكذا يلقم يده. وفي حديث رواية: «فألقم رجله ركبته» يعني: قبض عليها بأصابعه على وجه التلقيم. وهذه الصفة جاءت في حديث عبد الله بن الزبير عن أبيه في صحيح مسلم، ولها روايات خارج صحيح مسلم. ثم ذكر وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والتعوذ من الأربع؛ لما جاء، وقد ذكر ذلك في الأصل: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل حين رآه عجل في صلاته: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه جل وعز والثناء عليه» -يعني التحيات مع التشهد كما تقدم- هذا العام مفصل «ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بما شاء». فهذا أمر، فدل على أن هذا للوجوب. يقرأ التحيات، بالتشهد، بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، ويتعوذ من أربع. وقد مر معنا كما قال: «وقد ذكرنا في التشهد الأول بعض صيغها» -يعني صيغ التشهد- كما تقدم. والحديث الذي فيه الأمر رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم، وغيرهم، وأشار إليه في الأصل. وأما الاستعاذة من أربع، فأشار إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء من قوله وفعله، بل في حديث أبي هريرة في الصحيحين أمر المصلي أن يفعل ذلك، قال: «فليستعذ بالله من أربع». حتى ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب ذلك. والصحيح أن هذا الأمر أمر استحباب وندب، لكن على وجه التأكيد. وروي عن طاووس أنه كان يأمر ابنه بإعادة الصلاة إذا لم يتعوذ من هذه الأربع. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن، كما جاء في حديث ابن عباس في صحيح مسلم. ولو تأملنا هذا الدعاء، فهو دعاء عظيم يتناول خير الدنيا والآخرة؛ فحين يتعوذ الإنسان بالله أن يطلب منه دفع كل سوء ومكروه، من عذاب جهنم -أي: ما يفضي إلى جهنم- سواء أعمال أو أقوال ظاهرة أو باطنة، وكذا من دخولها -أعاذنا الله وإياكم منها- ومن عذاب القبر، كذلك من نفس العذاب، ومما يفضي إلى هذا العذاب من قول أو فعل ظاهر أو باطن. ومن فتنة المحيا، وما أكثر ما يعرض على الإنسان من فتن في حياته، شهوات وشبهات، وكذلك في الدين، وفي الدنيا، فتنة نكرة، فأفادت كل فتنة. وهكذا فتنة الممات، سواء ما يكون عند خاتمة الموت أن تكون خاتمتك خاتمة حسنة، ونسأل الله حسن الخاتمة، وهكذا كذلك ما يكون في مراحل هذه المرحلة من حياة الإنسان، عند موته، وعند نقله إلى قبره، وفي قبره، وكله من فتنة الممات، إلى أن يكون البعث النشور. ومن شر فتنة المسيح الدجال -يعني لعظيم تلبيسه- بما يجعل الله عز وجل على يديه محل ابتلاء وفتنة للناس، حتى إن معه الجنة والنار، وغير ذلك مما جاءت به الأحاديث الصحيحة؛ فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على هذا الدعاء، وتعليمه أصحابه بقوله وفعله، بل كما قال ابن عباس: «يعلمهم كما يعلمهم السورة من القرآن» -يعني يسمع لهم- يتأكد من تأكد من تمام حفظهم. قال: «الدعاء قبل السلام، ثم يدعو لنفسه بما بدا له مما ثبت في الكتاب والسنة، وهو كثير طيب». فإن لم يكن عنده شيء منه دعا بما تيسر له مما ينفعه في دينه أو دنياه. كذلك يسن قبل السلام أن يدعو بما تيسر من الأدعية. وهذه على وجه الاستحباب. وأفرد التعوذ من الأربع؛ لأنه مؤكد تأكيدًا شديدًا، حتى إن بعض أهل العلم -كما تقدم في الدرس- يرى أنه واجب. فكان يأمر طاووس ابنه بإعادة الصلاة إذا لم يذكر هذا الدعاء. وأما ما دون هذا الدعاء، فهو كذلك يستحب. ومنه ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، ويكثر من قوله، مثل ما جاء في حديث عائشة بالصحيحين: «التعوذ من المأثم والمغرم» حتى قالت عائشة: «ما أكثر ما يتعوذ من المأثم والمغرم». فوضح المغرم، قال: «إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف». وفسر العلماء المأثم والمغرم بأعم. إما قد يفهم من ظاهره، فالمأثم: كل إثم، وكل ما يفضي إلى الإثم، تتعوذ بالله عز وجل منه؛ حتى يعصمك الله بالطاعات، ويبعدك عن الذنوب والسيئات. وإذا ابتليت فوقعت في شيء منها أن تتوب، أن يوفقك للتوبة منها؛ حتى لا تجد شؤمها في الدنيا أو في الآخرة. فهذا من التعوذ من المأثم: أن لا تقع، وإذا وقعت أن تتوب، وإذا تبت أن يتقبل الله التوبة. ومن المغرم كذلك المأثم: حق الله، والمغرم: حق المخلوقين. وقيل: المغرم في الحقوق المالية، وما كان بمعناها. المهم: كل ما هو غرم من الحقوق، أنت تتعوذ بالله منه، سواء حق لله -كالزكاة وغيرها- أو حق للمخلوقين -كدين أو أمانة أو غير ذلك- تتعوذ بالله من المأثم والمغرم؛ أن يعيدك من الوقوع فيه، وإذا ابتليت أن يعينك على أدائه، وإذا أديته أن يتقبل الله منك. وهكذا من الأدعية التي صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت وأعوذ بك من شر ما لم أعمل بعد» وهو عند النسائي بإسناد صحيح، وذكره في الأصل. ومن الأدعية: «اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا» وهو عند أحمد والحاكم كذلك صحيح. وغيره من الأدعية التي أشار إليها في الأصل. ويجوز أن يدعو بأدعية القرآن، ما تيسر له من أدعية القرآن يجوز. وإذا لم يحفظ -كما قال رحمه الله- يدعو بما يتيسر له مما ينفعه في دينه ودنياه، يسأل الله علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا متقبلًا، ونحو ذلك من الأدعية التي تنفعه في دينه وفي دنياه. فإذا انتهى من هذا الدعاء سلم. وسيأتي -إن شاء الله- في الدرس اللاحق الكلام على أحكام التسليم. وبه نختم -إن شاء الله-. اختلفوا في ركنيته، لكن الصحيح أنه واجب. بعض أهل العلم قال: ركن، وبعض أهل العلم قال: واجب. ومن قال بالوجوب أخذ بمثل هذا النص؛ لأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وعلى العموم: حتى الواجب إذا تركه عمدًا تبطل صلاة. الواجب إذا تركه عمدًا تبطل صلاة. لكن إذا لم يتركه عمدًا، هل تبطل الصلاة أم تجبر؟ في هذا خلاف، فمن أهل العلم يرى أنها تجبر، ومن أهل العلم يرى -يعني إذا بقي وقتها- أنها تبطل. والذي ذكره رحمه الله هو الأقرب للأدلة -والله أعلم-. هذا سؤال عن قنوت الوتر: هل يوجد الضابط للزيادة على الدعاء الوارد من حيث الطول؟ وما حكم تلحين الدعاء مع مراعاة أحكام التجويد فيه؟ طول الدعاء مذموم. كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي علمه الحسن قصيرًا. وما صح عن عمر، وجماعة من الصحابة، والتابعين، والأئمة: أدعية مختصرة، يحرص فيها على موافقة المأثور. فما كان كذلك فهو مما يؤذن. انظروا: دعاء الحسن ما يأتي حتى صفحة واحدة، لكن دعاء الناس اليوم ربما بطول نصف الصلاة أو أكثر، خصوصًا إذا كان في ليالي الوتر، أو في سبع وعشرين، أو في آخر ليلة من رمضان، ربما ساعة، ساعة ونصف. وهذا خطأ، بل نص بعض العلماء أنه من البدع والمحدثات التي ابتلي بها الناس في هذا العصر. وكون الناس يحبون هذا أو لا يحبون، ليس هو الميزان الذي به يعرف الشيء أنه صواب أو غير صواب. الميزان: موافقة السنة والشرع. بل الذي صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: أن قنوت الوتر ما كان يدعو في كل صلاة، أحيانًا يدعو، وإذا دعا أحيانًا قبل الصلاة، وأحيانًا بعد الصلاة. فينبغي أن نعلم الناس السنة، ونعودهم عليها، ولا نكون أتباعًا لما يريده الناس. لا: الناس يتبعون العلم، وليس حملة العلم يتبعون الناس. فيسير بعض الناس ألا إمه هذا خطأ. فينبغي أن يعلم الناس السنة، ثم فيه رحمة، وفيه يسر، وفيه علم. فرق بين إنسان يدعو بدعاء بدون زمام ولا خطام، وبين إنسان يحرص على المأثور: دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، وما جاء عن السلف الصالح: جامع مانع -يعني يجمع أشياء كثيرة في شيء قليل- وفي نفس الوقت مانع ما يدخل فيه الحشو من الكلام، والاعتداء في الدعاء، والمبالغات، والمجازفات. مثل بعض الناس إذا خرج في الدعاء ربما يقشعر جلدك من أنواع الأدعية التي يقولها بعض الناس، ما تليق بالله سبحانه وتعالى تعظيمًا، ولا يليق كذلك حتى بمثل هذا المقام في الصلاة أن تذكر مثل هذه الأدعية؛ لماذا؟ لقلة العلم، ولمتابعة العواطف، ولأنها ارتجلت ارتجالًا؛ فلذلك تحصل الأخطاء، والاعتداء في الدعاء. وهكذا كذلك من الاعتداء في الدعاء عند الطول: الحرص على السجع، يحرصون على السجع ولو كانت بعض الكلمات تافهة لا معنى لها، وهذا خطأ. فينبغي أن يحرص على المأثور، ويختصر في الدعاء. انظروا مثلًا دعاء الحسن، لو قارنته بقراءة «سبح اسم ربك الأعلى» في الركعة الأولى من الوتر، كان تقريبًا مثله. يعني: ينبغي ألا يكون الدعاء أكثر من القراءة. دعاء مختصر. وأما مسألة التلحين، فإن أراد بالتلحين ما عليه بعض الناس من تجويد الدعاء وتمطيطه ونحو ذلك، فهذا مذموم. ونص العلماء أنه لا يشرع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في شرح الحديث: «ليس منا من لم يتغنى بالقرآن». قال: «وفيه دليل -مع استحباب التغني بالقرآن وتجويده- عدم التغني بغيره، وأن ذلك مما دخل على المسلمين من النصارى؛ فما يفعله النصارى من التغني بأدعيتهم وصلواتهم، إنما هو محدث ليس له أصل لا عن المسيح ولا عن غيره. وما يفعله بعض الناس من التغني بهذا المعنى هو من جنس فعل النصارى؛ فلا يجوز». وأما إذا كان المراد به ليس التغني بمعنى التلحين، ومراعاة أحكام التجويد: إما أن أحيانًا يقول بكلامه المعتاد، أو أحيانًا يقول بما يكون فيه الخشوع في الدعاء من دون مراعاة التجويد، من دون الحرص على التلحين، يكون هناك شيء من الخشوع في الدعاء، فهذا جائز؛ كما يصنع علماؤنا ومشايخنا في قراءة كتب العلم، فيقرؤون مثلًا كتب السنة بشيء من اللحن، لكن ليس لحنًا كلحن القرآن، ليس فيه تغنٍ كالتغني بالقرآن. ما يقرؤون صحيح البخاري، فيأتون أحكام الغنن، وأحكام المدود، وأحكام كذلك الراءات، ونحو ذلك من الأحكام التجويدية لا. لكن قد يكون هناك شيء مثل ما يقال في الشعر، ومثل ما يقال في الرجز، ونحوه مما أذن الشرع بمثله، فهذا جائز؛ لأنه قد يعين على تدبر المقروء أو المسموع، وقد يعين على الاستمرار في الشيء الطويل من القراءة بما لا يدخل فيه الملل، ويعين كذلك على أن يقرأ المقروء بوجه فصيح. فهذا مأذون فيه، وعليه عمل علمائنا ومشايخنا إلى يومنا هذا، يقرؤون متون العلم بشيء من هذا المعنى، لكن ليس فيه تلحين وتغني كتلحين وتغني بالقرآن. فبينهما فرق. نعم.