شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم  5

شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم 5

الدرس في شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في صفات طلاب العلم

يشرح الشيخ صفات طلاب العلم الموفقين وأهمية إصلاح النفس وكثرة الدعاء للتوفيق في طلب العلم. يشير إلى أن طلب العلم يحتاج إلى إصلاح القلب والعمل.

أهمية العلم في إحياء السنة وإماتة البدعة

يُبين أهمية طلب العلم لإحياء السنن النبوية ومحاربة البدع، ويشير إلى أن هذا من أعظم الجهاد في سبيل الله. طلب العلم يحقق المقصود من حفظ الدين ونقائه.

فضل العلم وأهله وندرتهم

يُوضح المقطع أهمية العلم في حفظ الشريعة والدين، ويشير إلى ندرة أهل العلم الذين يطلبونه لله وحده. يُبين أن أهل العلم لا يتأثرون بقلتهم بل يبقون على الحق ظاهرين.

التوجيه الإيماني في مواجهة قلة أهل الحق

يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى كثرة أهل النار، ويشير إلى أهمية اتباع الصراط المستقيم لتحصيل الأجر الكبير عند الله. يشدد على أهمية اتباع الحق والكون مع أهله.

التفريغ النصي الكامل

يسر إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم للإمام الآجري رحمه الله تعالى، اختصره فضيلة الشيخ عمر بن مصلح الحسين، شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالفيوش ودار الحديث بالشحر. والآن مع الدرس الخامس. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله من الكلام على حسن النية في طلب العلم والمقصد الحسن فيه، ومرت مسائل تلحق بهذا المعنى، ثم شرع رحمه الله بقوله: «واعلم رحمك الله أن من طلاب العلم أناسًا لهم عقول مؤيدة، وآداب جميلة، وفهم حسنة، يحبون أن يحيوا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنن أصحابه، ويميتوا البدع، ويحبون جمع العلم كثرته؛ ليحفظوا على المسلمين شريعتهم، كراهية أن يضيع العلم»، فهذه صفة من تضع له الملائكة أجنحتها رضًا بما يصنع، وهو ممن هو في سبيل الله حتى يرجع، وممن تستغفر له الملائكة والحيتان في البحر، وممن قد سلف طريقًا إلى الجنة. هذا الضرب في الناس قليل جدًا، وليس يضرهم ذلك، فأجرهم عند الله كبير. شرع هنا رحمه الله في ذكر طائفة من أهل المقصد الحسن والنية الطيبة في طلب العلم، وأشار إلى بعض صفاتهم، ومن أعظمها أمران: الأمر الأول يكمن فيهم بما كان من حرصهم على إصلاح قلوبهم وأعمالهم، والأمر الثاني بما كان من الله سبحانه وتعالى من تأييده وتوفيقه سبحانه وتعالى لهم. هذا يدلنا أن سلوك هذا المسلك يفتقر إلى هذين الأمرين الاثنين، فمن أراد أن يكون من هذه الطائفة القليلة الموفقة التي أشار إليها رحمه الله، فليحرص على هذين الأمرين، والتي يدخل تحتهما ما أشار إليه من أمور وأشياء أخرى كثيرة تدخل تحت هذين المعنيين. المعنى الأول: أن يحرص طالب العلم على إصلاح نفسه بإصلاح قلبه وعمله، فما تجتهد في إصلاح قلبه وعمله، فإنه يوفق أولًا بما يكون من صلاح القلب الذي بصلاحه يصلح له كل شيء، وبصلاح العمل كذلك يصلح له طريقه إلى الله، ويكون سببًا لتأييد الله وتوفيقه له. وهذا هو الأمر الثاني، كما أنه يجتهد لتحقيق هذا الأمر الثاني بكثرة الدعاء باللسان الحال ولسان المقال، دعاء العبادة ودعاء المسألة، بما يكون له به ما يحقق توفيق الله وتأييده له، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، وكما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، وكما قال سبحانه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. فإذا اجتهد المسلم عمومًا وطالب العلم خصوصًا على إصلاح نفسه، إصلاح قلبه وعمله، ودعاء الله عز وجل له بالتوفيق، يدعو لنفسه بأن يوفقه الله ويؤيده فيما هو فيه، ويفتح عليه من أبواب الخير ما علم وما لم يعلم، فإنه بإذن الله يجد ذلك، وثمرة ذلك ما أشار إليه رحمه الله من الصفات الحسنة التي هي آثار توفيق الله عز وجل. كما جاء الحديث القدسي، حديث أبي هريرة في الصحيحين: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولَيَزَل عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه»، فأنت تتقرب إلى الله وتجد القرب والتوفيق والإعانة من الله سبحانه وتعالى، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، معيَّة خاصة فيها معنى التأييد والنصر والتوفيق والكلاءة، وكل معاني الخير التي تكون بها خيرية هذا الإنسان في الدنيا والآخرة. ومن ذلك كما قال: «عقول مؤيدة، وآداب جميلة، وفهوم حسنة»، هو حرص بنفسه ودعا ربه فوفقه الله لذلك. ومن المقاصد الحسنة حب إحياء السنن، سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة أصحابه، وسنة أصحابه من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»، فهي سنة لا تنافي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هي منها. ولماذا ذكرت إذا كانت منها؟ الجواب: لأنها توضح وتبين، توضح وتبين وتكمل ما لم يستطع من ليس عنده علم أن يفهمه؛ لأنهم أعلم الناس بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك أخذ العلماء بآثار الصحابة وأفهامهم في كثير من المسائل إذا لم يجدوا ذلك من الكتاب والسنة؛ لأن الصحابة أعلم الناس بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ويدل على ذلك أدلة الكتاب والسنة الكثيرة، قال سبحانه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾، فسنة الصحابة سنة مؤيدة وموضحة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويميت البدع، لا بد من النفي مع هذا الإثبات، لا يكفي أن تثبت إحياء السنة مع عدم إماتة البدعة؛ لأنه لا يجتمع الرضا بالبدع فضلًا عن إقامتها مع حب السنة وإرادة إحيائها، لا بد من نفي وإثبات، نفي البدع وإثبات السنة، كما أن «لا إله إلا الله» نفي للشرك والكفر والنفاق، وإثبات للتوحيد لله عز وجل وحده خالصًا له لا شريك له، فكذلك مسائل الدين، مسائل السنة تثبت الطاعة وتنفي المعصية، تثبت السنة وتنفي البدعة. وقد جاءت آثار كثيرة، بل وأحاديث السنة في فضل إحياء سنة النبي صلى الله عليه وسلم وإماتة البدع ومحاربتها؛ لأن ذلك من أعظم الجهاد في سبيل الله، ومن الدِّفاع عن الدين، حديث العرباض بن سارية من أعظم الأحاديث الدالة على هذا المعنى، وبالسنن بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم وعظ أصحابه كما في حديث العرباض: «موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب»، وقال: «يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا»، قال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد من حبشي، فإنه من يعش منكم فسيَرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». وهذا يدل على هذا المعنى الذي أشار إليه، وفي الباب أحاديث وآثار تدل على هذا المعنى كثيرة، وقد بَوَّب بعض أهل العلم أبوابًا في كتبهم، كتب السنة والحديث، تدل على هذا المعنى، والآثار كذلك كثيرة. فالمقصود هذا من المقاصد العظيمة التي قليل من الناس من يوفق لها، أن يطلب العلم لإحياء السنة وإماتة البدعة؛ لأجل أن يبقى الدين صافيًا نقيًا كما جاء به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وجاء في رواية في حديث العرباض أنه بعث بها عليه الصلاة والسلام، قال: «بيضاء نقية»، يعني دين صافي ليس فيه ما يكدره، ومما يكدره البدع والضلالات، البدع والضلالات، ولهذا حذر عليه الصلاة والسلام من البدع والضلالات في أحاديث كثيرة، ومنها أحاديث خطبة الحاجة الذي كان يكررها، كما في حديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم، وجاء مطولًا عند النسائي وغيره بإسناد حسن، وكل هذا تأكيدًا وتأييدًا لهذا المعنى الذي دلت عليه نصوص كثيرة، أهمية إحياء السنة وإماتة البدعة. وقوله رحمه الله: «ويحبون جمع العلم وكثرته»، لأنه أرادوا بذلك ما عند الله، لم يريدوا بذلك الرياء والسمعة؛ لأن هذا منافي للنية الحسنة، إنما أرادوا جمع العلم ليحفظوا، يتفقهوا في دين الله، ليحفظوه، يحفظوا هذا العلم فيوصلوه لمن يحتاجه؛ لأنه ميراث الأنبياء، ميراث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم»، فالحرص على هذا العلم وجمعه والاستكثار منه من حفظ تركة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء معناه في أحاديث كثيرة، حديث أبي هريرة في الصحيحين، حديث عبد الله بن عمر، ومعنى حديث أبي الدرداء في صحيح مسلم، وجامع بمعنى، وألفاظ أخرى خارج الصحيح، وكل هذا يدل على هذا المعنى لمن حصنت نيته وصالح قصده. وقوله: «ليحفظوا على المسلمين شريعتهم»، هذا هو المقصد من جمع العلم والاستكثار منه، ليس رياءً وسمعة، ولكن ليحفظوا على المسلمين شريعتهم. وقوله: «كراهية أن يضيع العلم»، لأن ضياع العلم ضياع للشريعة والدين، فالدين هو العلم الذي بعث به النبي عليه الصلاة والسلام، ولهذا كان أول ما أنزل على النبي عليه الصلاة والسلام الأمر بالعلم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، وآيات أخرى كثيرة من الكتاب والسنة تدل على هذا المعنى. قال: «بهذه صفة من تضع له الملائكة أجنحتها رضًا بما يصنع»، ويشير بهذا إلى عدة من الأحاديث التي وردت في فضل طلب العلم، حديث أبي هريرة الذي أشار إليها هنا: «فهو في سبيل الله حتى يرجع، وتستغفر له الملائكة والحيتان في البحر»، قد مر معنا حديث أبي هريرة كذلك الذي في صحيح مسلم، وجاء في بعض الألفاظ مطولًا خارج صحيح مسلم، وفيه: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة»، فهذه الأحاديث التي أشار إليها وغيرها كثير، وقد جمعها بعض أهل العلم في فصول في كتب السنة، وفي أبواب كذلك في بعض كتب الحديث التي جمعت أنواعًا من السنن، ومن ذلك الكتاب العظيم النافع المبارك «رياض الصالحين»، فقد ذكرت جملة من هذه الأحاديث النافعة التي فيها هذا الفضل. ثم قال رحمه الله: «وهذا الضرب في الناس قليل جدًا»، يعني هذا الصنف في الناس قليل، وهذه سنة الله سبحانه وتعالى، قال سبحانه: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أهل الضلال كثير، وأهل الهدى قليل، أهل الصدق قليل، وأهل الكذب كثير، وهكذا كذلك في هذا الباب. وقوله: «قليل جدًا»، لأن هذه النية أخص من النية الحسنة العامة التي سبقت الإشارة إليها في الفقرات التي سبقت في الدرس السابق، فهؤلاء هم خلاصة أهل الحق وزبدتهم وصفوتهم، وهم أهل الإمامة في الدين، لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين، وقد تقدم معنى الحديث: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك»، حديث معاوية رضي الله عنه، وجاء معناه من حديث ثوبان وجماعة من الصحابة، لفظه الأول في الصحيحين، وجاء في صحيح مسلم حديث ثوبان، وجاء من حديث أخرى كذلك في عدة من كتب السنة، فهو يدل على أن الطائفة معنى من معاني القلة، لفظ الطائفة معنى من معاني القلة، وهذا يدل أنهم قليل في الناس، ولهذا قال رحمه الله: «قليل جدًا». وقوله: «وليس يضرهم ذلك»، يعني القلة لا تضرهم، وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين، وهذا لفظ البخاري: «أن الله عز وجل يقول لآدم: أخرج بعث النار، فيقول: وما بعث النار؟ قال: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين»، فهؤلاء كلهم في النار إلا واحد، حتى خاف الصحابة، فقالوا: أينا ذلك الواحد يا رسول الله؟ فذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم يأجوج ومأجوج والأمم، وفي هذا إشارة أن أهل النار في الأمم كثير، وهكذا كذلك في هذه الأمة، ولكن يصطف الله عز وجل من وفقه لطريق الجنة بالأخذ بالصراط المستقيم والدين القويم الذي بعث به صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلا يضرك أنك من القليل إذا وفقك الله للحق، وأن تكون مع أهل الحق وفي طريق أهل الحق، ولهذا قال: «فأجرهم عند الله كبير»، وهذا هو الذي ينبغي أن يحرص عليه المسلم، وطالب العلم على وجه الخصوص. طيب، نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.