الدرس في شرح مختصر السيرة 24، الدرس الرابع والعشرون : وفيه : ( صنم منات : ومن أقدم أصنامهم مناة ... ثم أمر بها فأخرجت من المسجد وحرقت ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
كان العرب يعظمون الأصنام مثل منات واللات والعزة في الجاهلية، وكانوا يعكفون عليها. أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهدمها بعد الفتح الإسلامي.
الأصنام مثل العزى وهبل وإساف ونائلة كانت تعبد وتقدس في الجاهلية، ثم دمرت بعد الفتح الإسلامي على يد خالد بن الوليد. طرح تساؤلات حول طبيعة المرأة الحبشية التي كانت تحمي العزى.
العرب كانوا يعبدون أصنامًا متعددة بأشكال وأصول مختلفة قبل الإسلام. بعد فتح مكة، أمر النبي بهدم الأصنام وإزالتها من حول الكعبة.
انتهى الحديث حول موضوع الأصنام والتوحيد، ويعبر عن الامتنان لله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول" صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "صنموا منات، ومن أقدم أصنامهم منات، وكان منصوبًا على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد. والمشلل موضع قريب من بين جدة ومكة معروف اليوم". وقال: "بقديد، وقديد اسم موضع بالقرب من مكة بين جدة ومكة، وهو اليوم على طريق المدينة مكة الخط السريع، قرية بلدة معروفة". قال: "بين مكة والمدينة، وكانت العرب تعظمه قاطبة، ولم يكن أحد أشد تعظيمًا له من الأوس والخزرج، يعني منات". قال: "وبسبب ذلك أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾". فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا رضي الله عنه فهدمها عام الفتح، يعني هدم منات. ومعنى الآية: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ أنهم استنكروا أن يفعلوا الطواف والسعي بين الصفا والمروة، وكان فيه شيء من أصنام الجاهلية، فخشيوا أن يكون في ذلك موافقة لأهل الجاهلية، فأنزل الله عز وجل ألا حرج في ذلك. قال رحمه الله تعالى: "صنموا لك، قال: ثم اتخذوا اللات في الطائف، إلى أن أصل ذلك رجل كان يلث السويق للحاج، فمات، فعكفوا على قبره". وقد روي هذا المعنى عن مجاهد وعن عبد الله بن عباس، أي أن اللات رجل كان يلث السويق. قال: "فعكفوا على قبره، وكانت صخرة مربعة -يعني في الموضع- جعلوا بالموضع الذي يلث فيه". قال: "وكانت سدنتها ثقيف -يعني خبيرة ثقيف- من قبائل الطائف". فإن قال قائل: كيف هذا والطائف بعيد من مكة؟ الجواب: أن الحجاج كانوا يمرون بهذه البلدة، فلأجل مرورهم بها كان يلث السويق لمن يمر من الحجيج في ذلك الموضع. قال: "وكان سدنتها ثقيف، والسدنة هم الذين يقومون بحماية هذا الصنم ورعايته وأخذ ما يلزم له ولأجله". قال: "وكانوا قد بنوا عليها بيتًا، فكان جميع العرب يعظمونها، وكانت العرب تسمي زيدًا لات وتيما لات -يعني مثل ما تقول عبد الله، فعبد الله فيه عبودية لله عز وجل- فكذلك جعلوا زيدًا لات من باب التبرك والحماية والحياطة باسم هذا الصنم". قال: "وكانت العرب تسميه زيدًا لات وتيما لات، يعني من أسماء العرب الانتساب لهذا الصنم". قال: "وهي في موضع منارة مسجد الطائف بعدما هدمت، بنية في ذلك الموضع مسجد". وقال أهل التاريخ: "أن موضع المنارة في مسجد الطائف المشهور في ذاك الزمان هو موضع الصنم". قال: "فلما أسلمت ثقيف، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة فهدمها وحركها بالنار". قال: "صنم العزة، ثم اتخذوا العزة وهي أحدة من اللات، وكانت بوادي نخلة فوق ذات عرق". ووادي نخلة اسم موضع بين الطائف ومكة، وهو معروف اليوم كذلك. قال: "فوق ذات عرق، وبنوا عليها بيتًا، وذات عرق كذلك اسم موضع معروف اليوم، وبنوا عليها بيتًا". وكانوا يسمعون منها الصوت، وكانت قريش تعظمها -يعني العزة-. فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، بعث خالد بن الوليد فأتاها فكسرها -يعني قطعها-، وكانت ثلاثة سمرات -يعني ثلاثة أشجار من السمر-. فلما قطع الثالثة، فإذا هو بحبشية نافشة شعرها. وفي رواية: "وقد مر معنا قريبًا في الصحيح المسند مما ليس بالصحيحين أنه قطع السمرات، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يرجع، وأخبره أنه لم يصنع شيئًا، فرجع". فلما اتجه إليها، إذا بامرأة عارية نافشة شعرها -يعني امرأة حبشية-، فعممها بالسيف -أي خالد بن الوليد- فقتلها. فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "الآن -يعني الآن قتلت وأنهيت هذا الصنم-". وقد اختلف أهل العلم: هل هي من الجن هذه المرأة كانت تحمي هذا الصنم؟ أم أنها من الإنس الذين كانوا يرهبون الإنس بشيء من الحيل والشعوذة ونحو ذلك؟ على أنها من الجن الذين يحمون هذا الصنم. وعلى كل الأمرين يصح أنها شيطان، فالشيطان من خرج عن الصراط المستقيم من الإنس أو من الجن، ويتسلط هؤلاء على ضعفة التوحيد وعبدة الأوثان بما يكون من إملاء ما يريدون لعبادة تلك الأصنام، وكل ذلك يقع - يقع من بعض السدنة ما يرهبون به بعض الإنس، ويقع كذلك من بعض الجن أنهم يتسلطون على الإنس، وكل ذلك فتلت عليه العمومات من أدلة الكتاب والسنة. قال: "فإذا هو بحبشية نافشة شعرها، واضعة يدها على عاتقها، تضرب بأنيابها، وخلفها سادنها". فقال: "يا عز، كفرانك، لا سبحانك، إني رأيت الله قد هانك". ثم ضربها، ففلغ رأسها، فإذا هي حمحمة، ثم قتل السادن. وقتل السادن -الله أعلم به- الذي ورد بالإسناد الصحيح أنه قتل هذه المرأة، وأن السدنة ابتعدوا عنها، وقالوا: "يا عز، خبلي، يا عز، عوري، وإلا فموتي برغم". فعممها سيف -عممها خالد بالسيف-. قال: "صنموا هبل". قال: "وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها، وأعظمها هبل، وكان من عقيق أحمر". والعقيق نوع من الحجر يسمى من الأحجار الكريمة عقيق. قال: "من عقيق أحمر على صورة الإنسان، وكانوا إذا اختصموا أو أرادوا سفرًا أتوه فاستقسموا بالقداح عنده". وهو الذي قال فيه أبو سفيان يوم أحد: "اعلوا هبل". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قولوا: الله أعلى وأجل". وقال كذلك: "لنا هبل، ولا هبل لكم، أو لنا عز، ولا عز لكم". قال: "وكان لهم -والحديث الصحيح كما أشار المعلق في البخاري- إساف ونائلة". إلى أصلهما: "أن إسافًا رجل من جرهم، ونائلة امرأة منهم، فدخلا البيت فزنا بها فيه، فمسخهم الله بهما حجرين، فأخرجوهما فوضعوهما ليتعظ بهما الناس". فلما طال الأمد وعبدت الأصنام -عبدا والله أعلم بهذه القصة- لكن وجود هذين الصنمين إساف ونائلة مشهور، وذكر ذلك في كتب السيرة والتاريخ. قال: "وذو خلصة". قال: "وذو خلصتي، وكان لخثعم وبجيلة ودوس صنم يقال له ذو خلصة، الذي كان بتبالة بين مكة واليمن". وهذه تبالة ليست تبالة الشحر، ولكنها تبالة قرية بالقرب من مكة. قال: "فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لجرير بن عبد الله البجلي: ألا تريحني من ذي الخلصة؟ فسار إليه بأحمس، فقاتلوا همدان، فظفر بهم وهدمه". ومراده رحمه الله: أن يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى ناس كانوا يعبدون غير الله، وهذا الذي كانوا يعبدونه من أصنام، منه ما أصله شجر، ومنه ما أصله حجر، ومنه ما أصله إنس، ومنه ما أصله جن، ومنه ما أصله قبور أنبياء وصالحين، وكل ذلك صار شركًا ينافي الإسلام، وحوربوا جميعًا لأجله. قال: "وكان لقضاعة ولقم وجذام وعاملة وغطفان صنم بمشارف الشام". وكان لأهل كل واد بمكة صنم، إذا أراد أحدهم سفرًا كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به. بل صارت الأصنام في كل بيت، ما من بيت من بيوت العرب إلا وفيه صنم يعبد من دون الله عز وجل. بل صار غالب العرب يصطحبون معهم أصنامًا، يصطحبون معهم أصنامًا، منهم من يحطه في مقبضه، ومنهم من يحطه في جرابه في بعيره أو غير ذلك. ومنها القصة المشهورة المعروفة في قصة عمر بن الخطاب، حين ذكر أن من سفاهة العرب أنهم ربما صنعوا صنمًا من التمر لأجل ما يتحملون أحمال كثيرة، يصنعون صنمًا من التمر، فإذا جاع أحدهم أكل هذا الصنم الذي يعبده. قال: "وصنم عم أنس". قال ابن إسحاق: "وكان لخولان صنم يقال له عم أنس، وفيهم أنزل الله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾". فقالوا: "هذا لله بزعمهم، وهذا لشركائنا". فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله فيصل إلى شركائهم، ساء ما يحكمون. فلما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم للتوحيد، قالت قريش: "أجعل الآلهة إلهًا واحدًا، إن هذا لشيء عجاب". وكانت العرب قد اتخذت من الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة. وهذا الصنم المذكور مشهور ذكره في التاريخ والسير، لكن لم يصح أن هذه الآيات نزلت فيها، وهي آيات سورة الأنعام: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾. بل هذا عام لكل ما وقع من شرك عند العرب، فإنهم كانوا يجعلون لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا، ويجعلون لشركائهم نصيبًا، وليس هذا خاصًا بهذا الصنم، بل هو لأصنام كثيرة من أصنام العرب. وهكذا كذلك قوله: "وكانت العرب التي اتخذت مع الكعبة طواغيت -أي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة- مثل ما مر معنا قبل قليل، أهل الطائف كانوا يعظمون اللات الذي بنوا حوله بيتًا كان يزار ويؤتى". قال: "ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وجد حول البيت ثلاثمائة وستين صنمًا، فجعل يطعن في وجوهها وعيونها، يسقطها برمحه، ويقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾". قال: "وهي تتصادق على رؤوسها". ثم أمر بها فأخرجت من المسجد وحرقت. والحديث في الصحيحين. وبهذا القدر نكتفي، والحمد لله رب العالمين.