كتاب الجهاد من الاختيارات الفقهية 13

كتاب الجهاد من الاختيارات الفقهية 13

الدرس في كتاب الجهاد من الاختيارات الفقهية 13، الدرس الثالث عشر:( والعشور التي تؤخذ من تجار أهل الحرب تدخل في أحكام الجزية ... ولا يبقى في يد الراهب مال إلا ما يتبلغ به فقط ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أحكام العشور والجزية

يبدأ الدرس بشرح مفهوم العشور وأحكامها على تجار أهل الحرب، مع بيان الخلاف في أخذها وهل هي جزية أم مقابل ما يأخذه الكفار من تجار المسلمين. كما يشير إلى أهمية فهم هذه الأحكام في سياق التعامل مع الكفار.

تفصيل أحكام العشور على التجار الكفار

يتطرق الدرس إلى تفاصيل أحكام العشور على التجار الكفار، حيث يُفصّل في مقدار ما يؤخذ منهم بناءً على حالتهم الاجتماعية والاقتصادية، ويشير إلى أن التاجر الحربي إذا دخل بلاد الإسلام وكان دخوله نافعًا، فلا يؤخذ منه شيء إذا لم يأخذ على المسلمين عند دخولهم بلادهم.

حكم الجزية على جميع الكفار

يناقش الدرس حكم الجزية على الكفار، حيث يرى أن الجزية تُؤخذ من جميع الكفار وليس فقط من أهل الكتاب، مستندًا إلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية، ويؤيد هذا القول جماعة من أهل العلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والعشور التي تأخذ من تجار أهل الحرب تدخل في أحكام الجزية وتقديرها، على الخلاف. والمراد بالعشور، أي العشر، جمع عشر، يأخذ من تجار أهل الحرب. وقد اختلف أهل العلم على أي معنى يأخذ ذلك، والصحيح فيه تفصيل؛ فقد يأخذ على وجه الجزية؛ لأن الجزية تأخذ من كل أرباب الأموال من الكفار البالغين الذين هم مظنة القتال، فلا تأخذ الجزية من امرأة ولا صبي ولا راهب، ولا من كان بمعنى هؤلاء من العجزة والضعفاء، وإنما تأخذ من الرجال الأقوياء الذين هم مظنة القتال. ولا فرق على الصحيح بين غني وفقير؛ لأن الفقير يستطيع أن يكتسب، ولكن سنة عمر رضي الله عنه التفريق بين الغني والفقير، فيأخذ من الغني ما لا يأخذ من الفقير، فيأخذ من الفقير شيء يسير، ويأخذ من الغني أكثر من ذلك، وهناك تفاصيل معروفة في كتب الفقه في ذكر هذه التقادير التي تأخذ. ومن ذلك أنه صح عن الصحابة عن عمر رضي الله عنه أخذ العشر من التجار الكفار. فمن أهل العلم من قال: هو جزية. ومن أهل العلم من قال: بل هو مقابل ما يأخذه الكفار من تجار المسلمين إذا دخلوا إلى بلاد المسلمين. وهذا هو الصحيح؛ لأنه جاء في رواية صحيحة أنهم شكوا إلى عمر رضي الله عنه ما يأخذه الكفار من المسلمين من تجار المسلمين -يعني في وقت الهدنة ووقت عدم الحرب- إذا دخل المسلمون إلى بلاد الكفار أخذوا منهم عشرا، فقال عمر: ونحن نأخذ من تجارهم العشر كما هم يأخذون من تجارنا العشر، نحن نأخذ من تجارهم كذلك العشر. إلا أن عمر رضي الله عنه خفف في هذه الأعشار لمن وصل بتجارته إلى المدينة، ترغيبا في إحياء المدينة، وإن يوصال التجارات إلى المدينة. وفي هذا من الفقه وحسن السياسة الشرعية، وكذلك تأصيل في التجارة والاقتصاد الإسلامي ما ينتفع به المسلمون. فالضرائب -وهي محرمة- لو قيل أنها في مقابل ما يأخذه الكفار من المسلمين، لقيل أنه ينبغي أن يخفف بما تقوى به تجارات بلاد الإسلام. وهذا هو الواقع؛ إذا خففت هذه العشور فإن ذلك يدعو لتقوية التجارة والاقتصاد. المهم أن العشور التي تأخذ من تجار أهل الحرب تدخل في أحكام الجزية -يعني من جهة مصرفها ومن جهة مأخذها-. والصحيح كما قلنا التفصيل؛ فما يأخذ من التجار أهل الذمة فهو من العشور، كأن يقال مثلا: التاجر ليس مثل الفقير، والفلاح ليس مثل التاجر، فالتاجر قد يأخذ منه العشر، والفلاح قد يأخذ منه نصف العشر، والفقير قد يأخذ منه دون ذلك، على ما ذكر الكثير من الفقهاء وبينوا بعض الآثار المروية في هذا الباب. وكذلك ها هنا شيء آخر، وهو أن التاجر الحربي إذا دخل إلى بلاد الإسلام وكان دخوله إلى بلاد الإسلام فيه منفع للمسلمين، فلا يأخذ منه شيء، إلا إذا أخذ على المسلمين إذا دخلوا إلى بلادهم، فيأخذ من تجارهم المثل، حتى يشكوا الكفار هؤلاء التجار إلى أولياء أمورهم، فيطلبون منهم أن يلغون تلك العشور على المسلمين، حتى يلغي المسلمون العشور على الكفار، كما صح عن عمر رضي الله عنه أرضاه. ومر معنا في السياسة الشرعية كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة، وبسطها الكلام عليه هناك. قال رحمه الله: وقال في الاعتصام بالكتاب والسنة: من أخذها من الجميع أو سوى بين المجوس وأهل الكتاب، لا هذا قبله. قال: واختار أبو العباس في رده على الرافض -يعني في منهاج السنة- قال: أخذ الجزية من جميع الكفار، وأنه لم يبقى أحد من مشركي العرب بعد، بل كانوا قد أسلموا. وقال في الاعتصام بالكتاب والسنة: من أخذها من الجميع أو سوى بين المجوس وأهل الكتاب، فقد خالف ظاهر الكتاب والسنة. ولا يبقى في يد الراهب مال إلا ما يتبلغ به. فقط هذه مجموعة من المسائل، أولها أن شيخ الإسلام رجح في مواضع كثيرة من كتبه، وهذا هو قول الكثير من المحققين من أهل العلم، أن الجزية لا تختص بأهل الكتاب، لا تختص بأهل الكتاب، ودلت عليه أدلة من أدلة الكتاب والسنة. بل قال رحمه الله في بعض كتبه: من لم يطل بذلك لم يعرف حقيقة السنة، لم يعرف حقيقة السنة. فالصحيح أن الجزية تأخذ من جميع الكفار. فأما من أدلة الكتاب، قول الله جل وعلا: ﴿قاتِلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة:29]، فقول: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ تبعيض، هذا بعض من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ومن لا يؤمن بالله اليوم الآخر هم أعم من أن يكونوا محصورين في أهل الكتاب. ولهذا كان الصحيح هذا؛ لأنه قال بعدها: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، فعلم أن يعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون لا تختص بأهل الكتاب، بل بجميع الكفار. ولو قيل على قول بعض أهل العلم أن مشرك العرب لا يأخذ منهم جزية، فيقال: أين مشركوا العرب؟ فمشركوا العرب كما قال شيخ الإسلام قد أسلموا، فلم يبقى منهم أحد. على أن الصحيح أنه لا فرق بين مشركي العرب وغيرهم. وأما كونه لم يأخذ منهم، فكما قال المحققون من أهل العلم: لأن حكم الجزية جاء متأخرا، حكم الجزية جاء متأخرا، ولم يكن من أول الإسلام، وإنما جاء بعد ذلك. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، وهم ليسوا من أهل الكتاب. وأخطأ من قال: أن المجوس عندهم كتاب وعندهم نبي، بل هذا غير صحيح، لا يدل عليه شيء، وهو من الخطأ الفاحش. ولكن الصواب أن هذا يؤيد هذا العموم الذي ذكره رحمه الله. وقد قال بهذا القول جماعة من أهل العلم، ومنهم تلميذ ابن القيم في هداية الحيارة، وفي مواضع من كتبه، وعدد كثير من أهل العلم. فهذا هو الصواب في هذه المسألة، أن الجزية لا تأخذ من أهل الكتاب فقط، بل من كل مشرك وكافر أراد الصلح، كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾، وهذه الآية كذلك عامة تشمل كل الكفار. وقوله: ولا يبقى في يد الراهب مال إلا ما يتبلغ به، هذا إن شاء الله نذكره مع المسائل الآتية في الدرس اللاحق. وإلى هنا والله تعالى أعلم.