شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم  6

شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم 6

الدرس في شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التحذير من طلب العلم للدنيا وإصلاح النية

يتناول الشيخ التحذير من طلب العلم للدنيا وأهمية إصلاح النية في طلب العلم. الإخلاص في طلب العلم لله عز وجل سبب في استمرار طالب العلم في طريق العلم.

علامات طلب العلم للدنيا وطلب العلم لله

يُناقش المقطع علامات طلب العلم للدنيا مثل حب الترأس والغرور، وعلامات طلب العلم لله مثل الإخلاص والتواضع. يُشدد على أهمية الصدق والإخلاص في طلب العلم.

أهمية الرفقة الصالحة ومعوقات طلب العلم

يُنصح طلبة العلم باختيار رفقة صالحة تعينهم على طلب العلم، مع التأكيد على أهمية التعاون والتشاور فيما بينهم. يُشدد على الحذر من مصاحبة أهل السوء.

  • 14 جمادى الأولى 1439هـ - 30/01/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

يسر إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم شرح كتاب مختصر فرض طلب العلم للإمام الآجري رحمه الله تعالى، اختصره فضيلة الشيخ عمر بن مصلح الحسين، شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالفيوش ودار الحديث بالشحر. والآن مع الدرس السادس. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، هذا هو الدرس السادس من درس فرض طلب العلم أو مختصر فرض طلب العلم. وقد مر معنا في الدرس الخامس ما ذكره المؤلف رحمه الله، تعالى في أهمية إصلاح النية في طلب العلم، ثم ذكر رحمه الله تعالى بعض أهم صفات الصادق في نيته وطلبه للعلم، وأنهم قليل جدًا وأجرهم كبير، وأشار لبعض الآثار والأحاديث في هذا الباب، ثم ختم هذا الفصل بقوله رحمه الله: هذا هو درس اليوم. أما من كان مراده في طلبه للعلم الدنيا وأمورها، فكيف يلحقه ثواب ما تقدم ذكره من فضل من طلب العلم أو من فضل طلب العلم؟ ينظر إلى الأصل إن شاء الله، إما من فضل في طلب العلم أو من فضل طلب العلم، مراجع من هذه إذا كانت مثبتة في الأصل أم لا؟ قال: الله المستعان، ما أشد فتنة طلب العلم، وما أعز من طلبه لله عز وجل، وما منهما أحد إلا وأخلاقه تدل على صحة طلبه لله عز وجل أو فساد طلبه. وما ذكر يدل على أنه لا ينبغي لطالب العلم أن يجالس إلا من يعود عليه نفعه ممن يكتسب منه فهمًا وعلما وأدبًا، وإلا فلينبذ عنه مجالسته وليحذره على دينه. ختم رحمه الله تعالى بهذه العبارة هذا الفصل، وأشار فيه إلى أربع مسائل: المسألة الأولى التحذير من طلب العلم للدنيا وأمورها؛ لأنه سبب في حرمان طلب العلم وثمرته، وهو من أعظم العوائق التي تعيق طالب العلم في استمراره في طريق العلم أو كذلك حصول ثمرته. طلب العلم عوائق كثيرة، وأكثرها يدخل في هذا المعنى أن يطلب العلم للدنيا، فمن معاني طلب العلم للدنيا عدم الإخلاص أو ضعفه. ولذلك على طالب العلم الاجتهاد في تصحيح إخلاصه في طلب العلم لله عز وجل، يفتش في أقواله وأفعاله ونيته ما يعينه على تحقيق هذا الإخلاص الذي هو سبب عظيم في استمراره في طريق العلم، وكذلك حصول الثمرة الكبيرة النافعة في عاجل أمره وآجله. كم من أناس ذكرهم العلماء في كتب التراجم والسير كان لهم من الذكاء والحفظ ومقومات النبوغ في طريق العلم ما يكون سببًا لتفوقهم ونبوغهم، ولكن بسبب عدم الصدق يحرمون هذا العلم، إما بالانقطاع عنه أو الانتكاس والعياذ بالله، أو ضعف البركة وعدم حصول الثمرة. بينما غيرهم ربما يكونون أقل ذكاء وأقل حفظًا، فتكون ثمرة إخلاصهم وصدقهم وحسن نيتهم سببًا في حصول البركة والخير الكثير في عاجل أمره وآجله. فلذلك على طالب العلم أن يجتهد في إصلاح نيته. وأقول لكم: رأيت بنفسي والله في طريق طلب العلم أناسًا كانوا لنا زملاء في طريق طلب العلم، كانوا عجبًا في الذكاء وأعجوبة في الحفظ، أعرف بعضهم حفظ القرآن في أربعة أشهر، وكان يحفظ في اليوم من السنة أكثر من ستين حديثًا في اليوم، بعضهم استطاع أن يكمل صحيح مسلم في أربعة أشهر، بل بعضهم حفظ الصحيح مسلم بأسانيده أقل من ستة أشهر. ولكن لما كان ذاك الجد والاجتهاد ليس خالصًا لله، وإنما لطلب التصدر والترأس والظهور وطلب ثناء الناس، لم يدم ما عندهم طويلًا، صرفوا للدنيا. ولما قيل لبعضهم: كنت على خير كثير مما صرفك؟ قال: وبكل جرأة: بدلنا الكثير ولم يعطينا شيء من الدنيا، فذهبنا نريد راحة الدنيا. منهم من يعمل اليوم في محلات وتجارة الذهب، وبعضهم في غير ذلك. فلذلك أقول أيها الأحبة ويا معاشر طلبة العلم: علينا أن نجتهد في إصلاح نياتنا والصدق مع الله عز وجل عمومًا وفي طلب العلم خصوصًا، فإن ذلك من أعظم الأسباب التي تعين على حصول ثمرة العلم وبركته في عاجل أمر طالب العلم وآجله. ومن ذلك أن يفتش في أقواله وأفعاله وأخلاقه ما يدفعه بتصحيح نيته وإخلاصه لله عز وجل، يجتنب ألفاظ العجب والغرور، رأيت فعلت، أنا صنعت، وغيرها من عبارات التعظيم والعجب والغرور التي تكون سببًا في حرمان طالب العلم ما عنده من علم. وهكذا كذلك أفعاله، يجتهد على ترك الأفعال التي تنافي الصدق والإخلاص في طلب العلم، فلا يتشرف بالعلم ويترفع به، بل العلم يدفعه للتواضع وغمط النفس. وأذكر مثالًا لأجل أن نعلم، كما أشار المؤلف، هذه من المسائل التي سأتي الإشارة إليها: أن عدم الصدق والإخلاص في العلم قد يظهر في الأخلاق وفي المظهر وفي الأفعال والأقوال ما يعلم به العالم النبي أن هذا الذي أمامه لم يصدق ولم يخلص في طلب العلم، فيربيّه لأجل أن يصلح حاله في طلب العلم. أذكر مرة أن أحد الزملاء ونحن نطلب العلم لشيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، من طلبة العلم، كان يحرص وكان سنه في ذاك الوقت سن الشباب الذين لم يبلغوا سن النضج في العلم، بل حتى النضج لتحمل المسؤولية. فكان أحد الزملاء يحرص على لبس الجبة أو البشت الذي هو عادة في بعض البلاد، ومنها في القصيم على أن صاحبه شيخ وطالب علم كبير علامة. في أحد المرات رأى شيخنا رحمه الله وقتًا مناسبًا، فنصح هذا الطالب بنصيحة يسيرة لكنها عظيمة وبليغة. كان شيخنا رحمه الله يجعل بعد صلاة الفجر حين يرجع، وكانت المسافة من بيته من المسجد لبيته طويلة وكبيرة قليلًا، قرابة ثمانمائة متر تقريبًا، يمشيها على الأقدام، ويجعل هذا الوقت وقت رجوعه من المسجد للأسئلة، يعطي لكل سائل ثلاثة أسئلة. ففي ذاك اليوم جاء هذا الطالب ببشته خلف الشيخ، قال: يا شيخ عندي سؤال. ومن أدب الشيخ رحمه الله وحكمته أنه لم يبادره بما يريد أن ينصحه، قال: تفضل يا فلان. فلما أكمل سؤاله وأجابه الشيخ رحمه الله وانتهى، قال له الشيخ رحمه الله: انتهيت يا فلان؟ قال: نعم الحمد لله جزاك الله خير شيخنا. فقال: اسمع مني نصيحة. فقال: سم شيخنا. معنى تفضل شيخنا أسمع. فقال رحمه الله شيخنا له: يا فلان، من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. كررها له ثلاثة. فقال الطالب: ما فهمت يا شيخ. فقال الشيخ: ما فهمت؟ قال: لا. فأخذ بطرفي هذا البشت، قال: هذا ليس وقته الآن أن تلبس البشت، فاحرص على صفات طالب العلم التي تدل على حرصه على طلب العلم. قال: ما معناه: من فعل ما ظاهره الترأس والتصدر قبل وقته حرم التفوق والنبوغ في العلم، أو كما قال رحمه الله تعالى. فالخلاص أيها الأحبة: ينبغي لطالب العلم أن يخلص في عمله عمومًا لله عز وجل، وفي طلبه للعلم خصوصًا، ليجد التوفيق في طريق طلب العلم. فعدم الإخلاص وعدم الصدق سبب في حرمان العلم أو ضعف ثمرته، وهذا من علامات طلب العلم للدنيا لا للآخرة. وهكذا من هذه العلامات والعلامات كثيرة وهي تدخل في معنى المعوقات في طلب العلم: حب الترأس والتصدر، فإن التصدر وحب الترأس والتصدر من أعظم علامات طلب العلم للدنيا. ولذلك ينبغي لطالب العلم أن يجاهد نفسه في هذه الصفة الذميمة، فيكسر نفسه ويقتدي بالسلف الصالح في هذا الباب. وانظروا ما ذكر لأئمة في كتب الأدب وطلب العلم، كما ذكره ابن جماعة وغيره ممن صنف في هذا الباب، كيف كانوا يتواضعون ويفرون من التصدر والترأس، وهم أهل لذلك، بل وهم إما يرجع إليهم في الفتوى، يرمي كل واحد منهم الفتوى لغيره، ويقول: عسى أن أكفى بغيري. وكان شيخنا مقبل رحمه الله كثيرًا ما يقول: وددنا أن نكفى بغيرنا، ولكننا ابتلينا، فنتكلم من باب إسقاط الأمانة والمسؤولية، أو كما كان يقول رحمه الله. فما كانوا يحبون التصدر، ولا كانوا يحبون كذلك الظهور على العكس، يكون الواحد في طلب العلم سنين طويلة لا يعرف، فيأبى الله سبحانه وتعالى إلا أن يرفعه ويظهره. فهذه علامات طالب العلم لله الذي يطلب العلم لله سبحانه وتعالى: يحرس على عدم الظهور، ولا كذلك الترفع على إخوانه، ولكن مع ذلك يرفعه الله. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. وهكذا كذلك من علامات طلب العلم للدنيا: الغرور والعجب والكبر، والذي منه حب الشهرة، ولذي منه حب التعاظم الذي يظهر في الأقوال وفي الأفعال، كما تقدمت بعض أمثلته. وهذا له أثر عظيم في حرمان طالب العلم من طلب العلم، ومن ضعف ثمرة العلم، إن استمر فينبغي أن يجتهد على التواضع وعلى الصدق والإخلاص وعلى عدم الاغترار بما عنده من العلم. دائمًا يقول بلسان الحال والمقال: نحن لسنا بشيء، طلبت علمًا، حتى ولو رفعه الله، يقول: ولا يزال أنا طالب علم، أفتقر إلى الله أن يوفقني لطالب العلم. شيخنا المقبل رحمه الله إلى قبل أن يموت، ويقول: حسبنا أن نكون طلبة علم، نحن طلبة علم، بل سمعتها والله من شيخنا الشيخ بن باز رحمه الله، وهو المفتي العام، ليس فقط في المملكة العربية السعودية، بل في الدنيا كلها، ومع ذلك نسمعه يقول كثيرًا: نحن طلبة علم، ونتدارس، ونحو ذلك من العبارات التي تدل على التواضع. وهكذا كذلك من علامات طلب العلم للدنيا: عدم المتابعة في طريق طلب العلم، يحرص طالب العلم على الاتباع والمتابعة، ومن ذلك العمل بالعلم؛ لأن العمل بالعلم من علامات الإخلاص والصدق مع الله في هذا العلم. وكلما عمل طالب العلم بعلمه زاده ذلك تهذيبًا ونضجًا، فأثمر ثمرة مباركة على حامل هذا العلم في عاجل أمره وأجله. ولا يزال يؤدب نفسه بصياط العلم والعمل به، ما يكون سببًا في كسر شهوته في العلم؛ فللعلم شهوة، فيكسر هذه الشهوة بحسن المتابعة في أقواله وفي أفعاله، وفي شدة متابعته وحرصه على العمل بالعلم. ومن ذلك أن لا يغتر بمظاهر حب الدنيا، فإذا أثني عليه لا يرضى بهذا الثناء حتى لا يدخل المرض إلى قلبه. وإذا رفع فوق منزلته تواضع ولم يرض لنفسه أن يرفع فوق منزلته، بل من التواضع أن لا يرضى لنفسه حتى بنفس منزلته، يحرص على أن يكون دون ذلك ليكسر نفسه ويهذبها ويربيها. ولكن ليس معنى ذلك أن يحرم غيره مما معه من العلم، وهنا يأتي اللبس وتختلط المسائل على بعض طلبة العلم. فحب الظهور يقصم الظهور في نفسه، وفي نفس الوقت ليس من الصواب الهروب من مسئولية العلم وأمانة تبليغه. المجد معه يحتاج طلبة العلم، فقد يضطر طالب العلم أحيانًا أن يتصدر، ليس بمعنى التصدر المذموم الذي فيه التعاظم والعجب والخيلاء، ولكن معناه القيام بالمسئولية عند حاجة الناس، مثل الإمامة والخطابة والتدريس والدعوة إلى الله ونحو ذلك، ما دام عنده أهلية بحسب ما أعطاه الله. والقاعدة في هذا: ﴿بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً﴾، علمت آية بلغ هذه الآية التي علمتها، لا تتعدى ما تعلم، ولا تتصدر في شيء لست أهل له، بل ما لم تكن فيه على يقين قف، وأحِل لمن هو أعلم منك. ورب نفسك على قول الله: ﴿أَعْلَمُ﴾، إذا سئلت لا أدري، فإن هذا من التواضع ومن العمل بالعلم. وبهذا روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: «العلم ثلاثة: آية ناطقة، أو سنة ماضية، أو لا أدري». وكذلك روي عن ابن مسعود رضي الله عنه. ومن معاني طلب العلم للدنيا: حب الدنيا، أي الطمع بزخرفها، العلم لا يطلب به الدنيا، تطلب به الرئاسة، الوظيفة، المال، غير ذلك من أغراض الدنيا الزائلة أبدًا، اطلبه لله، اجعله خالصًا لله، واصدق مع الله فيه. ولا مانع إذا أتاك شيء من الدنيا بدون استشراف وطلب وسعي أن تقبله، مثل الجهاد في سبيل الله مع الغنيمة، لا نترك الجهاد في سبيل الله الذي به عزة الإسلام وأهله، وبه تكون كلمة الله العليا، من أجل الخوف من عدم الصدق فيه بسبب الغنيمة. لا يقول قائل: أنا أخاف أن يكون قصدي الغنيمة، وهذا موجود في قلبي، فلذلك أترك الجهاد في سبيل الله، هذا خطأ. بل جاهد في سبيل الله إذا كان الجهاد شرعيًا بضوابطه، وأنت مأجور الأجر العظيم في هذا، بدل نفسك ومالك لله، وجاهد نفسك في صفاء نيتك في أمر الغنيمة. وهكذا كذلك ما يأتي لطالب العلم من غنائم الدنيا، طلب العلم للأسف فيه امتحان وابتلاء، إذا وفق طالب العلم بسير مبارك وموفق، فبعد سنين يأتي الامتحان والابتلاء بالشهرة وبثناء الناس وبغيره من الأمور الأخرى التي هي سبب لفتنة بعض الناس، إذا لم يجاهد نفسه في صلاح نيته. وقد يأتيه كذلك من الدنيا مناصب وضائف رواتب وأموال، فيجتهد أن يصلح نيته ويعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى في ذلك كله. والأمر في هذا وسط لا إفراط ولا تفريط. ومن علامات طلب العلم للدنيا، وهو من معاني حب الترأس والتصدر: استشراف التفرق، وحب الترأس يستشرف التفرق، ولا يبالي بالفرقة؛ لأنه يريد أن يرتفع على الخلق، فهو دائمًا في خصومات مع إخوانه، وهذه علامة عظيمة من علامات حب الدنيا وعدم الصدق والإخلاص في طلب العلم. فلا ينبغي التساهل في هذا الباب، بل يحرص طلب العلم على الاجتماع وعلى أن تكون كلمته كلمة إخوانه، بل يرضى أن يكون في آخر الصف، كما في حديث أبي هريرة: «وإن كان في الساقة». أهم شيء نصل إلى ما فيه مرضاة الله ونصرة هذا الحق. فهكذا ينبغي لطالب العلم أن يحرص على الاجتماع ويحذر التفرق والاستشراف للتفرق. ومن هذا المعنى: الجدال المذموم، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما ضل قوم بعد أن كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». فالجدال من أسباب حرمان العلم، ومن علامات طلب العلم للدنيا؛ لأن المجادل يريد أن يترفع على غيره ويترأس ويتصدر. ولهذا: «دم العلماء»، جاءت الأدلة الشرعية التي تذم هذا المعنى. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» والعياذ بالله. فيحرم رائحة الجنة، والمعنى أنه لا يدخلها دخولًا أوليًا، وهذا أحد تفاسير هذا الحديث. وما كان بمعنى: بل يعذب بدخول النار لعدم صدقه وإخلاصه لله عز وجل في هذا العمل. مع ما يحرم به من ثمرة وبركة هذا العلم في الدنيا، من بركة وثمرة هذا العلم في الدنيا. فينبغي للمسلم عمومًا وطالب العلم خصوصًا أن يجتهد في إصلاح نيته، يجتهد في إصلاح نيته. هذه بعض العلامات التي تدل على أن طالب العلم يطلب العلم للدنيا، وهي من المعوقات التي تدخل في معنى طلب العلم للدنيا، والمعوقات كما قلنا كثيرة، وأكثرها يدخل في هذا المعنى طلب العلم للدنيا. وقد تكون هناك معوقات أخرى تدخل في معنى آخر، ألا وهو قوة طالب العلم في علميته. ولهذا جمع هذان الأمران في قول الله عز وجل: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾، خذ الكتاب صدق وإخلاص ومتابعة، ومنافى لكل ما ينافي الصدق والإخلاص والمتابعة من حب الدنيا وغيرها. وبقوة: الجد والاجتهاد والمثابرة الذي به النبوغ والبركة والخير لطالب العلم في عاجل أمره وآجله. وأكثر العوائق تدخل تحت هذين المعنيين: إما المعنى الأول، وإما المعنى الثاني. فمثلًا: عدم الجد والاجتهاد والمثابرة، وعدم الحرص على الوقت، وعدم كذلك تنظيم والتدرج، كلها أسباب تحرم طالب العلم ثمرة علمه والبركة فيه. فإن بغى أن يجتهد على هذا وهذا، يحرص على الصدق والإخلاص والمتابعة، وكل ما ينافيه من حب الدنيا وطلب العلم للدنيا. وكذلك يحرص على قوة العلمية والعملية، والجد والاجتهاد والمثابرة، وحسن استغلال الوقت، وترتيب والتدرج في طلب العلم، بما يكون بإذن الله الخير له في عاجل أمره وآجله. ولذلك: طالب العلم لجد واجتهد وثابر، حصلت له الثمرة. ومن ذلك: لا يضيع وقته، يحرص على استغلال وقته، كما كان الأئمة والسلف يحرصون على أوقاتهم، حتى أنهم يبخلون على أنفسهم فضلًا عن غيرهم بالوقت. كما ذكر ابن عقيل: أنه يسف الطعام سفًا لأجل أن لا يضيع عليه من الوقت ما يذهب في أمر التوسع في الطعام. وهكذا بعضهم يحرص حتى في دخوله في التخلي أن يقرأ عليه ما يناسب المقام، لا يفوته من العلم في ذاك الوقت. وغير ذلك من حرصهم على طلب العلم: قراءة ومذاكرة وعرض وسماع وجد واجتهاد، بما يكون به ثمرة هذا الجد والاجتهاد على طالب العلم في عاجل أمره وآجله. ولهذا كان بعض مشايخنا يقول: ومنهم شيخنا الشيخ المذيان رحمه الله رحمة واسعة، يقول: «طالب العلم الذي لا يمضي أكثر يومه في طلب العلم ليس بطالب العلم». كان أحيانًا يقول: «الذي لا يمضي ثلثي يومه في طلب العلم ليس بطالب العلم»، وحيانًا يقول: «الذي لا يمضي ستة عشر ساعة في طلب العلم ليس بطالب العلم». يريد بذلك ماذا؟ أن أكثر وقته في طلب العلم، الثلث الباقي هذا ثمان ساعات، اليوم عبارة عن أربع وعشرين ساعة، ستة عشر ساعة في طلب العلم، وثمان ساعات في الراحة والنوم والأكل ونحوه. فمعنى كلامه رحمه الله: أنه لا يستطيع أن يكون متفوقًا في طلب العلم إذا لم يبذل أكثر يومه في طلب العلم. فالعلم إذا أعطيته كله أعطاك بعضه، فكيف إذا لم تعطه إلا بعضك؟ فكيف يعطيك كله؟ أو كيف تستطيع أن تجد بركة وثمرة العلم؟ المسألة الثانية التي أشار إليها رحمه الله تعالى، ونختصر ونمر على ذلك على ما يناسب المقام مرورًا سريعًا: أنه ذكر رحمه الله تعالى ههنا فتنة طلب العلم، إذا لم يحقق هذا الصدق والإخلاص، وكان طلبه للدنيا، لماذا؟ لأن للعلم شهوة، فمن شهوته أنه قد يفتن صاحبه بإظهار مسائل العلم التي وفق لها، وإظهار الصواب الذي يظنه صوابًا على قول غيره مما هو خطأ، وغير ذلك من خفايا وخبايا قد تكون مكدرة على طالب العلم صفاء طلبه للعلم، وأن يكون خالصًا لله، فضلًا عن الأمور الظاهرة التي هي أمراض يجب أن يحذرها ويهذب طالب العلم نفسه ويحمي نفسه منها، كالعجب والغرور بحب الترأس والتصدر، وغير ذلك من الأمراض الكثيرة التي سبقت الإشارة إلى بعضها. فإذن هي فتنة ينبغي لطالب العلم أن يحذرها، وأن يسلك المسلك الصحيح دون إفراط ولا تفريط، كما تقدم، بما يكون به الخير في عاجل أمره وآجله. المسألة الثالثة من المسائل التي أشار إليها في هذه الفقرات: أن علامات الصدق وعدمه، والإخلاص وعدمه، وحسن النية وعدمه، وطلبه للدنيا العلم للدنيا أو للآخرة، تظهر في أخلاق طالب العلم. تظهر في أخلاق طالب العلم، إذن ينبغي أن يحرص طالب العلم على تهذيب أخلاقه، وأن لا يظهر من أقواله وأفعاله وأخلاقه ما ينافي هذا الصدق وهذه النية الصالحة، وهذا الإخلاص وهذا الطلب للآخرة ولله ليس للدنيا. كما قال: ﴿وَمَا مِنْهُمَا أَحَدٌ﴾ يعني من القسم الأول اللي هم أهل الصدق، أو القسم الثاني الذين هم أهل الكذب ﴿إِلَّا أَخْلَاقُهُ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ طَلَبِهِ لِلَّهِ أَوْ فَسَادِ طَلَبِهِ﴾ يعني طلبه للعلم هو لله، أو طلبه للعلم لغير الله سبحانه وتعالى. فمن ظهر عليه أثر التواضع والهدوء والسكينة، فهذه علامة أن طلبه للعلم لله. ومن ظهر منه الترأس والتصدر وإظهار النفس، كأنه يقول: ها أنا ها هنا بلسان الحال والمقال، هذا من علامات طلب العلم لغير الله، بل للدنيا. ومنها: استشراف التفرق، كثرة الجدال والخصومة في الدين، الفوضى العلمية، وغمط الآخرين، كثرة المشاكل والفتن من صاحبها، صاحب من يحمل هذا العلم، كلها علامات وغيرها مما هو بمعناها على فساد نيته وطلبه للعلم أنه ليس لله. وأخيرًا من المسائل التي أشار إليها رحمه الله تعالى: حرص طالب العلم حتى يعان على أن يطلب العلم لله، وأن تحسن نيته ويكمل صدقه ومتابعته، وتهذب أخلاقه، أن يحرص على الرفقة الصالحة الطيبة التي تعينه على طلب العلم. ومن ذلك: أن يوفق لمشايخ سنة يكونون سببًا في حصول الخير له في عاجل أمره وآجله. فطالب العلم إذا وفق إلى صاحب سنة من أول أمره، وعالم سنة يعينه على طريق السنة وطريق الصدق والإخلاص، فقد وفق لخير عظيم. ومن حرم ذلك فقد حرم خيرًا كثيرًا. كم من أناس يحرمون طريق العلم بسبب عدم التوفيق لصاحب سنة، سواء شيخ أو طالب علم مرافق. والموفق من وفقه الله، والمحروم من حرمه الله. فينبغي أن تحرص على مجالسة من يعينك على الصدق، وعلى أن تكون أعمالك كلها لله، ومن ذلك طلب العلم. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» يعني من يصاحب، من يصاحب. فالمسألة عظيمة، فتحرص على صاحب سنة تجالسه، وطالب علم يعينك في طريق العلم، عنده من الصدق الإخلاص، ومجاهدة النفس على التواضع، ما يعينك على أن يحسن طلبك للعلم، وأن تحسن كذلك أخلاقك، و كذلك سيرك في طريق العلم. وهكذا تحرص في المزاملة على مزاملة المجتهدين في طلب العلم، فإنك إذا جالست المجتهد أعانك ذلك على الاجتهاد، إذا جالست الكسول صاحب القيل والقال، دعاك ذلك أن تكون مثله. ولذلك ختم رحمه الله بهذا المعنى: أنه لا ينبغي أن يجالس إلا من يعود عليه نفعه ممن يكتسب منه فهمًا وعلما وأدبًا. وكذلك ما أشار إليه من الصدق والإخلاص وغيرها من المعاني الطيبة التي تعود ثمرتها بخير كثير على صاحبها في الدنيا وفي الآخرة. وأحوج ما يحتاج طالب العلم مثل هذا؛ فإنه يعان بمثل هذه الصحبة، ويحرم بضدها. إذا صاحب الأشرار صار مثلهم، وإذا صاحب أهل المرض صار مثلهم، وإذا صاحب أهل الكسل صار مثلهم. «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». ولهذا جاء في نصوص كثيرة من الكتاب والسنة الحرص على مصاحبة أهل الخير، والحذر من مصاحبة أهل السوء والشر. قال الله سبحانه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. وغير ذلك كثير من أدلة الكتاب والسنة التي تدل على هذا المعنى. فأنت يا طالب العلم احرص على رفقة تعينك على أن يكون طلبك العلم لله، وعلى أن تأخذه بقوة، وعلى أن تأخذه بقوة. ومن ذلك: أن توفق لطالب علم مجتهد تزامله، وصادق، وكذلك شيخ يعينك على هذا الصدق، قبل ذلك وهذا الجد والاجتهاد. نكتفي بهذا القدر هذه الليلة، وإلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. بسم الله الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم. سؤال ورد: الإخوة في الفيوش أطلبون نصيحة في تعاون الإخوة في طلب العلم، وفي إدارة المركز. فأقول وبالله التوفيق، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا والحاضرين والسامعين جميعًا لما فيه خير الدنيا والآخرة. أقول: وقد تقدم في الدرس مباحث ومسائل فيها إن شاء الله الكفاية والنصيحة. ينبغي علينا معاشر طلبة العلم أن نحرص على ما فيه الخير لديننا ولدنيانا، وأن نصدق مع الله عز وجل في طريق العلم، وأن نخلص فيه. ومن ذلك: كما تقدم أن نحرص على الاجتماع والتعاون والتشاور مما فيه الخير لمصلحة الجميع. والحذر من معاني التصدر والترأس وحب الظهور الذي هو سبب لحصول الفتن والتفرق والشر في العاجل والآجل. والحمد لله الإخوة الأفاضل في الفيوش القائمين على المركز وفقوا لخير كثير في التعاون لإدارة المركز، خصوصًا الإخوة الكبار الشيخ ياسين، جزاه الله خيرًا، وبلغني أنه قد سافر، نسأل الله عز وجل أن يوفقه في حله وترحاله، وجميع الإخوة، ويفقنا وإياكم لما فيه خير الدنيا والآخرة. وهكذا سائر الإخوة الأفاضل الذين يقومون بمسؤوليات عديدة في هذا المركز الطيب المبارك، سواء علمية أو مسؤوليات إدارية أو غيرها من المسؤوليات الأخرى. فالجميع كل على ثغرة، الكل كل واحد يقوم بما فيه الخير، فلا يستصغر ما يقوم به، ويستعين بالله عز وجل، ويتعاون مع إخوانه بما يكون فيه الخير للجميع. ولا شك أن هناك عوائق تعرض، فإن بغى إذا عرض شيء أن نتشاور وأن نتعاون ونجتمع، ونحذر من أسباب الشر التي قد ترد علينا. واعتصم بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا. قال سبحانه: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي قوتكم. وكذلك الإخوة في المركز عليهم أن يستفيدوا من إخوانهم الكبار القائمين، سواء بالمسؤوليات العلمية أو المسؤوليات العملية الإدارية. فعندكم إخوانكم كذلك: الشيخ محمد الخدشي، الشيخ عبد الله بن سالم، الشيخ أنيس، والشيخ يسلم، والشيخ بشار، والشيخ كذلك أبو حاتم طالعي علي بن غالب، والشيخ أحمد عربص، والشيخ الخضر، والشيخ عبد الحكيم الناخبي، وغيرهم كثير ممن هو قائم بجهد مبارك، سواء في الجوانب العلمية والإدارية أو غيرها. ولا يحضرني كل الأسماء، ولكن سواء من سميت وغيرهم، إن بغى على الجميع أن يتعاون، وأن تكون يد الجميع واحدة. وبعد سفر أخينا الشيخ ياسين جزاه الله خيرًا، وفق الله كذلك يحتاج الإخوة إلى أن يوجد أحد يتعاونون معه ويوكلونه هو الأمر، تكليف أكثر من أن يكون تشريفًا، تكليفًا أكثر من أن يكون تشريفًا. فبعد مشاورة الإخوة، فرأينا أن أخونا الشيخ يسلم أعلم الإخوة وأخبرهم، والله أعلم، ومعه أخونا الشيخ أنيس اليافعي، يتعاونان. وهكذا سائر الإخوة الآخرين بما فيه الخير للمركز. نحن جميعًا نتعاون، أنا من جهتي، وشيخ إسلام، وشيخ أنيس، ومن معهم من الإخوة المشايخ والمسؤولون في المركز، نكون يدًا واحدة بما فيه الخير في هذا المركز، وما فيه كذلك الخير لطلبة العلم، سواء في المركز أو في اليمن عمومًا، بل وخارج اليمن. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم مفاتيح خير، مغالق شر، وأن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير في ديننا ودنيانا. والحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرًا.