كتاب الزكاة من الاختيارات الفقهية  7

كتاب الزكاة من الاختيارات الفقهية 7

الدرس في كتاب الزكاة من الاختيارات الفقهية 7، الدرس السابع:من( فصل:ورجح أبو العباس أن المعتبر لوجوب زكاة الخارج من الأرض هو الادخار ...تبرع فيما يخرج عنه لمصلحته التي لا تحصل إلا بها أولى بإسقاط الزكاة عنه). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

زكاة الزروع والثمار وأدلتها

تناول الشيخ مسألة زكاة الزروع والثمار، ورجح أن العبرة بالإدخار والاقتيات معا مستدلا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم. كما ناقش آراء الفقهاء حول التفريق بين المعدود والموزون والمكيل.

تفاصيل زكاة الزروع والثمار والمؤنة

المقطع يناقش تفاصيل زكاة الزروع والثمار، ويشكك في التفريق بين المعدود والموزون والمكيل، ويبين أن التعليل بالاقتيات والإدخار هو الأصح. كما يتناول زكاة العسل والجوز ومسألة المؤنة.

تفسير حديث النبي حول الخرص والزكاة

يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول الخرص والزكاة، ويتناول تفسيرات مختلفة للحديث ومعانيه، ويشير إلى آراء الفقهاء حول صحته وتأويلاته.

قياس الأولوية في المصلحة والمؤنة وخاتمة

المقطع يشرح مفهوم قياس الأولوية فيما يتعلق بمصلحة المزرعة ومؤنتها، ويشير إلى تفصيل سبق شرحه، ويختم بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم ويعد بمتابعة الموضوع في درس لاحق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل. طيب قبل هذا تنبيه، يوجد في العبارة التي سبقت معنا وجعله أبو العباس في موضع آخر كالصلاة خلف التارك ركنا أو شرطا، في بعض النسخ عند المأموم التارك ركنا أو شرطا عند المأموم، وهو بمعنى ما سبق ذكره وتوضيحه، فهو من باب زيادة البيان والإضاح. قال رحمه الله: فصل. ورجح أبو العباس أن المعتبر لوجوب زكاة الخارج من الأرض هو الإدخار لا غير، لوجود المعنى المناسب لإيجاب الزكاة فيه، بخلاف الكيل فإنه تقدير محض، فالوزن في معناه. قال: وكذلك العد كالجوز، والزرع كالجوز المستنبت في دمشق ونحوها. ولهذا تجب الزكاة عندنا في العسل، وهو رطب، ولا يوسق لكونه يبقى ويدخر. ونص أبو العباس على وجوب الزكاة في التين للإدخار. وإنما اعتبر الكيل والوزن في الروايات لأجل التماثل المعتبر فيها، وهو غير معتبر هنا. وفي بعض النسخ وجوب الزكاة في التين لإدخاره. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه المسائل في هذا الفصل، وهي تتعلق ببعض المسائل التي اختلف فيها أهل العلم في زكاة الزروع. فقال: إن المعتبر ورجح أبو العباس -يعني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- أن المعتبر لوجوب زكاة الخارج من الأرض هو الإدخار لا غير؛ لأن أهل العلم اختلفوا في العلة التي يدخل بها أصناف الزروع التي تجب فيها الزكاة. فمن أهل العلم من قال: كونه مدخرا. ومنهم من قال: مكيلا مدخرا. وغير ذلك مما ذكر من كلام الفقهاء. ورجح شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن العبرة بالإدخار لا غير -يعني لا شيء آخر معه-؛ لأن من تأمل في النصوص الواردة في هذا الباب ودقق في معناها وأمعن، سيجد أن الجامع للمذكور فيما وجب فيه الزكاة هو هذا المعنى. فمثلا حديث النبي عليه الصلاة والسلام: حديث بموسى ومعاذ، حين أمرهم أن لا يأخذوا الزكاة إلا من هذه الأربع: الشعير والحنطة والزبيب والتمر. والحديث صححه جماعة من أهل العلم، رواه ابن أبي شيبة والدارقطني وغيرهما، ونص على تصحيحه علام الألباني في الإرواء وغيره. فهذا الحديث لو تأملت أعيان ما ذكر مما يجب فيه الزكاة، سنجد أنه مما هو من غالب قوت البلد وهو مدخر، ومن غالب قوت الناس وهو مدخر. ولهذا بعضهم زاد هذا القيد مع الإدخار: ليس كل ما يدخر تجب فيه الزكاة؛ لأنه توجد أشياء كثيرة تدخر، ولم يأت في الشرع ما جاء فيه النص أن فيها الزكاة. لكن من تأمل هذه الأعيان المذكورة والأجناس المنصوص عليها، يجد أن فيها هذين المعنيين: المعنى الأول كونه يقتات -يعني هذا من قوت الناس- والمعنى الثاني كونه مدخرا. أما الادخار فظاهر، وأما الاقتيات؛ لأنه صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ذكر حين سئل عن الخضروات، ذكر أنه ليس فيها الزكاة. روي في مراسيل كثيرة، وله كذلك آثار موقوفة يرتقي بها الحديث إلى الحسن. فقد روي مرسلا من حديث موسى بن طلحة، وجاء موقوفا عن معاذ وعمر وعائشة وعلي وأبي موسى وجماعة. وقد صححه غير واحد من الحفاظ وأهل العلم والمعرفة بالحديث قديما وحديثا، بمجموع طرقه. مع أن من الخضروات ما يدخر، لكن لم يجب فيها الزكاة بالنص، فعلم أن الذي تجب فيه الزكاة ليس المدخر فقط، ولكن المدخر المقتات الذي يكون من غالب قوت الناس. ولهذا الصحيح أن كل الحبوب -وهي تدخر- وهي كلها تكون مما يقتات به الناس، فيها الزكاة. وحسن بعض أهل العلم زيادة جاءت بذكر الذرة، والذرة من الحبوب، فدل على أن ذكر الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر، ليس للحصر. وقد مر معنا أن مفهوم العدد في القول الصحيح من أقوال أهل العلم لا يفيد الحصر، ولكنه يفيد التنبيه على الأهم. فكل ما كان بمعنى هذه الأربعة المذكورة فهو فيه الزكاة. فبمعنى الشعير والحنطة: الذرة وسائر أصناف الحبوب. ولهذا جاء في بعض الروايات ذكر الطعام، والطعام أعم من أن يحصر في الشعير والحنطة. وهكذا كذلك نجد أن هذا في جنس الحبوب، وكذلك في جنس الفواكه والثمار: الزبيب والتمر؛ لأن الزبيب والتمر مما يقتات، وهو في نفس الوقت مما يدخر. وبمعنى الزبيب والتمر ما ذكره هنا شيخ الإسلام في التين، فالتين كما تعرفون يقتات، فهو يؤكل كما يؤكل الزبيب، وهو كذلك يدخر. وهكذا لو قيل أن هناك شيء آخر يقتات به الناس ويدخر، لصح أن فيه كذلك الزكاة؛ لأنه يقتات ولأنه كذلك يدخر، فهو بمعنى الزبيب والتمر. إن كان حلوا أو كان من الحبوب، فهو بمعنى الشعير والحنطة. وهذا هو القول الصحيح والله أعلم في هذه المسألة، كما نص عليه شيخ الإسلام، ويضاف له هذا القيد وهو قيد الاقتيات. وأما ما يدخر ولا يقتات فليس فيه الزكاة. فمثلا تعرفون البهارات تدخر، ولكن هل البهارات مما تقتات؟ لا تقتات، وهي تدخر من الزروع التي تدخر. فما دامت أنها تدخر، هل فيها الزكاة؟ الصحيح ليس فيها الزكاة؛ أولا لأن الأصل البراءة، وثانيا لأنه تخلف عنها المعنى الثاني حتى يكون الإلحاق صحيحا بالمذكور وهو الاقتيات. ثم قال رحمه الله: لوجود المعنى المناسب لإيجاب الزكاة فيه -يعني وهو الإدخار- وهذا المعنى من أين أخذ؟ أخذ من معنى النصوص كما تقدم. قال: بخلاف الكيل فإنه تقدير محض، فالوزن في معناه -يعني تقييد من قيده بالكيل ليس بالصحيح-؛ لأن الكيل عبارة عن تقدير، والصحيح أنه لا فرق بين الكيل والوزن، بل وكذلك العد. فتفريق بعض الفقهاء بين المعدود والموزون والمكيل، هذا يحتاج إلى دليل، ولا دليل يدل على هذا التفريق. ولهذا كان الصواب التعليل بالاقتيات والإدخار. قال رحمه الله تعالى: وكذلك العد كالجوز، والزرع كالجوز المستنبت في دمشق ونحوها. الجوز على نوعين: الجوز الصغير الذي يستعمل في ضمن البهارات، وهذا على القول بالإدخار هو يدخر، لكن كما مر معنا الصحيح أنه لا يكتفى معنا الإدخار، بل يضاف إليه معنى آخر وهو الاقتيات. وهذا ليس مما يقتات، ليس قوتا للناس، فلذلك الصحيح أن هذا الجوز ليس فيه زكاة. وهكذا كذلك العسل، قال: ولهذا تجب الزكاة عندنا في العسل -يعني ولو لم تصح الأحاديث-؛ لأنه رؤيت في العسل أحاديث كثيرة، والصحيح أنه لم يصح شيء من هذه الأحاديث التي وردت في زكاة العسل. لكن كأنه يقول: ولو كانت الأحاديث لم تصح، فعندنا شيء آخر وهو التعليل بالإدخار؛ لأن العسل يبقى يمكن إدخاره. لكن على ما تقدم وسبقت الإشارة إليه، لا يكفي التعليل بالإدخار، ولكن يضاف مع الإدخار الاقتيات. فالعسل ليس من القوت الذي يقتات، فلا يكفي كونه مدخرا فيه الزكاة، لابد أن يكون من القوت وفي نفس الوقت يدرخ. فلذلك الصحيح أن العسل ليس فيه زكاة، وهذا هو الصواب في هذه المسألة. إلا زكاة عروض التجارة إن كان عسل كثير بلغ النصاب وحال عليه الحول وهو معروض للبيع والشراء، ففيه الزكاة لكن زكاة العروض. ومثله سائر الزروع والثمار إذا كانت كذلك -يعني معروضة للبيع- وتوفرت فيها شروط عروض التجارة. ثم قال: وهو رطب -يعني وإن كان هو رطب- ففيه الزكاة لأجل الادخار. والصحيح ليس فيه الزكاة كما سمعتم. وقوله: ولا يوسق لكونه يبقى ويدخر -يعني ليس يكال بالوسق، والوسق كما تقدم ستون صاعا- يعني أنه ليس بمكيل، ومع ذلك فيه الزكاة لأجل العلة التي وردت ولأجل أنه ذكرت فيه أحاديث صححها بعض أهل العلم. ثم قال رحمه الله تعالى: وتسقط الزكاة فيما خرج من مؤنة الزرع والثمر منه، وهو قول عطاء بن أبي رباح؛ لأن الشارع أسقط في الخرص زكاة الثلث أو الربع لأجل ما يخرج من الثمر بالإعراء والضيافة وإطعام ابن السبيل، وهو تبرع فيما يخرج عنه لمصلحته التي لا تحصل إلا بها، أولى بإسقاط الزكاة عنه. هكذا عندي والصواب الظاهر أولى -ليس أولى- يعني أو، ثم لا نافية، ولكن الصواب أنه من الأولوية. وهكذا جاء في نسخة: ففي نسخة أولى بإسقاط الزكاة عنه -يعني هذا المعنى أولى بإسقاط الزكاة- ها هنا مسألتان. المسألة الأولى يقول: وتسقط الزكاة فيما خرج من مؤنة الزرع والثمر منه. أحيانا تكون أشياء تخرج من الزرع والثمر لأجل مؤنة الزرع والثمر. وننتبه هنا المراد به ليس على إطلاقه؛ لأنه قد يقول قائل أجرة العامل إذا كانت من الثمار، هل معناه أن ذلك يخرج من الزكاة فلا يحسب من الزكاة؟ قال بهذا بعض أهل العلم. الصحيح خلاف هذا، ليس هذا هو المقصود، ولكن المقصود المؤنة التي تخرج من الزرع والثمر ولابد ليست الأجرة. مثل الحبوب مثلا قد يحتاج الإنسان أن يخرج من الثمار أو من الزروع شيء لأجل يزرع به في الموسم القادم، هذا من المؤنة. فما يخرجه لأجل ذلك هذا لا يحسب من الزكاة؛ لأنه مما تعود به الزرع مرة أخرى، وهو لا يستفيد من هذا بأكل ولا ببيع، فليس فيه الزكاة. وأما ما كان في باب الأجرة، فالصحيح أنه محتسب على المالك. فمثلا لو أن إنسانا عامل رجلا يعمل على أرضه بنصف الثمرة، فالصحيح لا نقول: إنما يجب عليه الزكاة نصف الثمار، ونصف الثمار ليست له، إنما هي للعامل، فليس فيها الزكاة. هذا خطأ؛ لأن العامل الذي له في الحقيقة هو ماذا؟ أجره مال. وأما كونه أعطاه من الثمرة، فلا يسقط ذلك عليه الزكاة. لا يسقط ذلك عليه الزكاة. فإذا نفصل في المؤنة على هذا المعنى. ثم قال: وهو قول عطاء بن أبي رؤاه. والمسألة فيها خلاف، وهذا هو الصواب، لكن بهذا التفصيل أن نقسم المؤنة إلى قسمين: مؤنة ترده في الزرع، ولا يقوم الزرع إلا به، فهذا لا يحتسب من الزكاة. ومؤنة هي من الثمرة، ومما تكون به المنفعة، فهذا يحتسب من الزكاة. ومنه أجرة العمال ونحو ذلك. ثم قال: وعلل لأن الشارع أسقط في الخرص زكاة الثلث أو الربع. هذه مسألة أخرى، وهي أنه روي في هذا الباب حديث رواه الترمذي وغيره من حديث سهل بن أبي حثمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع. وهذا الحديث الذي رواه الترمذي وأحمد والحاكم وغيرهم فيه ضعف، فهو من طريق عبد الرحمن بن مسعود بن نيار، وهو لم يوثقه إلا ابن حبان. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله، فهو مجهول. ولهذا قال الحافظ ابن حجر: مقبول -يعني يصلح للشواهد-. وهذا الحديث الذي ضعف ولم يصح، اختلف ألمعلم بمعناه. أولا معناه: معنى هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام يأمر من يخرج للخرص، ومعنى الخرص تقدير كمية الثمار التي في الأشجار. وكان يرسل هؤلاء من قبل ولي الأمر لأجل أن يعرفوا كم زكاة هذا الإنسان قبل أن يبيع، وقبل أن يتصدق، وقبل أن يخرج لنفسه ولأهله الثمار في الأشجار. وقد بدأ صلاحها، والخرص يكون بعد بدو الصلاح كما جاء في حديثي عبد الله بن طلحه وغيره، أو عبد الله بن رواحة، وجاء معناه عن طلحة. فإذا حصل هذا الخرص، أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام على معنى هذا الحديث أنهم لا يأخذوا منهم كل ما خرصوا. فمثلا لو صار الخرص مثلا عشرة أوسق، فالزكاة كم؟ إذا كان بغير كلفة العشر، وسق واحد. فيقول: لا تأخذوه كله، دعوا لهم الثلث. إذن سيأخذ ثلثين وسيدع الثلث. أو دعوا لهم الربع، سيأخذ ثلاثة أرباع وسيدع لهم ربعا. ثم من قال بهذا الحديث -الآن فهمنا معناه- من قال بهذا الحديث، قالوا: لماذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بترك الثلث أو الربع؟ ثم لماذا كان الاختلاف: الثلث أو الربع؟ قال الإمام الشافعي رحمه الله: إنما ذلك لأجل أن يتصدق هو؛ لأن الإنسان سيأتيه صاحب المزرعة، مع بدو صلاح الثمار، يأتيه ناس كثير: هذا يسأله، وهذا يسأله، وهذا يريد منه صدقة، وهذا جار، وهذا قريب، وكلهم ممن يستحقون أن يعطوه من زكاته. فأمر النبي عليه الصلاة والسلام -على أحد تفاسير هذا الحديث- أن يعطي الذي يجمع الزكاة جزءا من الزكاة، يتركها للرجل حتى يتصدق هو من زكاته. وذهب بعضهم إلى أن معنى الحديث: إنما هو لأجل أن يوسع على عياله وعلى أقاربه وجيرانه. وذهب بعضهم إلى أن معنى هذا الحديث: إنما هو لأجل ما قد يقع من خطأ أو ظلم في حق بعض السعاة الذين يخرصون؛ فإنه قد يخطئ الخارص، فكأنه يقال لصاحب المزرعة: انظر الخارص خرص عليك أن عليك وسقا، ومع ذلك فالإسلام وضع لك الثلث، ووضع لك الربع؛ لأجل إذا كنت تظن أن الخارص ظلمك أو اعتدى أو أخطأ عليك، فهذا يجبر هذا الخطأ. وهذا يجبر هذا المعنى. ثم لأجل هذا فسر الاختلاف: الثلث أو الربع، بحسب الحال. فإن كان الحال على المعنى الأول: أن من يأتي لهذه المزرعة ناس كثير، فيخرج الثلث. أو هذه المزرعة في مكان ناء، وليس حول المزرعة ناس كثير، فيخرج الربع. أو أقاربه كثير، وصلة الناس به كثيرة، هكذا الثلث أو الربع. عياله كثير، عياله قليل، ونحو ذلك يكون الثلث أو الربع. ومن لم ير القول بهذا الحديث، فإنه يقول: الحديث ضعيف. ثم بعد ذلك كذلك الذي لم يقل بصحة الحديث، منهم من يقول: الحديث ولو ضعف، فمعناه صحيح؛ لأنه تؤيده أحاديث أخرى وآثار. فقد روي من حديث جابر بن عبد الله كمعنى هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خففوا في الخرص؛ فإن في المال العرية والواطئة والآكلة. وهذا الحديث، وهذا الحديث رواه ابن عبد البر، وهو كذلك فيه ضعف، بل بعض أهل العلم حسنه، وبعض أهل العلم ضعفه. ومعنى حديث سهل بن أبي حثمة يوافقه هذا الحديث: حديث جابر، خصوصا خصوصا وأنه رويت في الباب آثار كثيرة. فقد رويت عن عمر، ورويت عن أبي بكر. وما رويت عن عمر فيه ضعف، فيه انقطاع؛ فقد رويت من طريق بشير عن عمر، ولم يسمع منه. لكن رويت آثار أخرى عن بعض التابعين، وعن بعض الصحابة، بمجموعها صححت جماعة من أهل العلم هذا المعنى. فقالوا: ينبغي لمن كان له ولاية في هذا الباب أن يخفف في الخرص إذا حصل خرص، أن يخفف. والتعليل هو لأجل هذه المعاني كلها؛ لأنه سيحتاج أن يتصدق، فالناس سيحرجونه هو صاحب المزرعة، فهذا يريد منه، وهذا يسأله، وهذا يأتي، وهذا كذا، وهذا كذا. فلأجل هذا أذن الشرع بمثل هذا المعنى. وهذا المعنى لو لم يصح به حديث، فالعمومات تدل على الترخيص بمثله. ولأجل هذا قال الشيخ هنا: لأجل ما يخرج من الثمرة بالإعراء -ومعنى الإعراء أي العرية- الذي جاء معناه في حديث جابر. وهذا المعنى ذكر كذلك في الصحيح من حديث جابر في حكم أو في ذكر أمر العارية. وكذلك ما كان بمعناه مما كان عليه حال الناس في شدة فقرهم، كان يأتي بعض الناس فيؤذون بعض أصحاب المزارع، فربما جعل صاحب المزرعة شجرة أو بعض الأشجار للفقراء، فيجعلها لهم فيأكلون منها. وكذلك قد تكون العرية بأن يستعير بعض الناس بعض الأشجار أو ثمار الأشجار، يأخذونها بما يكون من التمر. وهذه المسألة لها تفاصيل فيما يتعلق ببيع التمر بالرطب، وبشروطه المذكورة في كتب الفقه المطولة والمختصرة فيما يتعلق بهذا المعنى. فالمهم لأجل هذا ولأجل غيره. ولهذا جاء في نسخة: قال وبالإقراء بدل الإعراء. الإقراء والإقراء من باب الإكرام -يعني قرى الضيف- وهنا قال: والضيافة وإطعام ابن السبيل. فكل هذه المعاني مثلها يجعل ولي الأمر ومن يجمع الزكاة ينبغي أن يترك بعض ذلك لأجل هذه المعاني. قال: وهو تبرع فيما يخرج عنه لمصلحته التي لا تحصل إلا بها. أو لا بإسقاط الزكاة عنه -يعني إذا كان الشرع على صحة الحديث المتقدم في إسقاط الثلث أو الربع في الخرص- وكذلك إذا لم يصح الحديث على صحة التعليل، وعمومات الأدلة في هذا الباب. إذا صح أن يسقط عن الرجل من زكاته بعض الزكاة لأجل أن يخرجها هو، ولأجل أن ينتفع بها وينتفع بعض أقاربه وأهله. فيقول: من باب أولى أن يسقط كذلك فيما تقوم به مصلحة هذه المزرعة من مؤنتها، على التفصيل الذي تقدم. فهذا قياس أولوية يتعلق بهذه المسألة. طيب نكتفي بهذا القدر، ونترك الباقي إلى درس لاحق، وإلى هنا والله تعالى أعلم.