الاعتبار بالزلازل والإنهيار

الخطبة بعنوان الاعتبار بالزلازل والإنهيار، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 19 رجب 1444هـ الموافق 10 فبراير 2023م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

علامات قرب الساعة والاعتبار بالزلازل

يتناول المقطع كثرة الزلازل والفتن كعلامات على قرب قيام الساعة، ويحث على التوبة والرجوع إلى الله. كما يشير إلى أهمية الاعتبار بما أصاب الأمم السابقة.

التخويف الإلهي وأهمية التوبة

يفسر المقطع الآية "وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا" ويشرح أهمية التوبة والاستغفار والتعاون بين المسلمين لدفع المصائب. يشدد على ضرورة الرجوع إلى الله.

الهجرة من بلاد الكفر والمعصية

يناقش المقطع وجوب هجرة المسلم من بلاد الكفر والمعصية إلى بلاد الإسلام والطاعة، ليتمكن من طاعة الله والابتعاد عن عقوباته. يشير إلى أهمية الإصلاح إذا كان المسلم قادرًا عليه.

الدعاء للمسلمين بالصلاح والفرج

يتضمن المقطع دعاء للمسلمين بالصلاح والفرج من الفتن والمحن، وطلب الهداية لهم وصلاح ولاة أمورهم. يختم بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

الاعتبار بالزلازل والانهيار عباد الله، كثرت الزلازل والفتن والمحن بما ينبئنا بصدق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من تقارب الزمان وقرب الساعة. فقد روى الإمام البخاري بصحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان ويكثر الهرج»، قالوا: «وما الهرج يا رسول الله؟» قال: «القتل القتل». قال: «ثم يكثر المال حتى يفيض»، فالبدار البدار أيها الناس بالتوبة إلى الله والرجوع إليه والتخلص من المظالم، ألا يصيبنا الله عز وجل ما أصاب الأمم السابقة، ألا نعتبر أيها الناس بما أصاب الله عز وجل الأمم السابقة، كيف عذبهم وعاقبهم وكيف أرسل عليهم أنواع العقوبات حين كذبوا رسلهم، كما أخبرنا الله عز وجل عن عدد من أنبيائه ورسله وحال أممهم معهم. ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، كانت بتاريخ التاسع عشر من شهر رجب لعام 1444 من الهجرة النبوية، سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش حرسها الله. إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعود بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. عباد الله، كثرت الزلازل والفتن والمحن بما ينبئنا بصدق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من تقارب الزمان وقرب الساعة. فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان ويكثر الهرج»، قالوا: «وما الهرج يا رسول الله؟» قال: «القتل القتل». قال: «ثم يكثر المال حتى يفيض». تأمل هذا الحديث العظيم عن نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم وهو يخبر عن هذه العلامات من علامات قرب الساعة، وها نحن نرى أكثرها قد وقع. يقبض العلم بقبض العلماء، فما أكثر موتى العلماء في آخر الزمان، ونحن نرى ذلك ونشاهده، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يلطف بعباده. وهكذا كذلك تكثر الزلازل، وهذا ما نراه ونشاهده، كثرة الزلازل وتتابعها موذنة بقرب الساعة كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وتقارب الزمان ينطوي طيّا سريعا، ونحن نشاهد ذلك ونشعر به. وكثرة الهرج، قالوا: «وما الهرج يا رسول الله؟» قال: «القتل القتل»، يكثر القتل كما جاء في بعض الأحاديث حتى يقتل القاتل ولا يدري فيما قتل، ويقتل المقتول فلا يدري فيما قتل. «يكثر القتل حتى تعجب الصحابة رضي الله عنهم فسألوا، ونحن بعقولنا يومئذ أمر لا يتصور، ولكنه وقع كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم». وبعض الآيات ليست ببعيدة، وآثارها وعلاماتها ظاهرة في قربها والإيذان بإتيانها. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم بالصحيح كذلك أن قبل قيام الساعة موتان شديد وكثرة الزلازل، كل هذا من علامات صدق رسالته ودلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، وهو الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، إنه إلا وحي يوحى. واعتراض بعض الناس بأنها حوادث فلكية وأنها كذلك تغيرات جيولوجية، هذا من الخصومة والفجور، وإلا فكل منصف يعلم أن الله عز وجل وحده الذي جعل هذه الآيات، وإلا لماذا كانت هذه الآيات؟ ثم كذلك يجعلها سبحانه وتعالى حيث شاء ومتى شاء وكيف شاء وأين شاء وبما شاء سبحانه وتعالى. فهذه الحوادث الذي يدبرها الله سبحانه وتعالى يخوّف بها عباده، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾. ذكر ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى بإسناده في تفسيره عن قتادة رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾، قال: «يخوّف الله عز وجل به عباده ويرسل الله عز وجل بما يشاء من آية إلى عباده لعلهم يتذكرون لعلهم يرجعون لعلهم يتعظون». ثم قال رحمه الله تعالى: «روي لنا أن الأرض رجفت في الكوفة على عهد ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، فقال رضي الله عنه: "يا أيها الناس إن الله تعالى يستعتبكم فأعتبوه"». ومعناه أن الله عز وجل يخوّفكم ويريد منكم الرجوع إليه فارجعوا إليه وتوبوا إليه قبل أن يعاجلكم بالعقوبة. هذا في زمان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه رجفت الأرض رجفة أي اهتزت، فخاف وخوف من معه. وهذه الآية وغيرها من الآيات أدلة كثيرة على تخويف الله عز وجل لعباده أن يهلكهم إن لم يتوبوا ويرجعوا إليه. فالبدار البدار أيها الناس بالتوبة إلى الله والرجوع إليه والتخلص من المظالم، ألا يصيبنا الله عز وجل ما أصاب الأمم السابقة، ألا نعتبر أيها الناس بما أصاب الله عز وجل الأمم السابقة، كيف عذبهم وعاقبهم وكيف أرسل عليهم أنواع العقوبات حين كذبوا رسلهم. كما أخبرنا الله عز وجل عن عدد من أنبيائه ورسله وحال أممهم معهم، وكيف عذبهم الله عز وجل بأصناف العقوبات وأنواع الانتقامات بما كان فيه آية وعظة وعبرة لما يكون لحال الظالمين والمجرمين والكافرين والمشركين والمعاندين والملحدين. ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. هذه سنة الله سبحانه وتعالى، سنة الله أن يعذب الظالمين إن لم يتوبوا إليه ويرجعوا. وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. فلا يكفي يا أيها المسلم أن تكون صالحا في نفسك حتى تمنع العذاب والعقاب من الله سبحانه وتعالى أن ينزل بك وبمن معك، ولكن لا بد أن تكون من المصلحين، لا بد أن تكون من المصلحين حتى تأمن من عذاب الله سبحانه وتعالى وعقابه. ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أَوْ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾. عباد الله، لنا فيما أوقع الله عز وجل بالأمم السابقة آيات وعظات وعبر، فما علينا إلا التوبة إلى الله والرجوع إليه والإنابة إليه سبحانه وتعالى، وترك أسباب العقوبات بالاستغفار والتوبة والاستقامة على دين الله، وإصلاح ما استطعنا أن نصلحه، ومحاولة أداء ما أوجب الله عز وجل علينا من أمانة. حتى لا تنزل بنا الويلات ولا تنزل بنا النقمات ولا يكون بنا أنواع العقوبات. والله سبحانه وتعالى حكيم رحيم، حكم عدل سبحانه وتعالى يمهل ويمهل ويمهل، ولكنه سبحانه وتعالى إذا أخذ أخذ عزيز مقتدر. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلطف بنا وبالمسلمين وأن يجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، ومع وقوع مثل هذه الأحداث التي ابتليت بها بعض بلاد المسلمين من حصول الزلازل ووقوع صنوف ما وقع، فقتل من قتل وتضرر من تضرر وغاب من غاب، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر للموتى وأن يشفي المرضى وأن يعيد الغائبين وأن يعيننا على أداء الأمانة فيما يجب في مثل هذا المقام. فالواجب على أهل الإسلام أن يكون عندهم من التراحم والتعاطف والتآذر والتناصر بما يكون به دفع مثل هذه المصائب والعقوبات وهذه الكوارث التي لا تندفع إلا بالتوبة إليه والإنابة إليه، وكذلك أن يتعاون بعضنا ببعض بدفع هذه المصائب التي وقعت على إخواننا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين بتوادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». وقال عليه الصلاة والسلام: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». وهكذا لا يزال الله سبحانه وتعالى في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. فلنكن في عون إخواننا حتى يعيننا الله سبحانه وتعالى، فإن هذا من أقل الواجبات التي يجب أن يقوم بها أهل الإسلام بعضهم مع بعض من التناصر والتآزر والتعاون في دفع مثل هذه المصائب التي يبتلى بها. ثم ينبغي كذلك ألا تكون شماتة ولا تنقص بمثل هذا، أن يكون ذلك من الخصومة والفجور، وإلا فكل منصف يعلم أن الله عز وجل وحده الذي جعل هذه الآيات، حيث شاء ومتى شاء وكيف شاء وأين شاء وبما شاء سبحانه وتعالى. فإن بعض ما يصيب الناس قد يكون عقوبة وقد يكون ابتلاء وقد يكون سببا لرفع درجة كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها: «يغزو جيش الكعبة فيُخصف بأولهم وآخرهم»، قالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: «يا رسول الله، يُخصف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟» قال عليه الصلاة والسلام: «يُخصف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم». أي من كان عمله صالحا بعث على عمله ونيته صالحة بعث على نيته، ومن كان غير ذلك كان على حاله. وها هنا لفتة وتنبيه أن الواجب على المسلم أن يعتبر ويتعظ، فإن من تأمل الكثير من هذه العقوبات يجد أنها تقع في بعض البلاد التي يكثر فيها الشر والفساد، وفي هذا عظة وعبرة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين». فالواجب على كل مسلم يريد السلامة لنفسه ولأهله ولدينه أن ينأى أن يبقى بين القوم الكافرين أو الفاجرين أو الفاسقين، وأن يذهب إلى مكان يصلح الله عز وجل به نفسه وأهله ودينه. ويعينه ذلك على أن يبقى في قرب من ربه سبحانه وتعالى. وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا ثم سأل عابدا فقال: «هل لي من توبة؟» قال: «لا أجد لك توبة»، فقتله فكمل المئة، ثم أتى رجلا عالما فسأله: «هل لي من توبة؟» قال: «ومن يحول بينك وبين التوبة؟» ثم دلّه وقال له: «إنك بأرض سوء فاذهب إلى الأرض البعيدة -أو قال: البلانية- فإن فيها قوما صالحين يعبدون الله فاعبد الله معهم». فانظر كيف طلب من هذا التائب أن يستعين على توبته وعلى سلامته بأن ينتقل من بلاد السوء إلى بلاد الصلاح. وهكذا الواجب على المسلمين أن ينتقلوا من بلاد يكثر فيها السوء إلى بلاد يغلب عليها الصلاح، وإن كان السوء لا يسلم منه مكان. والصراع بين الحق والباطل لا يزالان يعتركان إلى قيام الساعة، ولكن الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء في السنن بإسناد صحيح: «إن المسلم والمشرك لا ترى نارهما»، «أنا بريء من مسلم يعيش بين ظهراني المشركين»، «أنا بريء من مسلم يعيش بين ظهراني المشركين». ومعناه لا ينبغي لمسلم أن يبقى بين المشركين لما في ذلك من الأثر عليه أولا بنقصان دينه في نفسه أو في أهله وولده، أو كذلك بما قد يلحقه الضر من أولئك المجرمين والكافرين، أو كذلك ما يكون من نزول عقوبة الله ونقمته على الكافرين والفاجرين فيلحقه ما يلحقهم ويصيبه ما أصابهم. كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾. فالركون إلى الظالمين بالركون إلى أعمالهم فتعمل مثلها، وإلى أماكنهم فتبقى فيها، وإلى دعوتهم فتكون ساكتا عنها، وكل هذا يوجب ويخاف منه عقوبة الله سبحانه وتعالى. ولهذا وغيره كان الواجب على المسلم أن يهاجر من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، ومن بلاد البدعة إلى بلاد السنة، ومن بلاد المعصية إلى بلاد الطاعة، فإن ذلك يعينه على طاعة الله والقيام بحقوقه في نفسه وأهله، وكذلك يعينه على أن يسلم ويأمن من عقوبات الله سبحانه وتعالى ونقمته. ألا يصيبه ما أصاب القوم الكافرين. وفي الصحيح قام النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فزعا، قال: «ويل للعرب من شر قد اقترب». الحديث. وفيه قال: «قالت له زوجته: أنهلك وفينا الصالحون يا رسول الله؟ قال: نعم إذا كثر الخبث». تأمل قولها: «أنهلك وفينا الصالحون؟» قال: «نعم إذا كثر الخبث». فإن صلاح الإنسان لا يكفي من منع العقوبة، بل إذا كثر الخبث يخشى أن تصيبه العقوبة كما تصيب أصحاب ذلك الخبث. ولذلك إذا كان يستطيع الإصلاح فليصلح كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. وذكر النبي صلى الله عليه وسلم من صفات الطائفة المنصورة والفرقة الناجية أنها تصلح ما أفسد الناس. والذين يصلحون إذا فسد الناس، فإذا لم يستطع أن يصلح ما أفسد الناس ولم يستطع أن يحافظ على صلاحه بين الناس، فلا أقل أن يذهب ويرحل بنفسه وأهله إلى بلاد أخرى يستطيع أن يعبد الله عز وجل فيها بما يقربه إلى الله ويدنيه من الدين القويم والصراط المستقيم. نسأل الله تبارك وتعالى أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين بكل مكان، وأن يدفع عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، وأن يفرج عن المسلمين ما أصابهم، أن يغفر لموتاهم وأن يشفي مرضاهم وأن يعيد غائبهم وأن يجعلنا وسائر المسلمين هداة مهتدين. اللهم أصلح إمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتك فيمن خاقك واتقاك واتبع رضاك يا أرحم الراحمين. والحمد لله رب العالمين.