تلخيص صفة صلاة النبي  4

تلخيص صفة صلاة النبي 4

الدرس في تلخيص صفة صلاة النبي 4، الدرس الرابع:(الصلاة على المنبر ... وجوب منع المصلي للمار بين يديه ولو في المسجد الحرام ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام صلاة الإمام وتعليم الناس الصلاة

يشرح جواز صلاة الإمام على منبر أو مكان مرتفع لتعليم الناس، مستندا إلى أحاديث نبوية، ويبين أن الحركة في الصلاة تجوز إذا كانت لمصلحة.

حكم اتخاذ السترة في الصلاة وكيفيتها

يجب على المسلم اتخاذ سترة أثناء الصلاة، وأن تكون مرتفعة عن الأرض نحو شبر أو شبرين، وسترة الإمام سترة لمن خلفه.

أحكام السترة والمرور بين يدي المصلي

يشرح أحكام السترة في الصلاة وحرمة المرور بين يدي المصلي، ويبين أنه لا يجوز المرور بين يدي المصلي سواء كان في المسجد الحرام أو غيره.

دفع المعتدي أثناء الصلاة

يشرح جواز دفع المعتدي أثناء الصلاة بالأخف ثم الأشد إذا كان ذلك نافعا ولا يضر، مع مراعاة درء المفسدة الكبرى بالصغرى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ العلامة المحدث الفقيه الألباني رحمه الله في رسالة تلخيص صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: «قال: الصلاة على المنبر وتجوز صلاة الإمام على مكان مرتفع كالمنبر لتعليم الناس، يقوم عليه فيكبر ويقرأ ويركع وهو عليه، ثم ينزل القهقرة حتى يتمكن من السجود على الأرض في أصل المنبر، ثم يعود إليه فيصنع الركعة الأخرى كما صنع في الأولى، صح هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كما أشار إليه في الأصل». ومعناه أنه يجوز أن يصلي الإمام أو المعلم للناس على المنبر أو على أي مكان مرتفع لقصد تعليم الناس كما جاء في هذا الحديث، فالأصل هو عدم كثرة الحركة في الصلاة «وقوموا لله قانتين» هذا هو الأصل، لكن إذا كانت الحركة لمصلحة فيجوز اليسير منها مع عدم خروج المصلي عن كونه مصليا. فالنبي عليه الصلاة والسلام صلى على المنبر -يعني قائما- فيرى الناس كيف يكون قيامه، وكيف يكون وضع اليدين، وكيف يكون كذلك أمر قراءته، وكيف يكون ركوعه، وكيف يكون اعتداله، حتى إذا جاء وقت السجود رجع القهقرة، ورجوعه القهقرة معنى حرصه ألا يخرج عن كونه مصليا، معنى ما زال متجها للقبلة. وهكذا يقال: كل من أراد أن يتحرك على شيء أدن له الحركة فيه، يحرص على أن تكون حركته على وجه لا تخرجه عن كونه مصليا. صح أن النبي صلى الله عليه وسلم تقدم لما أرادت البهمة أن تمر بين يديه، فجعلها تمر من خلفه، لكن هذه الحركة لم تخرجه عن كونه مصليا. وأنت كذلك إذا تحركت في الصلاة تتحرك حركة لا تخرجك عن كونك مصليا. وصح أنه فتح لعائشة الباب وهو يصلي، وكان الباب خلفه، وهذا يدل على جواز مثل هذه الحركة، لكن مع بقائه إلى جهة القبلة، وحركته القهقرى بما لا يخرج عن كونه مصليا. وصح أنه صلى وحمل بنت ابنته أمامه -بنت زينب- وهو كذلك مراعيا ألا تكون حركته تخرج عن كونه مصليا، ومثله تأخره بالسجود حين كان حوله الحسن والحسين فوق ظهره، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تدل على أن المصلي لو احتاج إلى الحركة يتحرك حركة لا تخرجه عن كونه مصليا. وهل هذا الأمر خاص بالمنبر أم يجوز في غير المنبر؟ الصحيح أنه يجوز في غير المنبر إذا كان هذا مما ينتفع به الناس، مثلا لو كان هناك مثل ما نسميه نحن بالمجلس أو الأريكة أو نحوه -مكان مرتفع يسير- ممكن أن يعلم الإنسان الناس الصلاة فيراهم المصلي. فمثلا زرت ناسا داعيا إلى الله سبحانه وتعالى، لا بأس أن تعلمهم صفة الصلاة في مكان مرتفع فوق صخرة، أنت مثلا زرتهم في وادي أو مكان مرتفع يسير على الرمل. وليس شرطا كذلك أن يكون المعلم هو الذي يصلي، قد تأمر واحدا من المرافقين، تقول له: صلي صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين، فيصلي ركعتين، وتقول لهم وهو يصلي: انظروا هكذا يكون القيام، وهكذا يكون الركوع، وهكذا يكون الاعتدال. ويقول في القيام كذا، وفي الركوع كذا، وفي الاعتدال كذا، فأنت تشرح والمصلي يصلي، لا بأس. أو كذلك حتى حركة في غير الصلاة، لأن المقصود التعليم، تتكلم، ثم إذا جاء وقت القيام تقول مثلا: «صلى النبي صلى الله عليه وسلم هكذا، ابتدأ أول شيء بالتوجه إلى القبلة»، فتتوجه إلى القبلة، ورفع يديه تشير كيف رفع اليدين، وهكذا تبدأ خطوة خطوة بالقول وبالفعل حتى يتعلم الناس صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من التكبير إلى التسليم كأنهم يرونها. وهذا الحديث أصل عملي في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه دليل كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتني بتعليم المسلمين الصلاة كل المسلمين، وهذا ما يفتقره الناس في هذا الزمان، فالناس يحتاجون من يعلمهم الكثير من العبادات تعليما عمليا. وفي حديث عثمان رضي الله عنه وأرضاه، ونحو حديث علي رضي الله عنه في صفة وضوء النبي عليه الصلاة والسلام: «أنهم توضأوا أمام الناس، دعا عثمان بإناء ووعاء وتوضأ أمام الناس يعلمهم وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وقال لهم: توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو وضوء هذا، وقال: من توضأ نحو وضوء هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله لهما ما تقدم من ذنبه». وهكذا في حديث علي رضي الله عنه: «علمهم وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبرهم أنه توضأ لهم كما رأى النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، حتى أنه شرب باقي الماء من الإناء بعد انتهائه من الوضوء، وأخبرهم أنه فعل كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام شرب باقي الماء من الإناء الذي توضأ منه»، وهذا تطبيق عملي، والناس يحتاجون لهذا، ويراعي الإنسان المصلحة من المفسدة، والوجه الذي يكون به انتفاع الناس. فقد يكون هذا الأمر في موضع أحوج من موضع آخر، فالمهم يجتهد في بث العلم وتعليمه قولا وعملا كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. ومعنى قوله: «في أصل المنبر» -يعني في الأرض- يسجد على الأرض. قال: «وجوب الصلاة إلى سترة والدنو منها من أحكام الصلاة». وصفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم اتخاذ السترة، قال: «ويجب أن يصلي إلى سترة، لا فرق في ذلك بين المسجد وغيره، ولا بين كبيره وصغيره، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: لا تصلي إلا إلى سترة، ولا تدع أحدا يمر بين يديك، فإن أبى فلتقاتله، فإن معه القرين -يعني الشيطان- وهذا الحديث يحسنه الشيخ الألباني رحمه الله، وجماعة من أهل العلم، وبعض أهل العلم يضعف هذا الحديث، ولأجل هذا اختلفوا في وجوب السترة، لأن ظاهر هذا الحديث الوجوب». وهكذا حديث: «إذا صلى أحدكم فليجعل بين يديه مثل مؤخرة الرحل»، استدل من قال بوجوب السترة بهذين اللفظين، وما كان بمعنى هذين اللفظين، وهو قول جماعة من أهل الحديث، وبعض أهل العلم -وهم الأكثر- قالوا بالاستحباب. وعلى أقل الأحوال لو قلنا: إنه مستحب، فلا ينبغي للإنسان أن يزهد بما جاء الأمر به ولو على وجه الندب، بأوجه كثيرة، ولا ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى غير سترة، ولا في صلاة واحدة لا في سفر ولا في حضر. وهذه المواظبة على أقل الأحوال تدل على الاستحباب المؤكد، وإن كان الصحيح لكثرة ما روي في هذا الباب، ولهذه الألفاظ التي سبقت نعلم بها أن الصحيح في حكم السترة الوجوب، خصوصا إذا علمنا أنها تمنع من مرور الشيطان كما صح معناه عن النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا كان كذلك، فلا يجوز للمسلم أن يصلي إلى غير سترة إذا كان إماما أو إذا كان منفردا، أما المأموم فسترة الإمام سترة لمن خلفه لحديث ابن عباس في البخاري وغيره في مروره ببعض الصف، ولم ينكر عليه أحد، فدل على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، رخصة وتيسيرا لمصالح كثيرة ومنافع للناس في هذا الموضع. فالمهم لا ينبغي لمسلم أن يفرد في السترة، فمن فرط فيها على وجه العمد فهو محروم، حرم نفسه أجر صلاته؛ لأنه بهذا جعل الشيطان يمر بين يديه بسبب عدم اتخاذه السترة. ومن هؤلاء المحرومين بعض الناس يأتي فيجعل السترة خلف ظهره ويصلي إلى الفضاء، وإذا قيل له: يا شيخ لماذا لا تصلي إلى السترة؟ قال: أردت أن يعلم الناس أنها ليست واجبة، سبحان الله! الناس يحتاجون أن تعلمهم أنها سنة، أو أقل شيء، أو تعلمهم أنها ليست واجبة. لو سأل نفسه سؤال إنصاف: أكثر الناس يتخذون سترة أو لا يتخذون؟ الجواب: لا يتخذون سترة، إذن يحتاجون أن يعلموا السنة حتى لو قلنا أنها ليست واجبة، علمهم أنها مستحبة، أما أنك تعلمهم أنها ليست واجبة وهم ما علموا أصلا أنها مستحبة، فهذا من الحرمان. ومما يؤكد أنه من الحرمان مواظبة أمثال هؤلاء على عدم اتخاذ السترة -يعني لا يبالون بالصلاة إلى السترة في أكثر أحوالهم إلا القليل النادر- وإذا نصحوا وسئلوا قالوا: والله أعلم بما في قلوبهم، إنما نفعل ذلك لأجل أن يعلم الناس أنها ليست واجبة، فهذا حرمان نسأل الله السلامة والعافية. فكما قلنا: لا يزهد في السترة إلا محروم؛ لأن الشيطان ينقص على المصلي صلاته إذا صلى بغير سترة، فلذلك ينبغي أن يصلي المسلم إلى سترة. وفي البخاري عن عمر رضي الله عنه: «أنه دخل المسجد ورأى رجلا يصلي إلى غير السترة، فجره حتى أوقفه إلى السارية»، وهذا يدل على حرص السلف على اتخاذ السترة. فلا ينبغي للإنسان أن يزهد في السترة، وفيه دليل على جواز الحركة اليسيرة للوصول إلى السترة، إذا كنت بعيدا عنها، مثلا المأموم يصلي فتنتهي الصلاة فيمشي من أمامه من المصلين، فتكون صلاته بغير سترة، إن كانت السترة قريبة منه يتحرك حركة يسيرة لا تضره للوصول إلى السترة. وقد ثبت أن الحركة اليسيرة لا تضر المصلي ما دام في مصلحة الصلاة. فإن قال قائل: ما حد القليل من الكثير؟ قال بعض أهل العلم: حده مسافة ما بينه وبين السترة، يعني صح أنه عليه الصلاة والسلام تقدم حتى التصق بماذا؟ بالسارية، لتمر البهمة من خلفه، كم بينه وبين السترة؟ سيأتي معنا إن شاء الله: «أنه كان يجعل قدر ثلاثة أذرع»، معناه: لا بأس أن تتحرك ثلاثة أذرع إلى الأمام، أو ثلاثة أذرع إلى اليمين، أو ثلاثة أذرع إلى اليسار، أو ثلاثة أذرع إلى الخلف إذا احتجت إلى السترة اقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: «وأما قوله: لا فرق بين صغيره وكبيره إلى آخره؛ لأن بعض الناس من الفقهاء وغيرهم فرقوا، فقالوا: إن المسجد الحرام أو المسجدين في الحرمين -مسجد النبي عليه الصلاة والسلام ومسجد الكعبة- لا يحتاج إلى سترة، ولا دليل على ذلك، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام حدث بهذه الأحاديث في المدينة، وهكذا كذلك صح عن الصحابة تطبيقهم للسترة والمحافظة عليها وهم في مكة». نعم، هناك استثناءات، ولكن هي عامة في مكة وفي غير مكة، هذه الاستثناءات بما دل عليه الدليل الشرعي بعمومه، مثل وقت الضرورة «الضرورات تبيح المحظورات»، أو من وقف في طريق الناس فلا حرمة له، الذي يصلي في مطاف الناس لا حرمة له، هو المعتدي وهو المخطئ فيمر من أمامه. قال: «ويجب أن يدنو منها؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قال: وليدنوا منها، وليدنوا منها -يعني يقترب- يقترب من السترة، وحد هذا الاقتراب كما تقدم في الأحاديث الأخرى سيأتي إن شاء الله ثلاثة أذرع، ليس تقترب جدا حتى تنحني انحناء لا يكون فيه اعتدالك في الصلاة، ولا كذلك تبتعد جدا حتى يكون الفضاء بينك وبين السترة، ولا يحصل المقصود، ولكن الصواب أن تعتدل في هذا الاقتراب، وهو أن تدنو فتجعل بين موضع سجودك والسترة قدر ما مر، يعني شبرا تقريبا». وإذا ضاق عليك المكان لا بأس أن تسجد في أصل السترة كما في الحديث المتقدم: «سجد في أصل المنبر» -يعني لم يجعل بينه وبين المنبر فراغا- وهذا يجوز أحيانا. قال: «وكان بين موضع سجوده والجدار الذي يصلي إليه نحو ممر شاه»، فمن فعل ذلك فقد أتى بالدنو الواجب، وتقريبا هذا كما قلنا: قدر شبر تقريبا بيد الإنسان المعتدل، ممر الشاة شبر أو أقل -يعني عشرين سنتيمترا- خمسة عشر تقريبا حولها، لا يبتعد أكثر من هذا، ولو اقترب أحيانا لا بأس، لو اقترب أحيانا لضيق المكان أو لمصلحة أخرى لا بأس للحديث الذي سبق. قال: «مقدار ارتفاع السترة ويجب أن تكون السترة مرتفعة عن الأرض نحو شبر أو شبرين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصلي ولا يبالي من مر وراء ذلك، وقد جاء في أحاديث -حديث من عمر وغيره- ومؤخرة الرحل هو القائم الذي يتكى عليه الراكب على الرحل، والرحل هو الموضع الذي يجلس عليه الراكب ويتكى عليه في الراحلة -إذا رحلت- يعني الناقة أو البعير». واليوم موجود هذا عند بعض أهل البادية، ومن له أصول في البادية حتى في المدن، تعرفون ما يسمى عندنا بالمتكى -متكة- أو يعبر بتعبير آخر يقال له كذلك: أي شيء لا الذي يتكى عليه، ليس الكنب، في عبارة تعبير كلمة أخرى، المهم هذا المثل الوسادة التي يتكى عليها مربوعة هذه في المجلس العربي. أنا نسيت لهم تعبير آخر لها -كرد حجر- فالمهم هذه التي يتكى عليها تقريبا بارتفاعها هي تكون قدر شبر أو شبرين، والأصل كيفيتها تكون هكذا مثلثة، ومن الأعلى مستوية، وفي مؤخرتها مثل العصى، هذه العصى يتكى عليها الراكب إذا جلس أو تعلق عليه الأمتعة. واليوم الناس ما تستعملها خلاص؛ لأن ما أحد يصعد على البعير، ولا أحد يركب على البعير إلا نادرا، وإذا ركبوا عليه فتوجد اليوم ما شاء الله من الوسائل الحديثة ما يستغنون عن مؤخرة الرحل، لكن صار مثل الزينة يستعمل مثل الزينة، تجد بعض السيارات يجعلون بين السائق والراكب مثل هذا مؤخرة الرحل يتكى عليها، وإذا نزلوا إلى البر يعملون مثلا الشاي أو غير ذلك ينزلون هذه يتكىون عليها. مؤخرة الرحل عبارة عن متكة في آخره، في طرفه مثل العصى مثل هذه العصى مثلا، لكن طول شبر أو شبرين بين الشبر إلى الشبرين. وروي عن ابن عمر موقوفا: «أن مؤخرة الرحل ثلثا ذراع»، هذه الدراع دراع الإنسان المعتدل، قالوا: تقريبا أربعون سنتيمترا، تقريبا أربعون سنتيمترا، فالثلثان كم يساوي؟ تقريبا إذا قسمنا الأربعين ثلاثة أثلاث، تقريبا ستة وعشرون، هكذا حولها، فستة وعشرون إلى الثلاثين تقريبا ثلثا ذراع. فهو كما قال الشيخ الألباني رحمه الله: «شبر أو شبرين» -يعني عشرين إلى أربعين- عشرين إلى أربعين، فإذا اتخذ سترة هذا طولها لا يضر، فإذا كانت أقل من هذا فيه خلاف؛ لأن الضابط مؤخرة الرحل، ومؤخرة الرحل اختلف فيها تفسير أهل العلم قديما وحديثا. فالمسلم ينبغي أن يحتطب -يعني مثلا- لا يصلح أن تجعل الجوال سترة، تضع جوالك أمامك وتقول: هذه سترة. أو بعضهم يرمي النظارة ويجعلها سترة، أو قلما يعرضه ويقول: هذه سترة. أو عمامة يضعها منبطحة، فهذا كله ليس بصحيح، ولا يحصل المقصود من السترة؛ لأن السترة لابد أن تكون مرتفعة عن الأرض. أما حديث اتخاذ الخط فهذا حديث ضعيف لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في خط الخط وأنه يجزئ من السترة، حديث ضعيف عند الحفاظ وأهل المعرفة بالحديث، فلذلك لابد أن تكون السترة مرتفعة عن الأرض، وقدر هذا الارتفاع حول الشبر تقريبا. فإذا احتجت أن تنصب العمامة أن تضع العمامة فانصبها، اجعل لها شيء مرتفع نعم. قال رحمه الله: «هو يتوجه إلى السترة مباشرة؛ لأنه الظاهر من الأمر بالصلاة إلى سترة، وأما التحول عنها يمينا أو يسارا بحيث أنه لا يصمد إليها صمدا فلم يثبت، وبه تعرف خطأ بعض الفضلاء كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: أن السنة أن لا يصمد إلى السترة صمدا، بل يجعلها على جانبه الأيمن أو الأيسر -يعني كتفه الأيمن أو كتفه الأيسر- ويستدلون بهذا بحديث لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، حديث ضعيف». قال: «وتجوز الصلاة إلى العصى المغروزة في الأرض أو نحوها، وإلى شجرة أو استوانة أو امرأة متجعة على السرير وهي تحت لحافها، وإلى الدابة ولو كانت جملا -يعني يجوز بشيء ثابت أو متحرك ومتحرك يثبت أو حي- لا فرق في ذلك إذا كان ليس يتحرك فيشغل المصلي أو ليس فيه ما يشغله ويخرج المقصود من اتخاذ السترة وصلاة المصلي». فالعصى المغروزة هي العنزة التي جاء ذكرها في أحاديث كثيرة، منها حديث أنس في الصحيحين: «وكان كثيرا ما يصلي إليها النبي عليه الصلاة والسلام، فيأخذها معه وتأخذ له عليه الصلاة والسلام؛ لأنه كان يصلي إليها تغرز له في أي مكان، وهذا يدل على أنه كان يواظب على اتخاذ السترة، والعنزة عصى صغيرة، عصى صغيرة في آخرها شيء محدد -يعني مثل الحربة الصغيرة- قالوا: بقدر الذراع أو ثلثي الذراع -يعني هكذا كما تقدم- هذا ذراع من أطراف الأصابع إلى المرفقين، هذا المرفق إلى المرفق هذا ذراع هكذا». العنزة يتخذها دائما معه عليه الصلاة والسلام، يغرزها ذراع أو ثلثي ذراع وهي السترة أو نحوها -يعني ولو لم تكن عنزة- فأي شيء آخر مثل مؤخرة الرحل مثلا إذا نزل الرحل حط المؤخرة يصلي إليها. ولاحظوا قوله: «مؤخرة الرحل؛ لأن مؤخرة الرحل قوية والرحل قصير»، مؤخرة الرحل هي العصى التي يتكى عليها الراكب أو تعلق عليه الأمتعة، لو تيسر إن شاء الله نأتي بمؤخرة الرحل نريكم إياها إن شاء الله. قال رحمه الله: «أو استوانة -الاستوانة السواري- لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إليها، وفي حديث عمر الذي تقدم. أو امرأة مضطجعة على السرير -يعني مثل قصة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الليل وعائشة معترضة في جهة القبلة- وننتبه أنه في وصف لا يفتن المصلي، ولهذا كان هذا في الليل وهي مضطجعة وملتحفة كما قال الشيخ الألباني رحمه الله: ها هنا وهي تحت لحافها، ثم في الليل وليس عندهم مصابيح كما قالت عائشة في الحديث، فإذا سجد غمزها -يعني قرصها في رجليها- حتى تجعل له مكانا للسجود؛ لأن البيت كان ضيقا». ومثله لو كان أمامك إنسان، وثبت عن ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه: «أنه كان إذا أراد أن يصلي قال لمولاه: اعطني كتفك -يكون مثلا مقابل له- يكلم معه فتذكر أنه يريد يصلي الراتبة فيقول: اعطني كتفك در»، وفيه كذلك: «أنه لا يجوز الصلاة إلى إنسان وهو مستقبل له؛ لأنه هذا مثل السجود للمخلوق، ولكن إما يعطيك ظهره أو يعطيك كتفه -يعطيك ظهره أو يعطيك كتفه- أما تصلي إلى وجهه هذا لا يجوز». وقوله: «وإلى الدابة ولو كانت جملا لماذا ثبت كذلك من الصلاة إلى الدابة؟ وقد جلست خصوصا الجمل إذا جلس وبرك ما يقوم فيثبت فيجوز أن تصلي إليه تجعله سترة، بخلاف غيره من الحيوانات ربما ما يثبت ما تستطيع تتخذه سترة». وكذلك على الصحيح يجوز أن تتخذ السترة شيئا ليس مصمتا -يعني مثلا كرسي- أنت تصلي بين قائمته لا بأس، ليس شرط أن تتخذ قائما واحدا، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه كان ربما اتخذ السرير سترة، ولا شك أن السرير لم يكن له قائم طويل من أول إلى آخره، إنما له أرجل كسعر الأسرة، فلا بأس أن يتخذ الإنسان الشيء ليس مصمت سترة». قال رحمه الله: «تحريم الصلاة إلى القبور، ولا تجوز الصلاة إلى القبور مطلقا سواء كانت قبورا للأنبياء أو غيرهم، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة أشار إليها في الأصل تحريم ذلك، وليس فقط أن تتخذ في القبلة، بل أن نهي عن الصلاة إلى القبور شمل ثلاثة صور وكيفيات». الكيفية الأولى: «أن يصلى إلى جهتها يتحرى الصلاة إلى جهتها، فهذا حرام لا يجوز، ولو كان بينك وبين القبر فاصل، حتى ولو كان بينك وبين القبر فاصل ما دمت تتحرى الصلاة إلى القبر وتجعله وتحرص أن تجعله بينك وبين القبلة، فهذا محرم وقد يصل إلى الشرك والعياذ بالله». والصفة الثانية: «أن تصلي عند هذه القبور، سواء أكانت في مقبرة -وهذا أشد- أو كان القبر في الخلاء أو حتى في مسجد، وقد صح النهي عن ذلك كله». والصفة الثالثة: «أن تصلي في مسجد فيه قبر، سواء كان داخل المسجد أو في ضاحية المسجد، سواء كان في قبلة المسجد أو في آخر المسجد أو عن يمينه أو عن شماله، ما دام يشمله سور المسجد فهو مما يدخل في عموم النهي عن الصلاة إلى القبور، فلا يجوز الصلاة إلى القبور ولا عندها، ولا كذلك أن تجعل في المساجد، كل هذا قد صح النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه». بل بعض أهل العلم شدد في هذا الباب حماية لحمة التوحيد، ومنهم شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله يقول: «لا يجوز أن يصلى في مسجد في قبلته قبور إلا أن يفصل بين المسجد وبين القبور بسور غير سور المسجد -يعني سور المسجد لا يكفي- لابد من سور آخر يفصل بين سور المسجد وسور القبور حماية لحمة التوحيد». ومع هذا أفتى بعض أهل العلم: «أن إنسانا لو تحرى الصلاة في هذا المسجد لأجل أن في قبلته قبور بطلت صلاته، حتى ولو كان بينه وبين القبور عشرة جدر، إذا نوى هذا صلاة باطلة؛ لأنه أشرك بفعله هذا». ومن ذلك فعل بعض الناس في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إذ يتعمدون أن يجعلوا صلاتهم إلى جهة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ما أنه قد أبعد الناس من هذه الشبهة فجعل خلف حجرة عائشة ومكان قبر النبي صلى الله عليه وسلم مكانا مرتفعا حتى لا يستطيع المصلي أن يصلي إلى عين القبر فيصلي إلى الفضاء فوق القبر. ومن ذهب إلى مسجد النبي يعرف هذا خلف الحجرة مكان مرتفع تصعب بالدرج، ومن صلى خلف الحجرة صلى إلى الفضاء ما يصلي إلى عين القبر، القبر في الأسفل، ومع ذلك فالناس يصلون خلف هذا المكان ويحرصون على التوجه إلى القبر، وهذا حرام لا يجوز، بل من تعمد فعل هذا صلاته بطلت والعياذ بالله. قال رحمه الله تعالى: «تحريم المرور بين يدي المصلي ولو في المسجد الحرام، وتقدم في دروس سابقة في النقطة السابقة: أن تعمد فعل هذا هو من فعل الوثنيين ومن ظل من أهل الكتاب كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أم حبيبة وأم سلمة لما ذكرتا له كنيسة في الحبشة يقال لها مارية -يعني مريم- وما فيها من التصاوير وما جعل فيها -يعني من القبور- فقال عليه الصلاة والسلام: أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح اتخذوا على قبره مسجدا وجعلوا تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى». فهو يحذر أن يصنع الناس من أمته ما صنع هؤلاء ممن ظل من أهل الكتاب. وقال عليه الصلاة والسلام: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد»، فلا يجوز إدخال القبر إلى المسجد، ولا بناء المسجد على القبر، ولا بناء المساجد حول القبور، فكلها من معالم الوثنيين من وقعوا في الشرك سواء من أهل الكتاب أو من غيرهم. قال رحمه الله تعالى: «ولا يجوز المرور بين يدي المصلي إذا كان بين يديه سترة، ولا فرق في ذلك بين المسجد الحرام وغيره من المساجد، فكلها سواء في عدم الجواز لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: لو يعلم المرور بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه -يعني المرور بينه بين موضع سجوده- أما أن يمر خلف السترة فلا بأس في ذلك». فإن لم يكن عنده سترة فتمر مسافة السترة، بعض الناس يصلي إلى غير سترة هل يمنعك من المرور؟ لا، إن استطعت أن تمر من خلفه فأحسن، إن لم تستطع فمر ما بعد مسافة السترة -يعني صفين مثلا- تمر من بعد صفين من أمامه لا يضرك مرورك بعد ذلك. أما بين يديه فلا يجوز سواء كان متخذا للسترة أو غير متخذ للسترة، وإذا كان متخذا للسترة فهو أشد. وقوله: «لا فرق بين المسجد الحرام وغيره» يعني ردا على بعض من خالف من أهل العلم، فقالوا كما تقدم: «أن المسجد الحرام أو زادوا المسجد النبوي يجوز أن يمر الإنسان لشدة الزحام، وهذا ليس بعذر». لكن إذا وقعت الضرورة فالضرورات تبيح المحظورات، أحيانا يكون زحام شديد يدفك الناس دفا تنتهي الصلاة مثلا ما تستطيع تجلس الناس مثل الموج يأتون في وجهك إذا بقيت تقاعدا داسوك خصوصا في أيام المواسم. ولمن ابتلي فصلى في طريق الناس فتضطر أنك تقوم وإذا قمت دفوك فتمشي وإذا أمامك ناس يصلون ما تستطيع تقف أحيانا، فمثل هذا ضرورة والضرورات تبيح المحظورات، أما ما عدم الضرورة فلا تمر بين يدي المصلي بل انتظر أو يبحث لك عن مكان آخر تمر فيه، وهذا هو ما جاء في الحديث: «لأن يقف أحدكم أربعين خير له من أن يمر بين يدي المصلي»، قالوا للراوي: أربعين يوما؟ قال: أبيت، قالوا: أربعين كذا؟ قال: أبيت أبيت -يعني ما أقول- بل أبقيه مطلقا كما أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم. ومثله لو كان كذلك المصلي معتدي فلا حرمة له، مثل أن يصلي في مطاف الناس، بعض المصلين عنده جهل وعدم حسن تصرف فيصلي في مرور الناس في محل طواف الناس، فهنا لا حرمة لهذا المصلي؛ لأنه لا يمكن أن يوقف الناس من الطواف لأجل أنه يريد أن يصلي في هذا المكان القرب من الكعبة أو حتى يصلي إلى جهة مقام إبراهيم، بل يؤمر بأن يرجع إلى الخلف. والحمد لله اليوم يوجد من المشرفين من ينصح الناس، ومع ذلك لو وجد فأنت تنصح تقول له: ارجع يا أخي ما يجوز لك أن تصلي هنا، صلاتك باطلة، أنت تؤذي الطائفين، ارجع إلى الوراء، فإن استجاب وإلا مشيت. قال رحمه الله: «وجوب منع المصلي للمار بين يديه ولو في المسجد الحرام»، قال: «ولا يجوز للمصلي إلى سترة أن يدع أحدا يمر بين يديه للحديث السابق: ولا تدع أحدا يمر بين يديك، وقوله: إذا صلى أحدكم لشيء نستر من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه ليدفع بنحره وليدرأ ما استطاع، وفي رواية: فليمنعه مرتين، فالأبى فليقاتله، فإنما هو شيطان». وقد روي حديث كثير هذه بعض ألفاظ تلك الحديث، وأشهرها حديث أبي سعيد وفيه قصة مشهورة وقعت له رضي الله عنه في مدافعة من أراد أن يمر بين يديه وهو في مكة، وهو يدل على أن فهم السلف عام سواء أكان هذا في المسجد الحرام أو في غيره، فلا يسمح لأحد أن يمر بين يدي المصلي. ومن أبى فهو شيطان؛ لأن الشيطان هو الذي يريد أن يقطع على الإنسان صلاته، والشيطان معنى يطلق لكل من خرج عن معنى الاستقامة من إنس أو جن أو حتى حيوان. فإذا أبى تدافعه وليس معنى المقاتلة أن تقتله لا، لكن معنى المقاتلة المدافعة، وطبعا بما لا يخرج المصلي عن كونه مصليا، بعض الناس قد يكون عنده من قلة الدين والعلم ما يدفعه أن يعاند ويشتد، فمثل هذا إذا شادته حركت عن كونك مصلي، صلي. فإما أن تتقدم إلى السطرة وتنزله منزلة البهيمة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع البهيمة فتمر من خلفك، تقدم إلى السترة واجعله يمر من خلفك، وادرأ الشر والخصومة. وإما إن خشيت على نفسك وعليه أن تتركه وإثمه عليه، وأنت بذلت وسعك. أما أن ينقلب الأمر إلى أن تخرج من الصلاة وتدخل في مفسدة كبيرة وخصومة، فهذا ليس بصحيح، فهنا ترتكب المفسدة الصغرى لدفع الكبرى، ننتبه لمثل هذه المعاني التي دلت عليها عمومات الشريعة. وهل يجوز أن يشد الإنسان على بعض هؤلاء؟ نعم إذا كان هذا ينفع ولا يضر يجوز، لقوله: «فليقاتله»، «فليقاتله»، قد يعتدي بعضهم، فممكن تدفعه بالأخف ثم الأشد، خصوصا إذا كان المعتدي شيطانا حقيقيا من شياطين الجن أو الإنس. حكى لي بعض الإخوة: «أن أحد الإخوة في بلاد الكفر وقف ليصلي في الطريق، ففي أثناء الصلاة جاءه كافر يستهزئ حاول يدفعه، فلما اقترب كأن الأخ عنده شيء من الرياضة، حركة يسيرة أسقطته على الأرض -يعني ضربة واحدة ممكن تسقط على الأرض- لا بأس، يفر الكافر هذا ويهرب، يعرف أنك كونك تصلي لا يعني أنك لا تستطيع أن تحمي نفسك من استهتاره، فلا بأس، لكن مع مراعاة درء المفسدة الكبرى بالصغرى، ولا يخرج المصلي عن كونه مصليا». نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق. هذا سائل يس