الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 51، الدرس الحادي والخمسون:من:( وغالب ما يروى عنهم من ذلك ليس بذي فائدة في الدين ... ولم يذكر منها شيئاً يجعله تفسيراً للقران كمحمد رشيد رضا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش التحذير النبوي من سؤال أهل الكتاب وبيان عدم فائدة غالب ما يروى عنهم في الدين، مع التحذير من الخوض في الإسرائيليات.
يتناول اختلاف مواقف العلماء من الإسرائيليات وتفاوت منهجهم في التعامل معها، مع بيان حذر السلف الصالح منها.
يشرح آراء العلماء في الأخبار الإسرائيلية في التفاسير وضوابط ذكر الأحاديث الضعيفة، مع التشديد على الحذر من الضعيف والموضوع.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن صالح تيمين، رحمه الله تعالى: وغالب ما يروى عنهم من ذلك ليس بذي فائدة في الدين، كتعين لون كلب أصحاب الكهف ونحوه. وأما سؤال أهل الكتاب عن شيء من أمور الدين فإنه حرام، لما رواه الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، فإنكم إما أن تصدقوا بباطل أو تكذبوا بحق، وإنه لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني». وروى البخاري عن عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، أنه قال: «يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم ﷺ أحدث الأخبار بالله» -يعني أقرب وأصدق- «فتلك أخبار قديمة، وقدمها يستوجب عدم التوثقة، خصوصا مع ما أخبر الله من تحريف أهل الكتاب لما أنزل عليهم». وهذا ليس يعني أن كل قديم ليس بموثوق به، لا، ولكن هذا من باب الترجيح فقط، الآن ابن عباس يرجح: «أحدث الأخبار بالله محضا لم يشب» -يعني ليس فيه شوائب كشوائب أهل الكتاب- قال: «وقد حدثك أن الله أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتاب الله وغيروا، فكتبوا بأيديهم، قالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا بذلك ثمنا قليلا». «أو لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم» -يعني أولا يكون هذا رادعا وسببا لنهيكم- «أولا ينهاكم ما جاءكم من العلم» -يعني القرآن والسنة- «عن مسألتهم» -يعني مسألة أهل الكتاب- «فلا والله ما رأينا رجلا منهم يسألكم عن الذي أنزل إليكم» -يعني هم زاهدون في الحق الذي معكم- «فكيف أنتم تطمعون في الباطل المخلوط بحق، ولا تميزون الحق من الباطل وهو معهم؟!». وهذا كلام غاية في الإتقان والإحكام من هذا الحبر، رضي الله عنه وأرضاه. أورد شيخنا، رحمه الله، هذا الكلام تتمة لما سبق في الكلام على الإسرائيليات، قد تقدم أن علمنا شيئا من أحكام هذه الإسرائيليات، فقال رحمه الله: «وغالب ما يروى عنهم من ذلك ليس بذي فائدة في الدين، كتعين لون كلب أصحاب الكهف، ونحوه» -يعني الكثير مما يروى عن أهل الكتاب، خصوصا في كتب التفسير، مما لا حاجة لنا به-. لماذا؟ لأن بعض المفسرين يذهب يبحث عما لم يذكر في الكتاب والسنة، ويعرف أن له أصل عند أهل الكتاب، فينظر ماذا قيل فيه عند أهل الكتاب، وهذا الذي فعل هو منافي لما سبق. كما علمنا في التفصيل فيما يروى من الأخبار الإسرائيلية أن منها ما لم يقره الشرع، فمثل هذا لا نصدقهم ولا نكذبهم، فهو لا يخالف الشرع، قد يكون لا يخالف الشرع، ولا كذلك يقره الشرع، فمثل هذا لا نصدقهم ولا نكذبهم، ففي تركه السلامة. فإذا حكي لنا لا نصدقهم ولا نكذبهم، لكن لا نبحث عنهم، فرق بين المسألتين، فرق بين أن يأتيك الخبر فيقال لك: مثلا لون كلب أصحاب الكهف أسود، فتأتي فتقول: لا، ليس بأسود، أو يقال لك: أسود، فتقول: نعم، أسود، من أين لك أن تصدقهم أو تكذبهم؟ الجواب: ما عندك دليل. فإذا أسكت -كما أخبر النبي ﷺ فيما تقدم من حديث أبي هريرة- «لا تصدقوهم ولا تكذبوهم»، لأنه ليس عندنا علم أن هذا الذي يتكلمون به هو حق أو باطل، فلا نصدقهم ولا نكذبهم، وهذا الذي لم يخبرنا ربنا جل وعلا به لم يخبرنا لأنه ليس فيه كبير فائدة. فإذا كان كذلك فلا حاجة للبحث عنه في أخبار أهل الكتاب أو أخذ ما يحكى ووضعه في كتب التفسير، هذا مراد العلماء في التنبيه على هذا المعنى. وقد مر معنى قريبا كلام ابن كثير، رحمه الله، في تفسيره فيما هو بهذا المعنى، فلون كلب أهل أصحاب الكهف ليس فيه كبير فائدة، كونه أسود أو أحمر أو أبيض أو غير ذلك لن يقدم ولن يؤخر. ومثله كذلك نوع الطعام الذي كان مع من أماته الله ثم بعثه، وهكذا كذلك الشجرة التي أكل منها آدم، هذا سكت عنه القرآن وسكت عنه النبي ﷺ، فلا حاجة لنا في البحث عن تفاصيل ذلك. فإذا جاءنا شيء من أهل الكتاب لا نصدقهم ولا نكذبهم، وأما أننا نذهب ونبحث فهذا هو الذي لأجله ورد أو أورد شيخنا، رحمه الله، أثر ابن عباس. ثم قال: «وأما سؤال أهل الكتاب عن شيء من أمور الدين فإنه حرام؛ لأن أمور الدين ما تأخذ إلا من القرآن والسنة، التحليل والتحريم لله سبحانه وتعالى، وهو قد أكمل اليوم: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، فالدين هو ما جاء في الكتاب والسنة لا غير، لا حاجة لنا أن ننظر إلى غير الكتاب والسنة، فاللجوء إلى أهل الكتاب في ذلك هذا منافي للقناعة بالإسلام والرضى به». فإن الرضى بالإسلام مقتضاه التسليم لتحليله وتحريمه والاكتفاء بذلك، والله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ لَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾، ويقول: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾. والله عز وجل يقول لنبيه -والخطاب له ولأمته من بعده- ونبينا منزه عن ذلك، لكن كما مر معنا وتقدم في دروس سابقة: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، والجواب: لا شك عند النبي ﷺ، لكن هذا لإلزام كل من يقع في قلبه شك أن ما بعث به النبي ﷺ حق ويقين. فالشاهد من هذا أنه لا يجوز سؤال أهل الكتاب في شيء من التحليل والتحريم. ثم أورد شيخنا، رحمه الله، حديث جابر بن عبد الله، والحديث كما أشار المعلق: أنه ضعيف، رواه أحمد، وهو ضعيف في إسناده مجالد بن السعيد، وهو ضعيف، ضعف أحمد ويحيى، ونقل ذلك الهيثمي كذلك في «المجمع»، رواه النسائي كذلك، والبزار، أو رواه البزار وأبو يعلى، وهو ضعيف، ومعناه صحيح -يعني في الدلالة على عدم جواز سؤال أهل الكتاب في ذلك- وتقدم معناه في قصة عمر. ثم أورد حديث عبد الله بن عباس الذي ذكره البخاري في صحيحه في مواضع، وفي باب: «لا يسأل أهل الشرك عن الشهادة» وغيرها، وهو أثر عظيم عن عبد الله بن عباس، وفيه دلالة على أن عبد الله بن عباس لم يكثر من الرواية للأخبار الإسرائيلية، ومن زعم أن ابن عباس أكثر من الإسرائيليات فهو كذب، ومنافي لما أثر عنه في هذا الباب، وهذا الأثر وحده لو كان المنقول عنه لكان كافيا في تكذيب ما ينسب إليه. وأكثر ما ينسب لابن عباس هي أسانيد مركبة، مثل تفسير «المقباس» في تفسير ابن عباس، تفسير عظيم فيه نسبة أشياء كثيرة لابن عباس، وأكثرها من الإسرائيليات، وهو كذب على ابن عباس؛ لأنه يروى بإسناد ضعيف عند أهل المعرفة بالحديث، فأكثره من رواية الكلبي، وهو أحد أركان الكذب. فإذا علمت ذلك علمت أن السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم كانوا على حذر من الأخبار الإسرائيلية، وكلما بعد العهد كثر التساهل، فالصحابة لم يكونوا يروون شيئا من الأخبار الإسرائيلية إلا ما قل مع الحذر. ثم جاء بعدهم التابعون فتساهلوا فرووا شيئا من الأخبار الإسرائيلية، كما مر معنا فيما يروى عن همام، وهكذا كذلك كعب الأحبار وابن جريج ونحوهم. ومعنى الأثر ظاهر كما مر معنا، قال رحمه الله تعالى: موقف العلماء من الإسرائيليات اختلفت مواقف العلماء -ولاسيما المفسرون- من هذه الإسرائيليات على ثلاثة أنحاء. قال: فمنهم من أكثر منها مقرونة بأسانيدها، ورأى أنه بذكر أسانيدها خرج من عهدتها، مثل ابن جرير الطبري، وتفسيره مليء بالأخبار الإسرائيلية، وأكثرها مسند إما أسانيد ضعيفة أو أسانيد صحيحة تنتهي إلى إنسان من التابعين أو أتباع التابعين أو الصحابة، ولكنها في النهاية أخبار إسرائيلية. وهذا كما سبق يفصل فيه كخبر من الأخبار الإسرائيلية عن أهل الكتاب على ما سبق تفصيله مما يقبل أو يرد، ثم بعد ذلك إذا ثبت أن في الإسناد شيئا من الضعف فهو يضعفه، ولو كان من النوع الذي يقبل ويأخذ. قال: ومنهم من أكثر منها وجردها، ولكن هنا يأتي سؤال: هل صحيح أن هذا يكفي؟ الجواب: لا، الصحيح أنه لا يكفي، خصوصا في مثل هذا الزمان، لا يكفي ذكرها بأسانيدها، بل ولا حتى بذكر صحيحها من ضعيفها -يعني لا يكفي أن تذكر في تفسير القرآن الأخبار الإسرائيلية ثم تقول: هذا ضعيف وهذا ضعيف- حتى لو قلت: هذا ضعيف، لا يكفي؛ لماذا؟ لأن الناس لا يميزون الضعيف من الصحيح غالبا، وثانيا كذلك قد تميل النفوس الضعيفة إلى الضعيف بكلام رواية ونقلة في الاعتبار بالضعيف في فضائل الأعمال ونحوها، فينبغي الحذر. قال: ومنهم من أكثر منها وجردها من الأسانيد غالبا، فكان حاطب ليل، مثل البغوي الذي قال شيخ الإسلام: «نوتيمية» عن تفسيره، إنه مختصر من الثعلبي -يعني أن تفسير البغوي هو عبارة عن اختصار لتفسير الثعلبي- والبغوي إمام من أئمة السنة، وهو الحسين بن مسعود الفراء، الذي كان يلقب بمحيي السنة، صاحب «شرح السنة» و«المشكاة» وغيرها من الكتب الأخرى، ولكن كان عنده شيء في التساهل في النقل، وربما هذا الذي أضر بكتبه، فتفسيره فيه نقل لشيء من الأخبار الإسرائيلية التي نقلها عن الثعلبي، وهو أحمد بن محمد النيسابوري. قال: لكنه صانه عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة، وقال عن الثعلبي: إنه حاطب ليل ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف موضوع. والحاصل أنه ينبغي أن يحذر من مثل هذه التفاسير التي فيها الكثير من الأخبار الإسرائيلية، وتفسير البغوي يستفاد منه، لكن مع الحذر من هذه الأخبار الإسرائيلية. وهكذا كذلك بعض المواضع التي نبه عليها العلماء فيما يتعلق في باب العقيدة. قال: ومنهم من ذكر كثيرا منها وتعقب البعض مما ذكره بالتضعيف أو الإنكار، مثل ابن كثير، تفسير ابن كثير ذكر شيئا من الأخبار الإسرائيلية، وكثيرا ما ينبه على ضعفها، ويفوته التنبيه على البعض الآخر، وهذا كما قلنا فيما سبق ليس هو الأكمل، قصوصا في مثل هذا الزمان؛ فإنه ربما يغرر بمثل ذلك على الكثير من العامة وأشباههم، فالأسلم هو تجريد تلك التفاسير من الأخبار الإسرائيلية، قصوصا ما كان منها على وجه لا يجوز شرعا الأخذ به، وما كان في شرعنا إقراره فذكر من باب التقرير وبيان التصديق فلا بأس، وعليه يحمل حديثه عن بني إسرائيل: «لا حرج»، لكن بما يصح إسناده إليهم. قال: ومنهم من بالغ في ردها ولم يذكر منها شيئا يجعله تفسيرا للقرآن، كمحمد رشيد رضا، وإنكاره مطلقا منافي لقول النبي ﷺ: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»، فالمقصود هناك معنى ممدوح في التحديث عن بني إسرائيل، ما هو؟ هذا المعنى الممدوح هو ذاك المعنى الذي سبقت الإشارة إليه، معنى دل عليه الشرع وجاء تصديقه بأخبار بني إسرائيل الصحيحة إليهم، فهذا فيه محل عبرة وعظة. كون أن الله عز وجل عذب بعضهم، فنحن لا نجزم بأنه وقع في المكان الفلاني، لكن معناه بالجملة صحيح، أو كذلك فيما يتعلق بأشياء بعينها صدقها القرآن، وكان النبي ﷺ يحب مثل ذلك -يعني أن يخبر بشيء من أخبار أهل الكتاب فيها تصديق لما جاء في القرآن أو ما أوحي به إليه ﷺ- وهذا كثير مما ورد في الأحاديث عنه ﷺ، وعلم هذا يحمل و«حدث عن بني إسرائيل ولا حرج». وزاد شيخنا في شرحه لنا: قال: ومنهم من يذكر الشيء اليسير، كالشيخ السعدي، كشيخنا السعدي، رحمه الله تعالى -يريد الشيخ عبد الرحمن أبي النصر السعدي، رحمه الله- فالشيخ عبد الرحمن أبي النصر السعدي في الغالب لا يذكر إلا ما تدعو الحاجة إلى ذكره، مع التنبه لهذه المباحثة التي سبقت الإشارة إليها. قال الشيخ: العلماء لهم ثلاثة أنحاء، هذا يقول: هل هذا سبق قلم أو يحمل على شيء آخر؟ الظاهر أنه يحمل على شيء آخر، يريد أن منهم من رده مطلقا، ومنهم من قبله مطلقا، ومنهم من فصل، فهذه ثلاثة. ومن ذكر من مذهب البغوي يدخل في قسم المقبول، ومن ذكر في قسم الرد هو رشيد رضا، ومن على طريقته، ومن فصل بالتضعيف ونحوه هو ابن كثير، ومن كان على طريقته، هذه ثلاثة مذاهب. لكن طريقة البغوي هي طريقة مثل طريقة الطبري إلا أنها مجردة الأسانيد، فإذا عندنا الثلاثة المذاهب أو الثلاثة الأنحاء: القبول مطلقا، والرد مطلقا، والتفصيل بأن يذكر شيئا من التضعيف لما يحتاج إلى تضعيف. والصواب ما سمعنا هو تجريد ذلك إلا ما لابد منه، حتى ذكر الضعيف والتحذير من الضعيف ليس في ذلك حاجة، لكن لو ذكر مفصلا لا بأس، إذا ذكر منفصلا -يعني مثلا في كتاب آخر- التحذير من الأخبار الموضوعة المروية في هذا الباب أو الأخبار الإسرائيلية، فنعم. أما، ذكر ما يذكر على الوجه المشروع هذا نعم، مع التنبه للصحة وموافقة الضوابط الصحيحة. إلى هنا والله تعالى أعلم.