شرح مختصر السيرة  119

شرح مختصر السيرة 119

الدرس التاسع عشر بعد المائة:من( قال عبيدالله بن عبدالله:لما أشرف خالد وأجمع أن ينزل عقرباء ... والطارئ منهم على الإسلام عظيماً فاستأصل شأفتهم والحمدلله رب العالمين ).

استعداد وبداية المعركة ضد مسيلمة الكذاب

يروي تفاصيل استعداد المسلمين بقيادة خالد بن الوليد للقتال ضد مسيلمة الكذاب وبداية المعركة. يصف شدة القتال وبطولات بعض المسلمين.

قتال بني حنيفة وفتح الحديقة

يصف قتال المسلمين ضد بني حنيفة في معركة حامية الوطيس، وتحقيق النصر واقتحام الحديقة التي تحصن فيها بنو حنيفة.

تفاصيل ونتائج معركة اليمامة

يروي تفاصيل المعركة والصلح بين الطرفين، ثم يذكر وصول كتاب من أبي بكر الصديق يأمر بقتل كل من بلغ سن الرجال، ويذكر نتائج المعركة.

عواقب معركة بني حنيفة وآثارها

يذكر مقتل عدد كبير من بني حنيفة واستئصال شأفتهم بسبب ارتدادهم عن الإسلام.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم»: قال عبيد الله بن عبد الله: لما أشرف خالد وأجمع أن ينزل عقرباء -اسم مكان- ودفع الطلاء عامامه، فرجعوا إليه فأخبروه أن مسيلمة ومن معه قد نزلوا عقرباء، فشاور أصحابه أن يمضي إلى اليمامة أو ينتهي إلى عقرباء، فأجمعوا أن ينتهي إلى عقرباء. فزحف خالد بالمسلمين إليها، وكان المسلمون يسألون عن الرجال، عن الرجال -نعم- اسم رجل هذا عن الرجال بن عنفوة، فإذا الرجل على مقدمة مسيلمة، فلعنوه وشتموه، كانوا يظنون أنه لن يكون مع مسيلمة. فلما فرغ خالد من ضرب عسكره وبن حنيفة تسوي صفوفها، نهض خالد إلى صفوفه فصفها، وقدم رايته مع زيد بن الخطاب، ودفع راية الأنصار إلى ثابت بن قيس بن شماس فتقدم بها. ومعنى رايته، أي راية المهاجرين. قال: وجعل على ميمنته أبا حذيفة بن عتبة، وعلى ميسرته شجاع بن وهب، واستعمل على الخيل البراء بن مالك، ثم عزله واستعمل أسامة بن زيد. فأقبل بنو حنيفة وقد سلوا السيوف، فقال خالد: يا معشر المسلمين، أبشروا فقد كفاكم الله أمر عدوكم، ما سلوا السيوف من بعد إلا ليرهبوا -يعني ليخوفوا- معناه أن الخوف قد دخل قلوبهم، فأرادوا أن يغطوا هذا الخوف بإخراج السيوف، وإرعاب المسلمين بأن يفروا. قال: فقال مجاعة: كلا يا أبا سفيان، ولكنها الهندوانية، خشوا تحطمها وهي غدا باردة، فأبرزوها للشمس لتسخن متونها. فلما دنوا من المسلمين نادوا -يعني- معناه أنه فهم مجاعة شيئا آخر، وهو أنهم أرادوا السيوف أن تسخن مع حر الشمس وحركتها، لأنهم يقولون: إن الحديد إذا ضرب عليه وهو بارد انكسر، وإذا ضرب عليه وهو حار فإنه لا ينكسر بل يتحمل أكثر. قال: فأبرزوها للشمس لتسخن متونها. فلما دنوا من المسلمين نادوا: إنا نعتذر إليكم، إنا نعتذر إليكم من سلنا سيوفنا، والله ما سللناها ترهيبا، ولكن غداة باردة، فخشينا تحطمها، فأردنا أن تسخن متونها إلى أن نلقاكم فسترون. فاقتتلوا قتالا شديدا، وصبر الفريقان صبرا طويلا، حتى كثر القتل والجراح في الفريقين، واستحر القتل في المسلمين، وحملت القرآن حتى فنوا إلا قليلا، وهزم كل من الفريقين حتى دخل المسلمون عسكر المشركين والمشركون عسكر المسلمين مرارا. وجعل زيد بن الخطاب معه الراية يقول: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به مسيلمة، وأعتذر إليك من فرار أصحابي، وجعل يشتد بالراية في نحور العدو، ثم ضارب بسيفه حتى قتل، رحمه الله ورضي عنه. فأخذ الراية سالم مولى أبي حذيفة، فقال المسلمون: إننا خفنا أن نؤتى من قبلك. فقال: بئس حامل القرآن أنا إذا أتيتم من قبلي. ومعنى أنه سيثبت. قال: ونادت الأنصار ثابت بن قيس ومعه رايتهم: إلزمها، فإنها ملاك القوم؛ لأن الراية تدل على مكان اجتماع الجيش بذهابه وإيابه وكره وفره. قال: فتقدم سالم فحفر لرجليه حتى بلغ أنصاف ساقيه، وحفر ثابت لرجليه مثل ذلك، ثم لزم رايتهما. ولقد كان الناس يتفرقون في كل وجهة، وإن سالما وثابتا لقائمان حتى قتل سالم وقتل أبو حذيفة مولاه. قال وحشي بن حرب: اقتتلنا قتالا شديدا حتى رأيت شهب النار تخرج من خلال السيوف حتى سمعت لها صوتا كالأجراس -أي من شدة ضربها-. قال: وقال ضمرة بن سعيد المازني وذكر ردة بني حنيفة: لم يلق المسلمون عدوا أشد نكاية منهم، لقوهم بالموت الناقع والسيوف قد أصلتوها قبل النبل وقبل الرماح، فكان المعول يومئذ على أهل السوابق -يعني أهل الخير الذين تقدموا بفضل سابقتهم-. قال: وقال ثابت بن قيس يومئذ: يا معشر الأنصار، الله الله في دينكم، علمنا هؤلاء أمرا ما كنا نحسنه، ثم أقبل المسلمون -ومعنى في شدتهم ولكن على الباطل- فنحن أولى أن نشتد على الحق. قال: وقال: أف لكم ولما تصنعون، ثم قال: خلوا بيننا وبينهم أخلصونا. فأخلصت الأنصار، فلم تكن لهم ناهية حتى انتهوا إلى محكم بن الطفيل فقتلوه، ثم انتهوا إلى الحديقة فدخلوها، فقاتلوا أشد القتال حتى اختلطوا فيها. ثم صاح ثابت صيحة: يا أصحاب سورة البقرة. وأوفى عباد بن بشر على نشز فصاح بأعلى صوته -ومعنى أنه زاد في رفع الصوت من مكان مرتفع-: أنا عباد بن بشر، يا للأنصار، أنا عباد إلي إلي. فأجابوه: لبيك لبيك، حتى توافوا عنده. قال: فداكم أبي وأمي، حطموا جفون السيوف، ثم حطم جفن سيفه فألقاه، وحطمت الأنصار جفون سيوفها -ومعنى الجفن المكان الذي يدخل فيه السيف-. قال: ثم قال: حملة صادقة، اتبعوني. فخرج إمامهم حتى ساقوا بني حنيفة منهزمين حتى انتهوا إلى الحديقة، فأغلق عليهم، ثم إن الله فتح الحديقة فاقتحم عليهم المسلمون. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: دخلنا الحديقة حين جاء وقت الظهر، واستحر القتال، فأمر خالد المؤذن فأذن على جدار الحديقة بالظهر، والقوم مقبلون على القتل، حتى انقطعت الحرب بعد العصر، فصل بنا خالد الظهر والعصر، ثم بعث السقات يطوفون على القتلى، فطفت معهم، فمررت بعامر بن ثابت، وإلى جنبه رجل من بني حنيفة به جراح، فسقيت عامرا، فقال الحنفي: اسقني فداك أبي وأمي. فقلت: لا، ولا كرامة، ولكني أجهز عليك. قال: أحسنت، أسألك مسألة لا شيء عليك فيها. قلت: ماهي؟ قال: أبو ثمامة، ما فعل؟ قال: قلت: والله قتل. قال: نبي ضيعه قومه. قال: ولما قتل منهم من قتل، وكانت لهم أيضا في المسلمين مقتلة عظيمة، قد أبيح أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: لا تغمد السيوف، وفينا وفيهم عين تطرف -ومعنى ما دامت الحياة باقية فلا ينبغي أن ترد السيوف إلى أغمادها-. قال: وكان في من بقي من المسلمين جراحات كثيرة. فلما أمس مجاعة أرسل إلى قومه ليلا أن يلبسوا السلاح النساء والذرية، ثم إذا أصبحتم فقوموا مستقبل الشمس على حصونكم حتى يأتيكم أمري. وبات المسلمون يدفنون قتلاهم -يعني بالليل-، فلما فرغوا جعلوا يتكمدون بالنار من الجراح. وكما أشار في التعليق: الكماد خرقة تسخن وتوضع على الموضع، وتكميذ العضو تسخينه بها معروف، التكميد إلى يومنا هذا وهو معروف معناه. قال: فلما فرغوا جعلوا يتكمدون بالنار من الجراح، فلما أصبحوا أمر خالد فسيق مجاعة في الحديد، يعرفهم القتلى. فمر برجل وسيم، فقال: يا مجاعة، أهو هذا؟ قال: هذا أكرم منه، هذا محكم بن الطفيل، إن الذي تبتغون لرجل أصيفر أخينس، فوجدوه، فوقف عليه خالد، فحمد الله كثيرا، وأمر به فألقي في البئر التي كان يشرب منها. وكان خالد يرى أنه لم يبق منهم أحد إلا من لا عتاد عنده، فقال: يا مجاعة، هذا صاحبكم الذي فعل بكم الأفاعيل، ما رأيت عقولا أضعف من عقول أصحابك، مثل هذا فعل بكم ما فعل. فقال مجاعة: قد كان ذلك، ولا تظن أن الحرب انقطعت، وإن قتلته، إن جماعة الناس أهل البيوتات لفي الحصون، فانظر. فربع خالد رأسه، وإذا السلاح والخلق الكثير على الحصون، فرأى أمرا غمه. وكانت مكيدة؛ لأنه لا يرى من يحمل هذه السيوف، فيظن أنه عدد كثير من جيش آخر في الحصن، وليس الأمر كذلك، ولكنه استعان بالنساء والأطفال. قال: ثم استند ساعة، ثم أدركته الرجول، فقال لأصحابه: يا خيل الله اركبي، يا صاحب الراء يقدمها. فقال مجاعة: إني لك ناصح، وإن السيف قد أفناك، فتعال أصالحك عن قومي. وقد أخل بخالد مصاب أهل السابقة، ومن كان عنده الغناء فقد رقى، وأحب الموادع ما عجف الكراع. فاصطلحوا على الصفراء والبيضاء والحلقة والكراع ونصف السبي. ثم قال مجاعة: إني آتي القوم فعارض عليهم ما صنعت. قال: فانطلق فذهب، ثم رجع فأخبره أنهم أجازوه. فلما بان لخالد أنما هم النساء والصبيان، قال: ويلك يا مجاعة، خدعتني. قال: قومي، فما أصنع، وما وجدت من ذلك بدا. وقال أسيد بن حضير وغيره لخالد: اتق الله ولا تقبل الصلح. فقال: إنه قد أفناكم السيف. قالوا: وأفنا غيرنا أيضا. قال: ومن بقي منكم جريح. قال: ومن بقي من القوم جرحا، لا ندخل في الصلح أبدا، اغضبنا عليهم حتى يظفرنا الله بهم، أو نبيذ عن آخرنا -ومعنى أنهم أبوا الصلح وأرادوا الاستمرار بالقتال، فإن كان فيهم جرحا ففي العدو جرحا، وإن كان فيهم قتلا ففي العدو قتلا-. قال: احملنا على كتاب أبي بكر، إن أظفرك الله بهم فلا تبقي منهم أحدا. فبينما هم على ذلك، إذ جاء كتاب أبي بكر يقطر الدم، وفيه: إن أظفرك الله بهم فلا تستبقي رجلا مرت عليه الموسى -ومعنى مرت عليه الموسى يعني قد بلغ سن الرجال، فمن بلغ سن الرجال فهو من المقاتلة الذين يقتلون كما وقع لليهود في قصة سعد بن معاذ رضي الله عنهم جميعا وأرضاهم-. قال: فتكلمت الأنصار بذلك، وقالوا: أمر أبي بكر فوق أمرك. فقال: إني والله ما ابتغيت بذلك إلا الذي هو خير، فرأيت أهل السابق وأهل القرآن قد قتلوا، ولم يبق معي إلا من لا بقاء له على السيف لو لجج عليهم، فقبلت الصلح، مع أنهم قد أظهروا الإسلام واتقوا بالراح، وتم الصلح، وكتب إلى أبي بكر يعتذر إليه. فتكلم عمر في شأن خالد بكلام غليظ، فقال أبو بكر: دع عنك هذا. فقال: سمعا وطاعة. وقال أبو بكر: ليته حملهم على السيف، فلن يزالوا من كذابهم في بليا إلى يوم القيامة، إلا أن يعصمهم الله. وكانت وقعة اليمامة في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة. قال: وذكر عمر يوما وقعة اليمامة ومن قتل فيها من أهل السابقة، فقال: ألحت السيوف على أهل السوابق، ولم يكن المعول يومئذ إلا عليهم، خافوا على الإسلام أن يكسر بابه فيدخل منه، إن ظهر مسيلمة، فمنع الله الإسلام بهم حتى قتل عدوه وأظهر كلمته، وقدموا رحمهم الله على ما يسرون به من ثواب جهادهم من كذب على الله -نعم- من كذب على الله ورسوله، فاستحر بهم القتل، فرحم الله تلك الوجوه. وقال يعقوب بن سعيد بن عبيد الزهري: قتل من بني حنيفة أكثر من سبعة آلاف، وكان داؤهم خبيثا، والطار منهم على الإسلام عظيما، فاستأصل شأفتهم، والحمد لله رب العالمين. طيب إلى هنا والله تعالى أعلم.