الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 01، الدرس الأول : (سيرة الشيخ حافظ الحكمي ... إلى قوله ... راضٍ به مدبراً معيناً). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ولد الشيخ حافظ في قرية السلام ونشأ في كنف والده، ثم انتقل إلى قرية الجابع حيث حفظ القرآن وتعلم الخط. التحق بمدرسة لتحفيظ القرآن والتقى بالشيخ عبد الله القرعاوي الذي درس على يديه في صامطة.
عمل الشيخ حافظ مدرسًا ومديرًا للمدارس والمعاهد، وألف كتبًا في العلوم الشرعية. توفي في سن مبكرة بعد نبوغه في الفقه والعقيدة واللغة.
شرح المؤلف مسائل البسملة مثل معنى البسملة وكتابة الألف فيها، والفرق بين الرحمن والرحيم. بين أن الرحمن أبلغ من رحيم لزيادة المبنى ودلالتها على زيادة المعنى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: المملكة العربية السعودية، السلفيين، وهو علم من أعلى منطقة الجنوب، الذين عاشوا حياتهم في الكفر الأول من المصر الثاني من هذا القرن الرابع عشر الهجري. والحكمين يثبتون إلى الحكمة، ويسعد العشيرة، بطن من مدحج، مدحج من كهلان، من سبأ بن يحفر بن يشجب بن يعرب بن قحطان. مولده ونشأته: ولد الشيخ حافظ لأربع وعشرين ليلة خلت من شهر رمضان المبارك من سنة 1342 هجرية، 1924 في قرية السلام، تابعة لمدينة المضايا، الواقعة في الجنوب الشرقي من مدينة جيزان، حاضرة المنطقة، على السلحة غربي منها، حيث تقيم قبيلته التي لها لم تزل ثم انتقل مع والده أحمد إلى قرية الجابع التابعة لمدينة الصامعة في نفس المنطقة، وهو ما يزال صغيرًا، لأن أكثر مصالح والده كانت هناك، وإن بقيت أسرته الصغيرة تنتقل بين قريتي السلام والجابع بظروف المعيشة. ونشأ حافظ في كنف والده، تشرب من صالحة طيبة، فربى فيها على العفاف والطهارة وحسن القرب، وكان قبل بلوغه يغدو برعي غنم والديه، الذي كانت أهم فرصة لديهم آنذاك، جريًا على عادة المجتمع في ذلك الوقت. إلا أن حافظًا لم يكن بغير من فطين ملتمع، فقد كان آية في الذكاء وسرعة الحفظ والفهم، فلقد حفظ أكثر القرآن وعمره لم يتجاوز الثانية عشرة، بعده، وكذلك تعلم الخط وأحسن الكتابة منذ الصغر. طلبه للعلم: عندما بلغ حافظ من العمر سبع سنوات، ألحقه والده مع شقيقه الأكبر محمد بمدرسة لتعليم القرآن الكريم في قرية الجابع، وقرأ على مدرسه بها جزءًا عم وتبارك، ثم واصل قراءة المعوذتين حتى تم قراءة القرآن مجودًا خلال أشهر معدودة. ثم أكمل حفظه تعمقًا بعد ذلك، اشتغل بعدئذ لتحسين الخط، فأولاه أجدر جهوده حتى أتقنه، وكان ينصف من نصيبه محبوبًا بخط منتاز، إلى جانب اشتغال مع أخيه بإجراء بعض خطب الفقه والفرائض والحديث والتفسير والتوحيد، مطالعة وحفظًا، منذ والده، إذ لم يكن بالقرية عالم يسد بعلمه. حتى سلمت على يديه، وفي مطلع سنة 1358 هجرية، قدم من نجد الشيخ الداعي المفلح عبد الله بن محمد بن حميد القرعاوي إلى منطقة تهامة في جنوب المملكة، بعد أن سمع عما كان فيها من الجهل والبدع، وكان كل منطقة يدعو فيها الداعي والمسلمون أو ينعدموا. وفي سنة 1359 هجرية، قدم شقيق حافظ محمد بن أحمد برسالة منه ومن أخيه حافظ يطلبان فيها من الشيخ القرعاوي خذًا بالتوحيد، ويعتذران عن عدم الخروج إليه استغالهما بخدمة والديهما والعناية بشؤونهما، كما يطلبان منه إن كان في استطاعته أن يتوجه إليهما لقريتهما ليسمعا منه بعض ما يلقي من دروس. وفعلًا لبى الشيخ طلبهما وذهب إلى قريتهما، وهناك التقى بحافظ وعرف عن كتبه وتوسم فيه النجابة والذكاء، وقد صدقت فيه فراسته، ومثل الشيخ عدة أيام في الجابع ألقى فيها بعض الدروس العلمية التي حضرها مجموعة من شيخ القرية وشبابها، ومن بينهم حافظ الذي كان أصغرهم سنًا، لكنه كان أسرعهم فهمًا وأكثرهم حفظًا واستيعابًا لما يلقي الشيخ من معلومات. يقول عنه الشيخ عبد الله القرعاوي: «فها أنذا جلست عدة أيام في الجابع، وحولوا ليأخذوا الدروس، وإن فاته شيء سينغلوا من زملائه، فهو على إذنه حافظ يحفظ لجلبه وخطه، والطلب الكبار كانوا يراجعونه في كل ما يذكر عليه في المعنى والكتابة، لأني كنت أملي عليهم إملاء ثم أشرحه لهم». وعندما أراد الشيخ العودة إلى مدينة صامطة التي جعلها مقرًا له مركزًا لدعوته، طلب من والدي حافظ أن يرسلاه معه ليطلب العلم على يديه في صامطة، على أن يجعل لهما من يرعى شأنهما بدلاً عنه، ولكنهما رفضا طلب الشيخ أول الأمر، وأصرّا على أن يجعل ابنهما الصغير في خدمتهما لحاجتهما الكبيرة إليه. وتشاء إرادة الله أن لا تقول حياة والدته بعد ذلك، إذ توفيت في شهر رجب سنة 1360 هجرية، فيسمح والده له ولأخيه محمد أن يذهبا إلى الشيخ للدراسة لمدة يومين أو ثلاثة في الأسبوع، ثم يعودا إليه. فكان حافظ يذهب إلى الشيخ في صامطة فيملي عليه الدروس، ثم يعود إلى قريته، ولم يعمر والده بعد ذلك، إذ انتقل إلى جوار ربه وهو عائد من حج سنة 1360 هجرية، رحمه الله. فتفرغ حافظ للدراسة والتحصيل، فذهب إلى شيخه ملازمة جازمة، يقرأ عليه ويستفيد منه، وكان حافظ في كل فراسته على شيخه مبرزًا ونابغًا، فأثمر في العلم بسرعة فائدة، وأجاد قول الشعر والنثر معه. ولقد كان كما يقول عنه شيخه: «لم يكن له نظير في التحصيل والتأليف والتعليم والإدارة في كل وقت قصير، في وقت قصير، حلمه مكس حافظ يطلب العلم على يد شيخه الجليل عبد الله القرعاوي، ويعمل على تحصيله، ويبتغي الكتب القيمة النافعة من أمهات المصادر الدينية واللغوية والتاريخية وغيرها، فيستوعبها قراءة وفهما». وعندما بلغ التاسعة عشر من عمره، ومع صغر سنه، طلب منه شيخه أن يؤلف كتابًا في توحيد الله، ليشتمل على عقيدة السلف الصالح، ويكون نظمًا ليسهل حفظه على الطلاب، جاهدًا بمتابعة اختبار له، يدل على الكسب الذي استفاد من دراساته وتحجيله العلميين. فصنف منظومته «سلم الوصول إلى علم الوصول في التوحيد»، التي انتهى في تصويرها في سنة 1362 هجرية، وقد أجاد فيها ولاقت استحسان شيخه والعلماء المعاصرين له. ثم تابع تصنيف الكتب بعد ذلك، فألف في التوحيد، وفي مصطلح الحديث، وفي الفقه وأصوله، وفي الفرائض، والسيرة النبوية، وفي الوصايا والأداب العلمية، وغير ذلك، نظمًا ونثرًا، وقد طبع جميعها. ويقف لنا من آثار الشيخ العلمية أن أبرز نظر وآتٍ ذلك الأثر في منهج العلم ومؤلفات هي تلك الكتب التي ألفها علماء السلف الصالح من أهل السنة في العلوم الإسلامية، من تفسير وحديث وفقه وأصول. أما في مجال العقيدة، فقد بدأ تلميذًا متأثرًا من شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، كثيرًا لاستفادة من مؤلفاتهما والأخذ عنهما، هذا إلى جانب استيعابه لكثير من مصادر التاريخ والأدب واللغة والنحو والبيان، المؤلفة في مختلف العصور الإسلامية. أدبه: يعطي الشيخ حافظ من أجل علماء منطقة تهامة، وأقدرهم على قول الشعر، فقد كان يعشق الشعر منذ صغره، ويحفظ ويقول ويقوله سليقة دون تكلف، فلا غرو إذ رأيناه يخرج أكثر مؤلفاته مضمَّنةً بأعماله. عندما لمس الشيخ عبد الله القرعاوي تطور تلاميذه والمستجدين من التلاميذ، ألقى عليهم دروسًا نافعة، واستفاد منها فائدة كبيرة، ثم عينه شيخه في سنة 1363 هجرية مديرًا لمدرسة الصامطة السلفية، أول وأكبر مدرسة افتتحها الشيخ في المنطقة، لطلب العلم، وأسند إليه أمر الإشراف على المدرسة وعلى مدارس القرى المجاورة. ثم انتقل الشيخ حافظ القيام بواجبه مع شيخه في عدة أماكن، منها قرية السلامة العليا، ومدينة بيش، وأم الخشف في الجزء الشمالي منطقة جازان، وغيرهما، عاد بعدها إلى منطقة الصامطة مرة أخرى، يدير مدارسها ويساعد شيخه في تحمل المسؤولية والإشراف على سير التعليم، ومواصلة تدعيم مهام الدعوة والإصلاح. وفي سنة 1373 هجرية، افتتحت وزارة المعارف السعودية مدرسة ثانوية بجازان، عاصمة المنطقة، فعين الشيخ حافظ أول مدير لها في ذلك العام، ثم ألحقت معهدًا علميًا تابعًا للإدارة العامة للكليات والمعاهد العلمية آنذاك، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية حاليًا، من مدينة جيزان. فعين الشيخ حافظ مديرًا له، فقام بعمله هذا خير القيام، وكان يلقي في بعض المحاضرات وينلي على تلاميذه الكثير من المعلومات الشرعية واللغوية المفيدة، ويضع لهم المذكرات الدراسية للفنون التي لم تدرر لها كتب علمية، وفق المناهج المحدودة، وفق المناهج المحددة، كان يمليها أحيانًا بنفسه، وقد يمليها عن طريق المدرسين بالمعهد أحيانًا أخرى. ولم يزل الشيخ حافظ مديرًا للمعهد الصامطة العلمي حتى حج في سنة 1377 هجرية، وبعد انتهائه من أداء مناسك الحج، لبى نداء ربه في يوم السابع عشر من شهر ذي الحجة سنة 1377 هجرية، الموافق 1958 ميلادية، بمكة المكرمة، على أثر مرض ألم به، وهو في ريعان شبابه، إذ كان عمره آنذاك 35 سنة، وثلاثين شهرًا، ودفن بمكة المكرمة، رحمه الله. مؤلفاته: له مؤلفات عديدة في التوحيد ومصطلح الحديث والفقه وأصوله، والفرائض والتاريخ والسيرة النبوية، والنصائح والوصايا، والآداب العلمية، من هذه المؤلفات ما هو منظوم، ومنها ما هو نثري، وكل مؤلفاته رحمه الله تعالى برتيقة الدليل الواضح على مكانته العلمية، وعلى تعمقه في كثير من جوانب المعرفة. وهي خطب قيمة، يفرض الدلال على جودتها وظيفتها، أن بعضها عرض على فضيلة العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، مفتي ديار السعودية آنذاك، رحمه الله، فاستحسنها واستجادها، وأشار إلى الحكومة بطبعها وتوزيعها، حتى يستفيد منها الخاصة والعامة على السواء، لما فيها من فوائد جمع ونصائح عامة، نابعة لجميع المسلمين في دينهم ودنياهم. ولأنها تحثهم على التمسك بكتاب الله، وحمد رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم، وعلى اتباع السلف الصالح، ولئلا يبرزين من علماء المسلمين، رحمه الله، سير حافظ الحكمي، رحمة واسعة، وأسكن وتصح جناته، وجزاه عما قدم خير الجزاء، وغفر له ولوالديه ولسائقه، ولجميع المسلمين. أحمد لنحافظ الحكمي شرح منظومة الحائز، الذي هو كتبه الحافظ بنو أحمد الحكمي، وقد مرت معنا ترجمته رحمه الله تعالى، فيما قرأه عليه. أقول: أحبظه الله، في الدرس الماضي، ونستفيد من هذه الترجمة أشياء كثيرة، من أهمها أن هذا النبوغ الذي وصل إليه هذا الرجل العلم، الذي صار أعجوبة في عصره، رحمه الله تعالى، حتى ذكر لنا غير واحد من أهل العلم الذين التقوا به، أنهم ما رأوا مثله، ولا رأى مثل نفسه، بل قال بعضهم: إنه رحمه الله كأنه جاء بزمن غير زمنه، لما كان عليه من الجد والاجتهاد والمثابرة والنبوغ. فقد نبغ رحمه الله نبوغًا عظيمًا، خصوصًا في الفقه، وفي مسائل العقيدة، وهكذا كذلك في مسائل اللغة، فجمع الله عز وجل خيرًا كثيرًا على صغر سنه. وكما قلنا: إن نستفيد من ترجمته رحمه الله أمورًا، من أهمها أن هذا النبوغ الذي وصل إليه وصل بالجد والمثابرة في طلب العلم، فإنه رحمه الله عرف بالجد والمثابرة في طلب العلم، فأخذ العلم بالجدية من أول أمره. وهذا الذي ذكر في سيرته رحمه الله، فكان رحمه الله من جده واجتهاده أنه يحرص على استغلال وقته، حتى في رعي الغنم، في حفظ ما يحتاج إلى حفظه، سواء من القرآن أو الحديث أو المتون، متون العقيدة أو متون الفقه. ومن حرصه مع صغر سنه على كتابة ما يملى عليه، فإنه كان آخذًا للعلم بالجدية، فقد ذكروا من أمره رحمه الله أنه كان يدون كل شيء، حتى صار مرجعًا مع صغر سنه، ليس مرجعًا لأنه لازم الشيخ أكثر، لا، ولكنه لأنه يجلس الوقت القليل، ولا يفوته شيء، يجلس الوقت القليل، ولا يفوته شيء من علم شيخه، فصار غيره الذين لا يكتبون يرجعون إليه ويسألونه، لأنهم يسمعون ولا يحفظون، وهو يسمع ويكتب، فيكون قد حفظ ودون، فاستفاد وأفاد غيره. وبهذا الجد والاجتهاد وصل إلى تلك المنزلة، رحمه الله، ومن ذلك كذلك نستفيد أن الفقر قد يكون أحيانًا عونًا لطالب العلم على الجد والاجتهاد والاستمرار في طلب العلم، فإنه رحمه الله كان من أسرة فقيرة، كحال أكثر الأسر في ذاك الزمان، وفي تلك البلدة، ممن كانوا يختمون برعي الغنم. وهو رحمه الله كان حاله ذلك، عوضًا له في الجد والاجتهاد والاستمرار في طلب العلم، فلم تشغله دنيا، ولم يلتهي بشيء من الشهوات ونحوها. وهكذا نستفيد من ترجمته رحمه الله تعالى أن طالب العلم يفلح أكثر ما يفلح بأن يوفق إلى شيخ سني، فلابد من هذين الأمرين: أن يكون له عالم يتربى على يديه، ويدرجه في مراتب العلم، وأن يكون هذا العالم سنيا. فإنه إذا كان كذلك، وفقه الله عز وجل بأن يفتح له طريق العلم، يفتح له طريق العلم، بأنه على تربية أهل العلم، ولأنه ذاكرًا كذلك يأخذ الشيء الصافي النقي الذي لا يشوش عليه، ولا يدخل فيه المتاهات التي تضيع العقول والأوقات. هذا خلاصة ما يذكر بترجمة المؤلف رحمه الله تعالى. وأما ما ابتدأ به رحمه الله منظومته، فقال: «أبدأ بسم الله مستعينًا، راضٍ به مدبرًا معينًا». ابتدأ رحمه الله هذه المنظومة بذكر البسملة، للاستعانة، اقتداءً بكتاب الله عز وجل، وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذه الاستعانة تذكر على أحد أمرين: إما أن تذكر بذكر اسم الله جل وعلا مجردًا، كما ذكر ذلك في البسملة، وإما أن يذكر بذكر لفظ الاستعانة، كما ذكر في أول سورة الفاتحة. وقد جمع بين الأمرين في سورة الفاتحة، فإن القرآن تستفتح بذكر البسملة، الذي فيه الباء التي هي للاستعانة، وبذكر لفظ الاستعانة بقوله جل وعلا: «إياك نعبد وإياك نستعين». وقد يذكر طلب الاستعانة بذكر البسملة مجردًا، كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أكثر كتبه ورسائله، كما في حديث ابن عباس في قصة هرقل، في قصة رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى هرقل عظيم الروم، فإنه ذكر البسملة مجردًا. وكما بالصحيح كذلك في قصة صلح الحديبية، وحبيبه المسور بن مخرمة، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أراد أن يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» في أول الكتاب، وهذا هو أحد أنواع الاستعانة، أن يذكر اسم الله جل وعلا في البسملة. وقد يكون بذكر لفظ الاستعانة، ومنه مجردًا، كما جاء في حديث ابن عباس المشهور الصحيح، الذي هو عند الترمذي وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه أن يقول: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله»، «وإذا استعنت فاستعن بالله». والمؤلف رحمه الله تعالى جمع بين الأمرين، كما مر معنا، اقتداءً بكتاب الله، وجمعًا بما جاء في صحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وخلاصة معنا البيت: أن المؤلف رحمه الله تعالى يريد أن يفتتح هذه المنظومة بالاستعانة بالله جل وعلا، حتى يوفقه الله جل وعلا، ويفتح عليه فيها، فإن التوفيق في حقيقة الأمر والإعانة هي من الله جل وعلا، فإنه ليس التوفيق والسداد بحول العبد، ولا بقوته، ولكنه بعون الله جل وعلا، وإعانته، وهو المدبر المعين. هذا معنى ما ذكر رحمه الله في هذا البيت. وقد ذكر رحمه الله بشرحه مجموعة من المسائل، ينبه عليها وعلى أهمها، من هذه المسائل ذكر معنى وتفسير البسملة، ومضى معنى أن الباء بالبسملة للإستعانة، وهذا هو قول أهل السنة والجماعة، خلافًا لأهل الباطل الذين خافقوا في هذا معنى لأجل بزع هم عليها، ويكتفى بذلك، لأن المقام ليس مقام تفصيل. ونبه رحمه الله إلى أمر كتابة الألف في البسملة، ويزاد ويضاعف، لأن البسملة إذا كتبت كاملة، فتُحذف الألف اختصارًا، هكذا نقل، وهكذا علل أهل اللغة. وأما إذا كتبت منفردة أو لم تكتب كاملة، فإن الباء تكتب بالألف، فتقول: «بسم الله» مع الألف، كما فعل المؤلف رحمه الله بالمنظومة، فإنه ذكرها بالألف، لأنه لم يكتبها كاملة. ومن المسائل التي ينبه عليها: أنه ذكر رحمه الله أن الإسم هو عين المسمى وذاته، وهذه المسألة بحقيقتها مسألة مهمة، ما كان يتكلم فيها السلف، بل كان أول ما ظهرت يهابون ويتورعون من الكلام فيها. كما حصل لحرّان رحمه الله، أحد تلامذة الإمام أحمد، أن طلبته ألحوا عليه حين أحدث بعض أهل البدعة كلامًا بهذه المسألة: هل الإسم للمسمى أم عين المسمى أم غير المسمى؟ فلما ألحوا عليه وعدهم أن يحدثهم بهذه المسألة، فاجتمع له خلق كثير، فلما خرج عليهم، وارى ذات الجمع، هذا رحمه الله أن يتكلم بهذه المسألة، وأخبرهم بذلك، وأنه لن يتكلم بشيء توقف فيه الإمام أحمد وغيره من الأئمة. ثم لما ألحت المسألة على علماء أهل السنة بكثرة وإطالة أهل الباطل فيها، اضطروا رحمهم الله إلى بيان الحق فيها، فتكلم أهل السنة في هذه المسألة، فكان قول جماعة من أهل السنة في أول الأمر: أن الإسم هو المسمى، ردا على بعض أهل البدع من الجهمية والمعتزلة وغيرهم، الذين يزعمون أن الإسم غير المسمى، وأنه مخالف له، ويريدون بذلك تعطيل الأسماء والصفات. وكانوا يقولون بهذا القول، مخالفة لقول أولئك الظالمين، ثم استقر قول أهل السنة بعد ذلك على أن الإسم للمسمى، وهو الصواب الذي دلت عليه الأدلة في الكتاب والسنة. كما قال الله عز وجل: «ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها»، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا»، فالإسم للمسمى. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لي من الأسماء خمسة»، فذكر أن الإسم للمسمى، وهذا اللفظ كما أنه موافق للفظ القرآن والسنة، فهو كذلك يكون به رد على طائفتين ضالتين لهذا الباب: طائفة ضلت بأن أرادت نفي الأسماء عن الله عز وجل، وطائفة أخرى أرادت أن تجعل أن الذات تحل بكل شيء، حتى في الأسماء، وهو قول الاتحادية والحلولية من غلاة الصوفية. فعلم بهذا أن عبارة المؤلف رحمه الله عبارة تحتاج إلى تحقيق، فقوله رحمه الله: «الاسم هو المسمى وعينه وذاته»، يحتاج إلى تحقيق، إذ أن هذا القول قد يصح إذا أريد به الرد على الجهمية والمعتزلة، لكنه لا يصح إذا علم أنه يوجد من يقول به ويريد معنى فاسدًا، كقول الحلولية والاتحادية. فعلم بهذا أن الصواب بهذه المسألة: نقول إن الإسم للمسمى، بهذا القدر، نفتفي، وإن شاء الله نتم في درس لاحق. الحمد لله، وفي هذا اليوم، نرى معنا مسألة من المسائل التي نبه عليها المؤلف، وسمى الله بشرحه، وتحتاج كذلك إلى إضاح، ذكر رحمه الله تعالى بشرحه مسألة الاشتقاق، اشتقاق لفظ الجلالة، ألو مشتق أو غير مشتق؟ وذكر رحمه الله خلاف أهل اللغة في كون لفظ الجلالة مشتق أو ليس بمشتق، ورجح رحمه الله أنه مشتق من أله يأله، عبادة بمعنى عبد يعبد عبادة. وهذا الذي ذكره رحمه الله هو المنحى بهذه المسألة، وهو الخلاف في الاشتقاق من الجهة اللغوية المحضة، من الجهة اللغوية المحضة. ولكن يجب أن ننتبه إلى أن هذه المسألة لها منحى آخر، وهو الخلاف بين أهل السنة وأهل البدعة في هذه المسألة، فإن بعض أهل البدعة ذهب إلى القول بعدم اشتقاق لفظ الجلالة، لا لأجل لأنهم يثبتون أسماء جامدة لا معاني لها، مثل ما تقول: كلان اسمه صالح، فعندهم أن صالح اسم جامد لا معاني له، فلا يلزم من كون الرجل اسمه صالح أن يكون صالحًا، وآخر اسمه جميل، لا يلزم من كون اسم الرجل جميل أن يكون جميلاً. وزعموا أن أسماء الله جل وعلا كذلك أسماء جامدة لا معاني لها، وهم يريدون بذلك تعطيل الصفات عن أسماء رب جل وعلا، وهذا المنحى منح ملتبس، ظالم به تعطيل لأسماء الله عز وجل وصفاته. وينبغي أن ينتبه له، وفرق بين هذا المنحى وبين منحى أهل اللغة، الذين أرادوا بالاشتقاق إنما هو مرد سري وأصله، لا يريدون أنها ليس لها معنى، فإنهم يقولون إن لها معنى. ولهذا فإن المتقدمين من أهل اللغة هم على العقيدة الصحيحة، كالخليل بن أحمد وغيره من أهل اللغة الأوائل، فينبغي أن ينتبه لهذه المسألة، حتى لا يخلط بين المنحيين: المنحى العقدي الذي ربما يلبس عند بعض المتأخرين من هؤلاء المتجعة بلباس المنحى اللغوي. فإنه ينبغي أن ينتبه لذلك. وذكر رحمه الله كذلك من المسائل: مسألة الفرق بين الرحمن والرحيم، وذكر عدة فروق، من هذه الفروق ذكر رحمه الله أن الرحمن اسم يدل على الصفة، والرحيم اسم يدل على الفعل. ويريد بذلك رحمه الله أن الرحمن فيها صفة الرب جل وعلا، التي وسعت كل شيء، فتشمل البر والفاجر، والمؤمن والكافر، رحمته وسعت كل شيء. أما فعله الذي يحصل به إحسانه، فإنه لا يكون إلا للمؤمنين، وهي الرحمة الخاصة، وهي الرحمة الخاصة التي لا يخص بها إلا من يحب، لا يخص إلا لمن يحب. ولهذا قال الله عز وجل: «وكان بالمؤمنين رحيمًا»، «وكان بالمؤمنين رحيمًا»، ولم يقل جل وعلا: «رحمانًا»، لأن الرحيم صفة فعله الذي يقتصر لمن يحب من عباده، لمن يحب من عباده. ونبه رحمه الله إلى أن الرحمن أبلغ من رحيم، وذلك لأن القاعدة عند أهل اللغة: أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. فإن رحمن فيه زيادة مبنى، ويدل على زيادة المعنى، وأمر آخر: أن صيغة فعلان، كما يذكر أهل التصريف من أهل اللغة: أنها تدل على الامتلاء والكثرة، تدل على الامتلاء والكثرة، هذا هو الغالب بهذه الصيغة. ونستفيد من ذلك أن الرحمن أوسع من الرحيم، ولهذا كان الرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم إنما تكون بأهل الآخرة، أي: بالمؤمنين خاصة، أي: بالمؤمنين خاصة. طيب نفتدي بهذا، وإن شاء الله نتم ما تبقى في درس قادم.