كتاب الزكاة من الاختيارات الفقهية  6

كتاب الزكاة من الاختيارات الفقهية 6

الدرس في كتاب الزكاة من الاختيارات الفقهية 6، الدرس السادس:من( وإذا أخذ الساعي أكثر من الواجب ظلماً بلا تأويل من أحد الشريكين ... وجعله أبو العباس في موضع آخر كالصلاة خلف التارك ركناً أو شرطاً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكم أخذ الساعي أكثر من الواجب وظلم الشركاء

يناقش حكم أخذ الساعي أكثر من الواجب سواء كان ذلك ظلمًا أو بتأويل، ويتناول مسألة رجوع المظالم على الشركاء. يوضح أن الرجوع على الشريك يكون في حالة الظلم، بينما في حالة الأخذ بتأويل فالإجزاء هو الصواب.

أحكام الكلف والضرائب على المسلمين وتوزيعها

يتناول أحكام الكلف السلطانية والضرائب المفروضة على المسلمين، ويشرح كيفية توزيع هذه الأعباء على الشركاء في الأموال وفقًا للعرف والشرع، مع بيان جواز بعضها وتحريم البعض الآخر.

أداء الحقوق عن الغير ووجوب رد الإحسان

يشرح أحكام أداء الحقوق عن الغير، ويشدد على وجوب رد الإحسان بالإحسان، ويبين حق الرجوع على من أدّى عنه حقًا، ووجوب رد الظلم إليه إذا ظُلم من أجله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال رحمه الله: وإن أخذ الساعي أكثر من الواجب ظلمًا بلا تأويل من أحد الشريكين، ففي رجوعه على شريكه قولان: أظهرهما الرجوع. وكذلك في المظالم المشتركة التي يطلبها الولاة من الشركاء، أو الظلمة من البلدان أو التجارة والحجيجة وغيرهم. كذلك من مسائل الزكاة ما يؤخذ من مال من الشركاء، ويكون مناولة المال في حضور أحد الشريكين وغياب الآخر. فإذا أخذ الساعي أكثر من الواجب ظلمًا بلا تأويل، وسيأتي الكلام على التأويل إن شاء الله. إذا أخذ الساعي أكثر من الواجب ظلمًا بلا تأويل من أحد الشريكين، فهل يجوز للحاضر من الشركاء أن يقسم ما أخذ هذا الساعي بظلمه من جميع الشركاء، أم أنه لأنه رضي بالظلم يؤخذ منه فقط، ولا يؤخذ من البقية؟ في هذا قولان. قال رحمه الله: وأظهرهما الرجوع، يعني يجوز لهذا الشريك الحاضر أن يقسم ما أخذ ولو ظلمًا من جميع الشركاء. وهذا القول كما قال رحمه الله إذا لم يكن مفرطًا. بهذا القيد، فمثلًا إن حاول أن يدفع هذا الظلم فلم يستطع، ولم يجد بدًا إلا ذلك، فهو محسن. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾. ولو أن الناس بإحسانهم، وكذلك باجتهادهم وحفظهم للأمانات، خصوصًا من عرف بالأمانة والديانة، حملوا تبعة تلك المظالم لترك الأمناء القيام بهذه الأمانات، ولتصلط على الأمانات السفهاء، وكذلك من ليس عنده أمانة؛ لأنه من السهل بكذبه وبزوره أن يحتال فيخرج ما هو له وزيادة. فالواجب المحافظة على أهل الأمانة، بعدم تحميلهم ما لا يجوز أن يحملوا، ما داموا هم من المحسنين. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾. وهكذا قوله: وكذلك في المظالم المشتركة. قد يقول قائل: ما مثال أخذ الساعي أكثر من الواجب؟ مثاله: مثلًا يجب على الساعي أن يأخذ من وسط المال، فلو كان الساعي ظالمًا لا يأخذ إلا أحسن المال، هذا ظلم. وأخذه أحسن المال ليس هو العدل؛ لأن العدل أن لا يأخذ كرائم الأموال، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وإياك وكرائم أموالهم». لا يأخذ الإنسان الكريم ويترك الحقير، بل يأخذ الوسط. وهكذا كذلك من ظلمه ما قد يكون من تحايله على أرباب الأموال بالتفريق بين المجتمع والجمع بين المفترق، لأجل أن تزيد الصدقة، وأشياء أخرى ذكرها الفقهاء في المطولات. فكل ما كان بمعنى ذلك مما فيه ظلم وعدوان، فهو يدخل في هذا المعنى. وقوله: وكذلك في المظالم المشتركة التي يطلبها الولاة من الشركاء، أو الظلم من البلدان أو التجارة أو الحجيجة وغيرهم. يعني كذلك مثل هذه المسألة ما كان من ظلم في غير الزكاة، وكان في مال المشترك، فيكون حكمه كحكم هذه المسألة، ما دامت المظلمة وقعت على كل المال. فالواجب العدل في هذا المال، خصوصًا وقد علم أن هذا الذي استؤمن أمين، ولم يكن مفرطًا. وضرب مثالًا بما يطلبه الولاة من الشركاء. فالولاة أحيانًا يطلبون مالًا بظلم وعدوان، وسيأتي الكلام إن شاء الله على الكلفة السلطانية، شيء من ذلك. فما يطلبه الوالي من الشركاء بالظلم، سواء مكوس وضرائب يفرضها ظلمًا وعدوانًا لأي معنى من المعاني، ما دام على وجه الظلم. فما حال هذا الرجل الدافع مع شركائه؟ هذا الرجل اضطر أن يدفع لأنه خاف وخشي سطوة السلطان، فدفع ما طلب منه أن يدفع. فهل يتحمل وحده هذا المال الذي دفع؟ الجواب: لا، ما دام محسنا. فما على المحسنين من سبيل. تقسم هذه المظلمة على الجميع. وهكذا قال: أو الظلمة من البلدان. يعني حتى ولو لم يكن سلطان. أحيانًا يكون هذا في زمان قديم، ولا يز، إلى زماننا هذا في بعض بلاد الدنيا. يوجد في بعض البلدان كبيرة وصغيرة أناس ظلمة يتقوى على الناس إما بماله أو بسلطانه أو بقوة قبيلته أو بكثرة أتباعه أو بغير ذلك. فيفرض على الناس أموال إما يدور عليهم إلى أماكنهم أو يتقطعهم في طرقهم أو غير ذلك. فإذا أخذ من مال كان لمجموعة، والدافع واحد لأنه هو الذي استؤمن على هذا المال. فهل يتحمل هذا الواحد هذه المظلمة؟ الجواب: لا، ما دام محسنًا وهو أمين. فيقسم على الجميع. وهكذا قال: أو التجار أو الحجيج أو غيرهم. يعني ما يأخذه الظلمة من التجار والحجيج وغيرهم. يعني في أزمنة متقدمة كان بعض الظلمة يدور على بعض التجار فيفرض عليهم ضرائب ومكوس في بيعهم وشرائهم. أحيانًا من البائع والمشتري، وأحيانًا من الغرباء الذين يدخلون إلى المدن ويتاجرون، وأحيانًا حتى من بعض المسافرين، وأحيانًا من الحجاج والمعتمرين. لا يخرج حاج ولا معتمر إلا أن يدفع ضريبة أو مكسًا أو غيرهم. يعني من أصناف الناس. فإذا كان هذا المال المأخوذ هو مال مأخوذ من مال مشترك، فهل الذي دفع هذا المال هو الذي يتحمل وحده أو يكون على الجميع؟ الصحيح أنه على الجميع. وهذه المسائل لا علاقة لها بكتاب الزكاة، لكنه ذكرها رحمه الله استطرادًا. يعني كأنه يقول: وهذه مثل هذه. قال رحمه الله: والكلف السلطانية على الأنفس والدواب والأموال، يلزمه ملتزام العدل في ذلك كما يلزم فيما يؤخذ بحق. فمن تغيب أو امتنع فأخذ من غيره حصته، رجع المأخوذ من على من أدى عنه في الأظهر إن لم يتبرع. ولمن له الولاية على المال أن يصرف مما يخصه من الكلف كناظر الوقف والوصي والمضارب والوكيل. وهذه مسائل أخرى كذلك تلحق بالمسائل التي سبقت. والكلف السلطانية تنقسم إلى قسمين: منها ما هو جائز، ومنها ما هو ظلم ومحرم. فقد يفرض السلطان أشياء ويكلف الناس بدفع أموال على وجه جائز وحق. مثال الحق أن يكون إعانة في الجهاد في سبيل الله، فإنه يجوز للسلطان إذا عجز عن الجهاد أن يفرض على المسلمين شيئًا من الكلف بما لا يشق عليهم. واستدل له العلماء أن هذا يدخل في عموم الجهاد بالمال. فإن من الجهاد بالمال ما يأخذه السلطان من المسلمين من أموالهم فيما يعان به الجهاد في سبيل الله، فهذا جائز. أو كذلك ما كان في المصالح الخاصة التي يحصل فيها نزاع بين الناس، يجوز للسلطان أن يفرض على الناس كلف يكون فيها بذل المال لحل النزاع. مثلًا اختلف الناس في النظافة كيف يفعلون؟ كل واحد ما يريد ينظف، تبقى المدينة أمامها. يجوز للسلطان أن يفرض على كل بيت شيء من المال في مقابل أن يجعل عمال للنظافة. وهكذا كذلك لو كان مثلًا حتى نص العلماء حتى الضيف، لو كان هناك ضيوف ينزلون على بلدة ما، فيحصل فيه خذلان لهؤلاء الضيوف. يجوز لولي الأمر أن يفرض على أهل هذه البلدة أن يقوم بهؤلاء الضيوف بأن يجعل مثلًا مال يؤخذ من الجميع فيجعل بيت للضيافة. أي من ينزل ضيفًا على بلدة ما، فإنه يكون له مكان لضيافته ونحو ذلك مما نص عليه الفقهاء في كتب المطولة مما هو جائز مما تقوم به مصالح الناس، فينظمها ويرتبها ويشرف عليها السلطان. لكن لأن ذلك يعجز بيت المال، يجوز أن يفرض على المسلمين من أموالهم ما تقوم به مصالحهم. فهذا من الكلفة السلطانية الجائزة. فإذا جاء مثل هذا الساعي من السلطان يجمع مثل هذه الأموال، فأخذها من مال فيه مجموعة شركاء، ولكن الحاضر واحد. فيقال فيه كما قيل في المسائل السابقة: هذا يدفع ويكون على الجميع بالنسبة فيما دفع هذا الحاضر. ليس لأنه دفع فيقال له: لا نحن ما أدخل أنت دفعت أنت تحمل هذا. هذا خطأ ولا يجوز. وهو محسن. فما على المحسنين من سبيل. وهكذا القسم الثاني ما كان حتى على وجه محرم وظلم. قد يفرض السلطان كلف فيها من الظلم العدوان على الناس. مثل ما قد يفرضه السلطان ونص عليه العلماء، وكان هذا في زمان متقدم ولا يزال إلى زمان هذا في بعض الجهاد. قد يفرض السلطان بعض الكلف على الناس على وجه الظلم. وهو ينقسم على قسمين: منه ما هو فيما يظن لشيء ديني، ولكن على وجه غير مشروع. ككلف يفرض على الناس في قامة الزيارات الشركية والأعياد البدعية وغير ذلك مما يجمع أمواله من الناس. فهذا من الكلف المحرمة وهو ظلم وعدوان. ومع ذلك إذا بذله أحد الشركاء لم يجوز للآخرين أن يقولوا: إنما هو عليك وحدك. فلا يجوز أن يتنصل كما سيأتي. وهكذا القسم الثاني ما كان حتى في أمور الدنيا ظلم لا يمكن دفعه. فرض السلطان على بعض الناس مثلا أموال تدفع لأنه سيتزوج أو لأنه ولد له مولود وسيعمل له احتفال أو لأنه سيأتيه ضيوف ليس على الإسلام المسلمين، ولكن شيء شخصي. أو كذلك كان لأجل إكرامه وضيافته. يعني إذا نزل بلدة ما يريد احتفال عظيم فيفرض على كل من في البلدة أشياء وأموال عظيمة. هو ظلم وعدوان. فما كان بمعنى ذلك كذلك هذا السلطان ومن أعانه عليه هذه المظلمة والإثم. وهذا الدافع الذي يدفع الشر عن نفسه وعن ماله والمال الذي هو أمين عليه مأجور على دفعه هذا الشر ومحسن. ولا يجوز أن يتحمل ذلك وحده، بل يجب على شركائه أن يشاركوه في ذلك. وقوله: على الأنفس والدواب والأموال. يعني جميع أنواع الكلف. وقد مر معنا فيما تقدم قبل قليل أن الكلف منها ما هو جائز ومنها ما هو مظلمة. فما وقع سواء هذا وهذا على هذه الأنواع والأصناف، وكان فيها شيء من الشراكة، فإنه يقال فيه كما قيل قبل. على أن الأصل في ذلك أنه يرجع إلى العرف. يعني يتتبع في هذا العرف. فمثلًا ما يؤخذ من أهل القرى فبحسب الأموال. مثلًا فرض السلطان كلف على كل قرية أن يدفع مئة ألف. سيختلف أهل القرية دفع أحد من في القرية أو بعض من في القرية. فهل معنى أن هؤلاء فقط الذين دفعوا هم يتحملون؟ الجواب: لا، بل الواجب أن يؤخذ من الجميع إعانة لهؤلاء الذين أحسنوا. فهم محسنون. وما على المحسنين من سبيل. طيب كيف يؤخذ من هؤلاء القرية فيها ناس كثير؟ نص العلماء أنه جرى العرف بأنه يؤخذ من أهل القرية بحسب أموالهم. فالغني يدفع كثير والمتوسط يدفع وسط والفقير يدفع بحسب استطاعته. وللعلماء تفاصيل في مثل هذه المسائل. هذا خلاصتها. وهكذا كذلك إذا كان المال مأخوذ من أرباب الزروع والعقار وما كان بمعناه من أصحاب الأموال. فهل يؤخذ من أصحاب الأموال أو من المستأجرين والعمال؟ نص العلماء أنه جرى العرف وتدل عليه العمومات أن الأصل يؤخذ من أرباب هذه الأموال. فأصحاب الزروع من أصحاب الزروع، وأصحاب العقار من ملاك العقار. فلا يؤخذ من المستأجر ولا يؤخذ من العامل، إلا أن يكون بين المالك والمستأجر أو العامل شرط. فالمسلمون على شروطهم. مثلًا علم هذا الرجل أن هذه البلاد تكثر فيها الضرائب والكلفة السلطانية ونحوها من المظالم. فيقول صاحب البيت أو الأرض أو الدكان: انظر الناس يؤجرون بعشرة ألف وأنا سأؤجر لك بخمسة ألف، لكن بشرط أنا أريد مالي صافية خالص ما جاء من ضرائب أو جاء من كلف أو مظالم أو أي شيء لا تدخلني ولا تشركني بهذا. قال: قبلت. فهنا ماذا؟ المسلمون على شروطهم. فيجب على المستأجر أن يوفي بشرطه. فليس على رب المال شيء. وإلا فالأصل أن هذا على رب المال؛ لأن الكلفة إنما وضعت لأجل الأموال، ولأن العرف جرى بذلك. ونص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره في مواضع من كتبه وكتب أهل العلم ذكروا نحو هذا. وهكذا كذلك على الأنفس كما ذكر. فما يوضع على الأنفس أو الدواب، فالأصل أنه يرجع في هذا إلى العرف. فإن جرى العرف التسوية بين الغني والفقير سوي. والأصل أنهم لا يسوون. أو جرى العرف التسوية بين الكبير والصغير والذكر والأنثى، فيرجع في هذا إلى العرف. وهذه الكلف كانت تأخذ في زمان متقدم ولا يزال يأخذ إلى يومنا هذا، لكن تحت مسميات مختلفة. فقط اختلفت المسميات. من قبل كانت تسمى مكوس أو إذا كانت على وجه حق أو فيه شبهة أو سمي الشيء بغير اسمه سميت كلف سلطانية. واليوم لها مسميات أخرى كثيرة. قد يسمى تحت مسمى الشؤون الاجتماعية. كل عامل يأخذ منه مال وربما تزاد هذه الضرائب والمكوس. أولًا الشؤون الاجتماعية، وبعدين الدعم الشعبي، وشوية تحسين المدينة. وبعد قليل احتفالات. الرجل استلم عشرين ألف ويدفع خمسة ألف وخمسمية دعم شعبي وخمسة ألف تحسين مدينة. وربما ثلاثة ألف ألفين وخمسمية أشياء أخرى. إذا صادف عيد أو شيء يدفع. ماذا حصل وماذا دفع؟ فمثل هذا من الظلم، ولكن سمي بغير اسمه. وهكذا كذلك على الدواب. حتى الدواب كان من قديم يؤخذ على الدواب. ما تمر دابة إلا يؤخذ منها مال عند بعض الظلمة. واليوم مثله كذلك السيارات عليها ضرائب. وربما في بعض المدن يوجد عند مدخل المدينة رجل معه ورقة. تدخل سيارة تحسين مدينة ألف ريال. كل سيارة تدخل تحسين مدينة. وهذا من جنس ما كان يؤخذ من المكوس والظلم. فالشاهد إذا دفع مثل هذه الأموال وكان المال لأناس مشتركين، لا يجوز للشركاء أن يتنصلوا. ويقال فيه كما قيل فيما سبق. وهكذا الأموال على ما سبق تفصيله. قال رحمه الله: يلزمهم التزام العدل في ذلك. والعدل كما قلنا بالشرع والعرف لابد من الرجوع إلى ذلك. والعرف يعمل به إذا لم يخالف الشرع. فإذا خالف الشرع فالعبرة بالشرع لا بالعرف. فالشرع مقدم على العرف. قال: كما يلزم فيما يؤخذ بحق. فمن تغيب وامتنع فأخذ من غيره حصته، رجع المأخوذ منه على من أدى عنه في الأظهر؛ لأنه محسن. والله سبحانه يقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ جزاء الله خير. أنه قدم المال ودفع عنك. فهل تجازي هذا الإحسان وتشكر هذا المتفضل بالجهل؟ هذا ظلم. بل الواجب أن ترد الإحسان بإحسان وتجازي المتفضل بالشكر. وقوله: إن لم يتبرع. لأنه لو تبرع من نفسه خصوصًا إذا كان المال يسير، فهذا زيادة في إحسانه. مثلًا رجل دخل يعمل عامل عند صاحب السيارة. فدخل المدينة قالوا له: تحسين مدينة ألف ريال. دفع الألف ريال. فهنا ما طالب صاحب السيارة بهذه الألف هو محسن وتبرع بهذا. فله ذلك. ولو قال لمالك السيارة: أخذ مني ألف ريال تحسين مدينة. له الحق أم ليس له الحق؟ له الحق؛ لأن هذا مفروض على الشخص أو على السيارة. على السيارة مدى مفروض على السيارة. إذن لابد أن ترد له هذا المال الذي قدمه لك. قال: ولمن له الولاية على المال أن يصرف مما يخصه من الكلف كناظر الوقف والوصي والمضارب والوكيل. حتى لو فرضت كلف على الناظر على المال، فهو لم يفرض له لشخصه وإنما فرض عليه لماذا؟ لوظيفته. ووظيفته لنفسه أو لصاحب المال لصاحب المال. فيقول كذلك حتى لو فرض الكلف هذه فرضت لأجل الولاية. فإنه يجوز له أن يرجع على صاحب المال وعلى الشركاء مثله. مثل ناظر الوقف ومثل الوصي والمضارب والوكيل. ناظر الوقف أليس له أجرة المثل؟ له أجرة المثل كما جاء في حديث عمر رضي الله عنه. وهكذا كذلك الوصي إذا قام على الوصية له أجرة المثل. والمضارب الذي يضارب بالمال له بما جرى به العرف. وهكذا كذلك الوكيل. فإذا كان له حق فيما يعمله فكيف لا يكون له حق فيما يفرض عليه؟ فهو من باب أولى أن يكون له حق خصوصًا وأنه فرض عليه ليس لشخصه. لو كان في بيته لن يفرض عليه، لكن لأنه قائم على هذا المال ولأنه مثلًا سائق لهذه السيارة ولأنه راعي لهذه الغنم ولأنه عامل في هذا الدكان. فرض عليه مثل هذه الكلف. فإذا ينبغي أن يعان في مثل ذلك ولا ينبغي أن يترك هذا عليه وحده. وهذا هو العدل كما ذكر رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: ومن قام فيها بنية العدل وتقليل الظلم فهو كالمجاهد في سبيل الله. وهذا حث من هذا الإمام رحمه الله على أنه مع هذه المسائل وتبيينها لا يعني ذلك أن يتساهل الإنسان في أموال الآخرين. بل ينبغي عليه أن يجتهد قدر المستطاع أن يخفف الظلم وأن يقلل العدوان. فمثلًا لو قاله صاحب تحسين المدينة ألف ريال. ما يقول: خلاص يا على صاحب السيارة سأدفع ألف ريال. لا يحاول كأنه ما له. لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. يقول له: ليش ألف ريال كثير؟ ولماذا؟ ويحاول يحاول يجتهد إن استطاع أن يقلل إلى النص. فعل ما استطاع حتى ولو نقص مئة واحدة فله أجر؛ لأنه قلل هذا الظلم ودفع العدوان بحسب استطاعته. وقوله: فهو كالمجاهد في سبيل الله. ليس هذا برأي، ولكنه نص عن النبي عليه الصلاة والسلام. ففي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا وكان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن...» إلى آخر الحديث. وهؤلاء فسره العلماء: الظلمة والمعتدون على الناس في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم. فمن استطاع أن يدفع هذا الظلم بحسب ما يستطيع فهو كالمجاهد في سبيل الله؛ لأنه يخفف هذه المظالم هذا الشر. قال رحمه الله: ومن صودر على أداء مال وأكره أقاربه أو جيرانه أو أصدقاؤه أو شركاؤه على أن يؤدوه عنه، فلهم الرجوع عليه؛ لأنهم ظلموا من أجله ولأجل ماله. والطالب مقصوده ماله لا مالهم. وهذه مسألة أخرى من مسائل أداء الحقوق عن الغير. وأنه يجب فيه أن يجري كما سبق. فلو أن إنسان تتبع لأجل أن يؤخذ من ماله شيء ففر. فلما فر أخذ هذا السلطان أو الظالم أو أي جهة كانت أخذ هذه الضريبة والمكس. أخذها من بعض أقاربه. أكره أقارب هذا الرجل أن يدفع هذا المال. قال: هذا المال عن فلان وأنتم سدوا مع صاحبكم. أنتم أخرجوه من قريبكم. أو أخذه من جيرانه. قال: هذا المال عن جاركم الذي هرب وأنتم خذوا حقكم من جاركم. أو أخذه من أحد أصدقائه أو أحد شركائه على أن يؤدوه عنه. يعني مثل ما قلنا: يقول هذا عن فلان وأنتم خذوه من فلان. يقول: فلهم الرجوع عليه؛ لأنهم ظلموا من أجله. ما دام ظلموا من أجله لا يجوز له أن يرضى بالظلم عليهم. فهذا لا يقره شرع ولا عرف ولا فطرة ولا عقل صحيح. فكل ذلك يقتضي أن يجازي هذا الإحسان بالإحسان. فهم الظلم من أجله. الواجب أن يكون هو أنفع لهم منهم لنفسه. فيرد هذا الإحسان بأن يرد إليهم ما ظلموا فيه. ولهذا قال: لأنهم ظلموا من أجله ولأجل ماله. والطالب مقصوده ماله لا مالهم؛ لأنه ما أخذ مالهم لأجلهم، ولكن لأجله هو. قال: ومن لم يخلص مال غيره من التلف إلا بما أدى عنه رجع بما أدى في أظهر قولي العلماء. وهذه مسألة أخرى وكلها تتعلق بالحقوق. يقول: من لم يخلص مال غيره من التلف بمعنى لم يدفع التلف عن مال الغير إلا بما استطاع أن يؤدي. يعني حصل تلف لكن ليس تلف كامل. فلا يقول هذا الذي تلف ماله: ما الفائدة؟ ماذا صنعت؟ لو كملت الدفع كان سلم المال. لكنك بخلت وقصرت ودفعت الشيء اليسير فكان السبب أن تلف المال الكثير. هل معنى هذا أنك تبخسه في حقه الذي أدى عنك؟ هو أحسن ما استطاع أن يحسن إلا هذا. فلا تبخسه حقه في إحسانه. فكونه خفف عليك التلف هذا إحسان. فلا ترد الإحسان بالإساءة. مثلًا لم يستطع أن يدفع مظلمة السلطان في أخذ كل المال. فدفع بعض المال. ما عنده إلا مال يسير أو لم يتيسر له إلا مال يسير. فدفع بعض المال. فأخذ السلطان نص المال وترك له نص المال. بينما لو دفع هذا الرجل المال الذي يريده السلطان لم يأخذ السلطان نص المال. فهل جزاء كونه لم يستطع أن يدفع المال المطلوب فأخذ نصف المال لأجل دفعه نصف النفقة أو نصف المكس والضريبة ألا يعطى ما دفع من قبل مالك المال؟ الجواب: لا. لأنه ولو لم يدفع التلف كاملًا إلا أنه خفف التلف. فهو محسن. وهو دفع عنك ليس عن نفسه. فلذلك ينبغي أن ترد الإحسان بالإحسان ولو كان الإحسان ناقص. فهذا حسب استطاعته. ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. وهو في النهاية محسن. وما على المحسنين من سبيل. ولهذا قال: رجع بما أدى في أظهر قولي العلماء. يجوز أن يقول: أعطني حقي. حقه حتى ولو دفع قليل. حتى ولو تلف نصف مالك. هو في النهاية محسن إليك. فاعطه الذي دفع لك. وقوله: في أظهر قولي العلماء. يعني أن المسألة فيها خلاف. وهذا هو الصحيح كما لا يشك في ذلك منصف لعمومات الأدلة. وهو الذي اقتضيه العرف والفطرة وكذلك الحس. قال: ولو أخذ الساعي فوق الواجب بتأويل أو أخذ القيمة فالصواب الإجزاء. ولو اعتقد المأخوذ منه عدمه. وجعله أبو العباس في موضع آخر كالصلاة خلف التارك ركنًا أو شرطًا. وهذه مسألة أخرى. لو أن الساعي أخذ فوق الواجب بتأويل. يعني اجتهد الساعي فرأى أن هذا الإنسان يجوز أن يأخذ منه أكثر من الواجب. سواء يعني فيما يتعلق بتفريق مجتمع أو اجتماع مفترق أو أي معنى آخر. أخذ فيه الساعي فوق الواجب لكنه لم يأخذه ظلمًا صريحًا. إنما هو متأول. سواء كان مصيب أو مخطئ هذا الساعي لكن هو متأول. فعلى ذلك يظن أنه مصيب. أو أخذ القيمة كذلك. يعني مثلًا وجبت شاه. ما أخذ شاه. أخذ مال بدلًا من الشاه. أخذ مال نقد. يقول: الصواب الإجزاء. يعني هذا الفعل صحيح. ويقال هناك ما قيل قبل. الشركاء عليهم أن يعدلوا مع هذا المحسن. يقول: ولو اعتقد المأخوذ منه عدمه. يعني حتى لو مثلًا قيل لهذا القائم على المال: يا فلان اتق الله. هل ترى هذا الذي أخذ منك حق أو باطل؟ قال: باطل. طيب إذا كان باطل كيف تريدنا أن ندفع لك؟ هذه حجة. لكن هل هي حجة صحيحة أم فاسدة؟ حجة فاسدة. حتى ولو اعتقد أن هذا باطل ودفع لأنه لا يمكنه إلا أن يدفع. فهو محسن حتى ولو دفع في شيء باطل. هو محسن حتى ولو دفع في شيء باطل. ولهذا قال: وجعله أبو العباس أي شيخ الإسلام في موضع آخر كالصلاة خلف التارك ركنًا أو شرطًا. يعني أن من صلى خلف من كان كذلك وهو متأول فصلاته صحيحة. فإن أحسنوا فلكم ولهم. وإن أساءوا فلكم وعليهم. فلكم وعليهم. لكن قد يقول قائل: هذا بالنسبة لمن لم يعلم هذا الخطأ. وأما من علم الخطأ ولم يرى ذلك فهو لن يرضى إلا أن يتم صلاته. يعني مثلًا لو أن إنسان صلى ركعتين في موضع لا يجوز القصر. فهل أنت ستتابعه وأنت تعرف أنه لا يجوز لك القصر؟ ستقوم تكمل. هو متأول لكن أنت تعرف أن الصواب خلاف ذلك. ستقوم ستكمل ركعتين. لكن إذا ما علمت صحيح. فإن أحسنوا فلكم ولهم. إن أساءوا فلكم وعليهم. إذا لم تعلم وكان ذلك لا يضر بالصلاة أو كان ذلك لا يضر بالصلاة. لكن يجاب عن هذا بأن قياس الصلاة على هذه المسائل قياس بالشبه. وهو من أضعف أنواع القياس. وهو مع ذلك ليس فيه تمام المطابقة. حتى لو قيل أنه قياس صحيح فهو لا ينطبق. لكن مراد شيخ الإسلام رحمه الله تقريب المعنى. مراده تقريب المعنى؛ لأن هذه المسائل ليست مثل الصلاة. فمراده رحمه الله أن يقرب المعنى للسامع والقارئ والمستفتي حتى يحصل المقصود من اقتناعه وأدائه لحق الغير. نكتفي بهذا القدر وإلى هنا والله تعالى أعلم.