الدرس في شرح مختصر السيرة 8، الدرس الثامن : وفيه : ( ثم ذكر قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه ... وإلا لو كان لأولئك المعذبين رخصة لفعلوا ) , ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن بداية الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم وقصة إسلام سلمان الفارسي وبحثه عن النبي. يبرز أهمية الفطرة في الدلالة على التوحيد.
يتناول الإشارة إلى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة وقصة بدء الوحي والفرق بين النبوة والرسالة. يعتمد على رأي ابن تيمية رحمه الله.
يبرز أهمية التوحيد كأول ما دعا إليه الرسل، ويبين وجوب معاداة المشركين. يشير إلى أن الأصل في الدين هو العقيدة ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم.
يحذر المؤلف من أن التظاهر بالإيمان لا يكفي للنجاة من عذاب الله، ويشبه هؤلاء بالمشركين في زمن النبي عليه الصلاة والسلام.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. فأدوا ذلك وقلوا الله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية، ثم ذكر قصة بدء الوحي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والقصة في الصحيحين، وفيها أن أول ما أنزل عليه «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ» لأن قوله «يُعَلِّمُ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ»، ثم أنزل عليه «يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ»، فأنزل «فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ». أورد رحمه الله أن هذه هي الإشارات كذلك في أوائل هذه الرسالة أو هذا الكتاب «مختصر السيرة»، ويشير رحمه الله إلى ما ذكره ابن هشام وكذا ابن إسحاق مما هو في السيرة، هذه الأشياء فهو رحمه الله يريد الاختصار، وهو يقف رحمه الله عند المواقف التي يظن أن لها علاقة بالهدف أو كذلك الحكمة التي ينبغي أن يستفيدها المسلم من سيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فأما قصة إسلام سلمان الفارسي، فقد جاءت في أحاديث كثيرة صحيحة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي فيما وقع لسلمان حين جاء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذكر قصته، كيف هداه الله عز وجل إليه الخير من أول الأمر حتى ترك دين الفرس، ثم انتقل من دين إلى دين ومن راهب إلى راهب حتى أخبر بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكان ذلك سبب إسلامه. جاء إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يبحث عن النبي الذي أخبر به عدد من الرهبان فيما أخبر به من الكتب السابقة، فهو يبحث عن علامات هذا النبي الذي سيبعث حتى وجده عليه الصلاة والسلام. وكان مما أخبر به أن من علاماته أنه يرد الصدقة ويقبل الهدية، ففعل ذلك مرتين: أتى بالصدقة فدفعها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى أصحابه ولم يأكل منها، وأتى بالهدية فأكل منها. فصار يتتبع يريد أن ينظر العلامة الأخرى وهي خاتم النبوة بين كتفيه عليه الصلاة والسلام، وهي نتوء زائد في كتفه عليه الصلاة والسلام، فلما رآه أسلم عنده عليه الصلاة والسلام. وهكذا قصة الأربعة، يريد أن هؤلاء كانوا في جاهلية، ومع ذلك كرهوا دين الجاهلية وحبب إليهم أمر شنيع، ويريد بهذا كذلك أن يشير إلى أن صاحب الفطرة الصحيحة فطرته تدله على التوحيد وعلى العقيدة، فإذا صدق الإنسان وحرص على الحق فإنه لن يقع في الباطل. وهكذا كذلك ذكر وصية عيسى بن مريم، يعني فيما ذكر من أمر الكتب السابقة، وما يذكر في السيرة منه الصحيح ومنه الضعيف، لكن من الجملة معناه صحيح، بل أخبرنا الله جل وعلا بذلك في كتابه سبحانه كما في سورة الصف، قال الله عز وجل عن عيسى فيما أخبر به عن نبيه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يَأْتِي مِنْ بَعْدِ اسْمُهُ أَحْمَدُ»، يعني أخبر عيسى أمته وقومه بمجيء وظهور نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا ما أخبر به من أسلم كما مر معنا عبد الله بن سلام، وهكذا قصة ابن الهيبان وغير ذلك مما كان منتشرا عند اليهود وعند النصارى، قصة بحيرة الراهب، فكل هذه تدل على مبعث نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأنه قد أخبر في الكتب السابقة. وهذا ما أشار إليه من الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾، فهذا الميثاق ميثاق عام بكل ما أراده الله جل وعلا من النبيين، ومنه كذلك الإيمان بجميع الرسل، ومنه برسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما أن تكون الآية نزلت في أمر نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم خاصة، فلم يرد في ذلك شيء صحيح صريح. ثم لدر قصة بدء الوحي، يريد ما جاء بالصحيحين كما قال، والقصة بالصحيحين يريد حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها في أوائل صحيح البخاري، وفيها ذكر الوحي الذي أنزل على النبي عليه الصلاة والسلام وكيف كان أول هذا الوحي، وفيه أن أول ما أنزل عليه «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ»، وهكذا قال، ثم أنزل عليه «يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ»، يعني هكذا كذلك مما أنزل عليه «يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ» أم «فَأَنْذِرْ»، وهذا على هذا النحو صحيح. وأما ما هو مشهور من أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نبئ بـ«اقْرَأْ» وأرسل بـ«يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ»، فهذا ليس عليه دليل صحيح صريح، وهذا مبني على تفسير معنى الفرق بين النبوة والرسالة بأن النبوة: النبي من أوحي إليه ولم يؤمر بتبليغه ذلك الوحي، وأن الرسول من أوحي إليه وأمر بتبليغ ذلك الوحي. وهذا وإن كان هو قول أكثر أهل العلم أي في الفرق بين النبي والرسول، إلا أنه قول مرجوح خلاف الصواب كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه «النبوات». والصحيح: الفرق بين النبي والرسول أن النبي من بعت بشريعة من جاء قبله، والرسول من جاء بشريعة جديدة، وكل من النبي والرسول أمر بتبليغ ما أنزل إليه. قال رحمه الله تعالى: فمن فهم أن هذه أول آية أرسله الله بها عرفه أنه سبحانه أمره أن ينذر الناس عن الشرك الذي يعتقدون أنه عبادة الأولياء ليغربوه من الله قبل إنذاره عن نكاح الأمهات والبنات. وعرض أن قوله تعالى «وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ» أمر بالتوحيد قبل الأمر بالصلاة وغيرها، وعرض قدر الشرك عند الله وقدر التوحيد، ويريد أن يستخرج هذه الفائدة. وكما قلنا أن هذا الكتاب تخصص في أمر استنباط الفوائد من السيرة خصوصا فيما يتعلق بالعقيدة والاهتمام بها، وهذا من أعظم مزايا هذا الكتاب. وما ذكره رحمه الله ظاهر، بل هو في آيات أخرى كثيرة بحق نبينا وغيرهم من الأنبياء عليه الصلاة والسلام، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، فمفتاح دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام التوحيد، أي أن أول ما أمروا بالدعوة إليه التوحيد. وإلى هود أخاهم، وإلى ثمود أخاهم صالحا، قال: «يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ»، «اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ»، أول ما دعت الرسل أو دعا الرسل إلى أممهم هو توحيد الله جل وعلا. قال: فلما أنذر صلى الله عليه وعلى آله وسلم الناس استجاب له قليل، وأما الأكثر فلم يتبعوا ولم ينكروا حتى بادأهم بالتنفير عن دينهم وبيان نقائصه وعيب آلهتهم، فاشتدت عداوتهم له ولمن تبعه وعذبوهم عذابا شديدا، وأرادوا أن يفتنوهم عن دينهم. فمن هذا عرف أن الإسلام لا يستقيم إلا بالعداوة لمن تركه وعيب دينه، وإلا لو كان لأولئك المعذبين رخصة لفعلوه. ويريد أن يبين رحمه الله أولا أن الأمر بالتوحيد أهم المهمات وأول الواجبات حتى قدم على الصلاة وعلى نكاح الأمهات والبنات، ويريد بذلك أن يبين للذين فتنوا بعبادة القبور وتعظيم الأولياء على وجه الشرك أن ما هم فيه من الدين من إقامة الصلاة وكذلك إقامة بعض الشرائع كالنكاح الشرعي ونحو ذلك هذا ليس بشيء إذا كان الأصل مفقود، إذا كان الأصل مفقود وهو العقيدة، هذا الذي يريد أن ينبه عليه رحمه الله، وسيأتي من ذلك شيء كثير. وأراد كذلك أن ينبه رحمه الله أن الشأن كل الشأن ليس في عدم معارضة النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن الشأن كل الشأن في متابعة ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام، وإلا فبعض المشركين لم يعادوا النبي عليه الصلاة والسلام، انتبهوا لهذا، لم يعادوا النبي عليه الصلاة والسلام لكنهم لم يكونوا معه، لكنهم لم يكونوا معه. ويريد بهذا أن دعاة التوحيد في زمن المؤلف رحمه الله وفي كل زمان يدعون إلى التوحيد، الناس معهم ثلاثة أصناف: صنف عرفوا الحق فاتبعوه وناضلوا معه ولأجله، وهم من قبل دعوة التوحيد، وصنف عادوا دعوة التوحيد فكانوا مع عباد القبور، وصنف ثالث ما اكترثوا بالأمر فبقوا على شأنهم، لا هم دخلوا بدعوة التوحيد وناصروها، ولا هم عادوا أصحاب التوحيد، ولا هم عادوا أصحاب التوحيد ووقفوا مع أصحاب الشرك، بل لم يكترثوا بالأمر وبقوا على ما هم عليه. ومعنى بقوا على ما هم عليه يعني يقررون الزيارات الشركية ويقررون عبادة غير الله ولا يرون أن ذلك شرك وكفر، فإذا ناسب لهم الحضور حضروا، وإذا سئلوا عن ذلك أقروا، وإذا ذكر كذلك أهل الحق ربما اتهموهم بالتشدد، فهم بالحقيقة ساكتون عن الحق فراضون بالجمع عن الباطل. فمثل هؤلاء يريد أن ينبه المؤلف رحمه الله أن هذه الطريقة لا تنجيهم من عذاب الله، لا تنجيهم من عذاب الله، يخاف عليهم من عذاب الله. كحال المشركين في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، هم على صنفين: صنف عاد النبي عليه الصلاة والسلام، وصنف بقوا على ما هم عليه وقروا المشركين على ما هم عليه، وإن كان لم يعاد النبي عليه الصلاة والسلام فهم مع أهل الشرك. طيب نقف عند هذا الحد ونكمل إن شاء الله إذا شاء الله. إلى هنا والحمد لله ربنا. إلى هنا والحمد لله ربنا.