شرح كتاب تقريب التدمرية للشيخ العثيمين 5

شرح كتاب تقريب التدمرية للشيخ العثيمين 5

الدرس في شرح كتاب تقريب التدمرية للشيخ العثيمين 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

القواعد العظيمة في خاتمة كتاب التقريب وتوضيح صفات الله تعالى

يتناول هذا الفصل خاتمة كتاب التقريب للشيخ محمد بن صالح العثيمين، حيث يشرح القواعد العظيمة المتعلقة بصفات الله تعالى، مثل كونه موصوفًا بالنفي والإثبات، وأن صفاته كاملة لا يعتريها نقص. كما يتناول أنواع صفات الله تعالى، الذاتية والفعلية.

تفصيل صفات الله تعالى الذاتية وكمالها

يتناول هذا الفصل صفات الله تعالى الذاتية مثل الحياة والعلم والقدرة، ويبين أنها كاملة ومستلزمة لكل صفات الكمال، وأنها تثبت لله على ما يليق بجلاله وكماله.

شرح الصفات المنفية عن الله تعالى وإثبات كمال ضدها

يشرح هذا الفصل الصفات التي نفاها الله تعالى عن نفسه مثل الموت والجهل والنسيان، ويبين أن نفي هذه الصفات يتضمن إثبات كمال ضدها، مثل نفي الموت لإثبات كمال الحياة.

نفي الصفات الإلهية ودلالته عند أهل التعطيل

يتناول هذا الفصل مفهوم نفي الصفات الإلهية عند بعض أهل التعطيل، حيث يفسرون النفي على أنه نفي محض لا يدل على إثبات ضد، ويستدل على ذلك بأمثلة من أقوالهم.

التفريغ النصي الكامل

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، أَمَّا بَعْدُ، فَتَمَامًا لِمَا سَبَقَ مِنْ قِرَاءَةِ وَتَعْلِيقٍ عَلَى كِتَابِ شَيْخِنَا مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى «تَقْرِيبِ التَّدْمُرِيَّةِ»، وَكَانَ قَدْ أَخَذْنَا مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا التَّقْرِيبِ مِنْ اخْتِصَارِ الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ وَمَا بَعْدَهَا، وَالْيَوْمَ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- شُرُوعٌ فِي الْخَاتِمَةِ. هَذِهِ الْخَاتِمَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى قَوَاعِدَ عَظِيمَةٍ مُفِيدَةٍ، الْقَاعِدَةُ الْأُولَى: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُوصُوفٌ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، أَيْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَمَعَ فِيمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ كَمَالُ الْمَوْصُوفِ إِلَّا بِنَفْيِ اللَّغْوِ وَالْعَجْزِ وَالظُّلْمِ وَمُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقِينَ. فَاللَّهُ تَعَالَى فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي أَثْبَتَهَا لِنَفْسِهِ لَا يُمَاثِلُ الْمَخْلُوقَ فِيمَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، فَصِفَاتُهُ كَامِلَةٌ لَا يَعْتَرِيهَا نَقْصٌ، بِخِلَافِ الْمَخْلُوقِ. وَكُلُّ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ فَهُوَ صِفَاتُ كَمَالٍ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ الَّتِي يَتَصِفُ بِهَا أَزَلًا وَأَبَدًا، أَمْ مِنْ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ الَّتِي يَتَصِفُ بِهَا أَزَلًا وَأَبَدًا. فَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ فَعَّالًا، وَهَذِهِ الْخَاتِمَةُ خَتَمَ بِهَا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَبَاحِثِ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ بِهَذَا الْكِتَابِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَنَا الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَبَاحِثِ وَمَا يَلْحَقُ بِهَا، ثُمَّ خَتَمَ بِهَذِهِ الْخَاتِمَةِ الَّتِي تَتَنَاوَلُ مَجْمُوعَةً مِنْ الْقَوَاعِدِ. وَمِنْ أَوَّلِ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ مَا ذَكَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَمَّى نَفْسَهُ وَوَصَفَهَا فِي كِتَابِهِ، وَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُنَّتِهِ. وَأَنَّ هَذَا الْمَوْصُوفَ بِالْإِثْبَاتِ -كَمَا تَقَدَّمَ مَعَنَا- فِيهِ شَيْءٌ مِنْ التَّفْصِيلِ، وَأَنَّ النَّفْيَ جَاءَ لِإِثْبَاتِ كَمَالِ الضِّدِ، مَعَ قِلَّتِهِ تَكُونُ إجْمَالًا، وَقَلِيلًا مَا يَأْتِي مُفَصَّلًا. وَسَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا بِمَا يَغْنِي عَنْ أَنْ يُعَادَ، وَالْقَاعِدَةُ فِي هَذَا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ تَمْثِيلُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ كُلِّ مَا يُنَافِي مَا لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَتَقَدَّمَ مَعَنَا أَيْضًا: أَنَّ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَا هُوَ ذَاتِيٌّ، وَمِنْهَا مَا هُوَ فِعْلِيٌّ. فَالذَّاتِيُّ: الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مُتَصِفًا بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهَذَا سَوَاءٌ كَانَ مُرَكَّبًا أَمْ لَمْ يَكُنْ، وَمَرَّ مَعَنَا أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةَ الَّتِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَصِفًا بِهَا كَثِيرَةٌ، كَالْعُلُوِّ، وَالسَّمْعِ، وَالْبَصَرِ، وَالْقُوَّةِ. وَمِنْهَا مَا يُسَمَّى بِالنِّسْبَةِ لَنَا أَعْضَاءً وَأَجْزَاءً، مِثْلُ: الْيَدِ، وَالْوَجْهِ، وَالْقَدَمِ، وَالْعَيْنِ، وَنَحْوِهَا مِمَّا وَصَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ نَفْسَهُ. وَكَذَلِكَ هُنَاكَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ الَّتِي يَتَصِفُ بِهَا مُتَى شَاءَ، كَالِاسْتِوَاءِ، وَالْكَلَامِ، وَنَحْوِهِ. وَبِهَذَا نَعْرِفُ أَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ الِاشْتِرَاكُ؛ فَبِاعْتِبَارِ أَصْلِ الصِّفَةِ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مُتَصِفًا بِهَا، كَالْكَلَامِ، وَبِاعْتِبَارِ فِعْلِهَا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ مُتَى شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ وَبِمَا شَاءَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَكَذَلِكَ مِمَّا مَرَّ مَعَنَا: أَنَّهُ إِذَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَصِفُ نَفْسَهُ بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، مِنْ غَيْرِ مُشَابَهَةٍ أَوْ مُمَاثَلَةٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَإِنْ وَقَعَتِ الْمُشَابَهَةُ فِي الْأَلْفَاظِ. وَتَقَدَّمَ مَعَنَا الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ، فَبِهِ نَعْرِفُ وَنَصِلُ إِلَى أَنَّ الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ -وَالصِّفَاتِ عَلَى وَجْهِ أَخَصٍّ- فَهِيَ بِاعْتِبَارِ جِنْسِ الْفِعْلِ مِنْ صِفَاتٍ ذَاتِيَّةٍ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَصِفًا بِهَا. وَبِاعْتِبَارِ النَّوْعِ وَالْأَحَدِ -وَهُوَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَكَيْفَ يَشَاءُ وَمِمَّا شَاءَ- مِثْلُ مَا تَقْضِيهِ مَشِيئَتُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَحِكْمَتُهُ. فَإِثْبَاتُ هَذِهِ الصِّفَاتِ تَثْبُتُ إجْمَالًا وَتَفْصِيلًا، وَإِطْلَاقًا وَتَقْيِيدًا، بِحَسَبِ مَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ. فَنَحْنُ نَدُورُ مَعَ النُّصُوصِ، وَهُنَاكَ مَا يَثْبُتُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ مُتَصِفٌ بِهَا لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَفْعَلُهَا مَتَى شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَصْلٌ، فَمِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي أَثْبَتَهَا لِنَفْسِهِ: الْحَيَاةُ، وَالْعِلْمُ، وَالْقُدْرَةُ، وَالسَّمْعُ، وَالْبَصَرُ، وَالْإِرَادَةُ، وَالْكَلَامُ، وَالْعِزَّةُ، وَالْحِكْمَةُ، وَالْمَغْفِرَةُ، وَالرَّحْمَةُ. فَحَيَاتُهُ تَعَالَى حَيَاةٌ كَامِلَةٌ مُسْتَلْزِمَةٌ لِكُلِّ صِفَاتِ الْكَمَالِ، لَمْ يَسْبِقْهَا عَدَمٌ وَلَا يَلْحَقُهَا عَدَمٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. وَعِلْمُهُ تَعَالَى كَامِلٌ شَامِلٌ لِكُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، وَقَرِيبٍ وَبَعِيدٍ، لَمْ يَسْبِقْهُ جَهْلٌ وَلَا يَلْحَقُهُ نِسْيَانٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾. وَحِكْمَتُهُ تَعَالَى حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الْعَبَثِ، شَامِلَةٌ لِخَلْقِهِ وَشَرْعِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. وَقَالَ: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. وَحِكْمَتُهُ -كَسَائِرِ صِفَاتِهِ- لَا يُحِيطُ بِهَا الْخَلْقُ، فَقَدْ نَعْجِزُ عَنْ إدْرَاكِ الْحِكْمَةِ فِيمَا خَلَقَهُ أَوْ شَرَعَهُ، وَقَدْ نُدْرِكُ مِنْهَا مَا يَفْتَحُ اللَّهُ بِهِ عَلَيْنَا. وَعَلَى هَذَا تَجْرِي سَائِرُ الصِّفَاتِ الَّتِي أَثْبَتَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ، فَكُلُّهَا صِفَاتُ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ. كَمَا قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَابْتَدَأَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ مِنْ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مُتَصِفًا بِهَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَكَذَلِكَ مِمَّا حَصَلَ بِهِ مُوَافَقَةُ بَعْضِ أَهْلِ التَّعْطِيلِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي إثْبَاتِهَا، خُصُوصًا السَّبْعَ أَوِ الثَّمَانِيَ الْأُولَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَثْبُتُونَ هَذِهِ الصِّفَاتَ فِي مَقْتَضَى الْعَقْلِ لِلشَّرْعِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُمْ لَا يَثْبُتُونَهَا إثْبَاتًا تَامًّا صَحِيحًا؛ لِأَنَّهُمْ يَسِيرُونَ عَلَى انْحِرَافٍ فِي إثْبَاتِ مَا أَثْبَتَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَفْسِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ تَثْبُتُ لِلَّهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ، كَمَا أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ قَدْ تُوْجَدُ فِي الْمَخْلُوقِ بِمَا يَلِيقُ بِنَقْصِهِ وَعَجْزِهِ. فَوُجُودُهَا فِي الْمَخْلُوقِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَهَا عَنِ الْخَالِقِ بِحُجَّةِ الْمُشَابَهَةِ أَوِ الْمُمَاثَلَةِ. فَلْنُثْبِتْهَا لِلَّهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَكَمَالِهِ، وَنُثْبِتْ مَا ثَبَتَ لِلْمَخْلُوقِ بِمَا يَلِيقُ بِنَقْصِهِ وَعَجْزِهِ. وَلِهَذَا أُكِّدَ هَذَا بِمَا ذَكَرَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كُلِّ صِفَةٍ، وَدَلَّلَ عَلَيْهِ بِأَدِلَّةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْحَيُّ الَّذِي لَهُ الْحَيَاةُ الْكَامِلَةُ، لَمْ تَسْبِقْهَا نَقْصٌ وَلَا عَدَمٌ، وَلَنْ تَنْتَهِيَ إِلَى نَقْصٍ وَلَا عَدَمٍ. وَجَمِيعُ الصِّفَاتِ يُقَالُ فِيهَا عَلَى نَفْسِ الْقَاعِدَةِ: تَثْبُتُ لِلَّهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِكَمَالِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، كَامِلَةً مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، مُنَزَّهَةً عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَعَيْبٍ أَوْ عَدَمٍ. لَمْ تَبْدَأْ بِنَقْصٍ وَلَا عَدَمٍ، وَلَمْ تَمُرَّ بِهِ، وَلَنْ تَنْتَهِيَ إِلَيْهِ. فَهِيَ كَامِلَةٌ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أُثْبِتَ مِثْلُهَا لِلْمَخْلُوقِ، فَيُثْبَتُ بِمَا يَلِيقُ بِنَقْصِهِ وَعَجْزِهِ. حَيَاةُ الْمَخْلُوقِ، وَقُدْرَتُهُ، وَسَمْعُهُ، وَبَصَرُهُ، إِلَى آخِرِهِ، كُلُّهُ يُثْبَتُ بِنَقْصِ الْمَخْلُوقِ وَمَا يَلِيقُ بِهِ. فَابْتَدَأَ مِنْ عَدَمٍ وَنَقْصٍ، وَيَمُرُّ بِنَقْصٍ، وَيَنْتَهِي إِلَى نَقْصٍ وَعَدَمٍ بِمَا يَلِيقُ بِنَقْصِهِ. وَهَكَذَا سَائِرُ الصِّفَاتِ، إِلَى أَنْ انْتَهَى إِلَى الْكَلَامِ عَلَى الْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ إِلَى آخِرِهِ. وَكُلُّهُ يَثْبُتُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَعَظَمَتِهِ. وَحُكْمُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَعْضُهُ مِنْ الْغَيْبِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الْإِنْسَانَ أَنْ يَعْلَمَهُ، وَبَعْضُهُ مِمَّا يَجْعَلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ دَلَائِلَ يَكُونُ بِهَا انْتِفَاعُ الْإِنْسَانِ وَالْمَخْلُوقِ مِنْ هَذِهِ الْحِكَمِ. وَلِهَذَا قَدْ نَعْلَمُ بَعْضَ هَذِهِ الْحِكَمِ، وَقَدْ لَا نَعْلَمُ، مِثْلُ مَا هُوَ فِي شَرْعِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، هَذِهِ حِكْمَةٌ مِنْ حِكَمِ الصِّيَامِ. وَبَعْضُ الْأَحْكَامِ تَعَبُدِيٌّ، لَمْ يُطْلِعْنَا عَلَيْهَا: لِمَاذَا صَلَاةُ الْفَجْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَالظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْعِشَاءُ أَرْبَعًا، وَالْمَغْرِبُ ثَلَاثًا؟ اللَّهُ تَعَبَّدَنَا بِهَذَا، قَدْ نُطْلِعُ أَوْ يُطْلِعُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْحِكَمِ، وَبَعْضُهَا قَدْ لَا نُطْلِعُ. وَالْقَاعِدَةُ فِي هَذَا الْبَابِ -كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ بِمَا يَفْعَلُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَأَفْعَالُهُ كُلُّهَا بِحِكْمَةٍ، وَهَذَا الْبَابُ كَذَلِكَ، ضَلَّ فِيهِ مَنْ ضَلَّ مِنْ أَهْلِ التَّعْطِيلِ وَأَهْلِ التَّمْثِيلِ وَأَهْلِ التَّخْيِيلِ، كَمَا تَقَدَّمَ. فَالْفِرَقُ ثَلَاثٌ، كُلُّهَا ضَالَّةٌ، وَلَمْ تَسْلَمْ إِلَّا فِرْقَةُ أَهْلِ الْحَقِّ، أَهْلُ الدِّلَالَةِ وَسَوَاءِ السَّبِيلِ، هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ الَّذِينَ وُفِّقُوا لِلْأَخْذِ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مَعَ مَا وَافَقَهَا مِنَ الْمَعْقُولِ وَالْحِكَمِ. فَكَذَلِكَ فِي بَابِ الْحِكْمَةِ، ضَلَّ مَنْ ضَلَّ، الَّذِي يُضْبَطُ بِهِ هَذَا الْبَابُ: بَابُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ. ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَصْلٌ، وَمِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي نَفَاهَا عَنْ نَفْسِهِ: الْمَوْتُ، وَالْجَهْلُ، وَالنِّسْيَانُ، وَالْعَجْزُ، وَالسِّنَةُ، وَالنَّوْمُ، وَاللَّغَوْبُ، وَالْعِيَاءُ، وَالظُّلْمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾، وَقَالَ عَنْ مُوسَى: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾. وَقَالَ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾، وَقَالَ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. وَقَالَ: ﴿مَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾، وَقَالَ: ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾، وَقَالَ: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. وَكُلُّ صِفَاتٍ نَفَاهَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّهَا مُتَضَمِّنَةٌ لِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: انْتِفَاءُ تِلْكَ الصِّفَةِ. الثَّانِي: ثُبُوتُ كَمَالِ ضِدِّهَا. فَاللَّهُ تَعَالَى لَمَّا نَفَى عَنْ نَفْسِهِ الْعَجْزَ، بَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ لِكَمَالِ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ. وَعَلَى هَذَا: فَنَفْيُ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ مُتَضَمِنٌ لِكَمَالِ عَدْلِهِ، وَنَفْيُ اللَّغْوِ وَالْعِيِ مُتَضَمِنٌ لِكَمَالِ قُوَّتِهِ. وَنَفْيُ السِّنَةِ وَالنَّوْمِ مُتَضَمِنٌ لِكَمَالِ حَيَاتِهِ وَقَيُّومِيَّتِهِ، وَنَفْيُ الْمَوْتِ مُتَضَمِنٌ لِكَمَالِ حَيَاتِهِ. وَعَلَى هَذَا تَجْرِي سَائِرُ الصِّفَاتِ الْمَنْفِيَّةِ. وَالْأَوَّلُ: أَنَّ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، أَيْ: الْوَصْفُ الْأَكْمَلُ. وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي النَّفْيِ الْمَحْضِ. الثَّانِي: أَنَّ النَّفْيَ الْمَحْضَ عَدَمٌ مَحْضٌ، وَالْعَدَمُ الْمَحْضُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَمَا لَيْسَ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ يَكُونُ مَدْحًا وَكَمَالًا؟ الثَّالِثُ: أَنَّ النَّفْيَ إِنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ كَمَالًا، فَقَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ قَابِلِيَةِ الْمَوْصُوفِ لِذَلِكَ الْمَنْفِيِّ أَوْ ضِدِّهِ، لَا لِكَمَالِ الْمَوْصُوفِ. كَمَا لَوْ قِيلَ: لِعَدَمِ قَابِلِيَةِ اتِّصَافِهِ بِالظُّلْمِ أَوْ بِالْعَدْلِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ نَفْيُ الظُّلْمِ عَنْهُ مَدْحًا لَهُ وَلَا كَمَالًا فِيهِ. الرَّابِعُ: أَنَّ النَّفْيَ إِنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ كَمَالًا، فَقَدْ يَكُونُ لِنَقْصِ الْمَوْصُوفِ أَوْ لِعَجْزِهِ عَنْهُ. كَمَا لَوْ قِيلَ عَنْ شَخْصٍ عَاجِزٍ عَنْ الِانْتِصَارِ لِنَفْسِهِ مِمَّنْ ظَلَمَهُ: إِنَّهُ لَا يَجْزِي السَّيِّئَةَ بِسَيِّئَةٍ، فَإِنَّ نَفْيَ مُجَازَاتِهِ السَّيِّئَةَ بِمِثْلِهَا لَيْسَ لِكَمَالِ عَفْوِهِ، وَلَكِنْ لِعَجْزِهِ عَنْ الِانْتِصَارِ لِنَفْسِهِ. وَحِينَئِذٍ يَكُونُ نَفْيُ الظُّلْمِ عَنْهُ نَقْصًا وَذَمًّا، لَا كَمَالًا وَمَدْحًا. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ الْحَمَاسِيِّ يَهْجُو قَوْمَهُ: لَوْ كُنْتُ مِنْ مَازِينَ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ شَرٍّ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّهُمْ يُجْزَوْنَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً، وَمِنْ إسَاءَةِ أَهْلِ السُّوءِ إِحْسَانًا. يُرِيدُ: بَدَلَ ذَمِّهِمْ وَوَصْفِهِمْ بِالْعَجْزِ، لَا مَدْحَهُمْ بِكَمَالِ الْعَفْوِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: فَلْيَتَلَ بِهِمْ قَوْمًا إِذَا رَكِبُوا شَنَّ الْإِغَارَةِ رَكْبَانًا وَفُرْسَانًا. وَبِقَوْلِهِمْ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّهُ لَيْسَ بِدَاخِلِ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجِهِ، وَلَا مُبَايِنٍ وَلَا مُتَّصِلٍ، وَلَا فَوْقَ وَلَا تَحْتَ، وَلَا مُتَّصِلٍ وَلَا مُنْفَصِلٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلِهَذَا قَالَ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتِكِينَ لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي الْخَالِقِ جَلَّ وَعَلَا: جَزَلْنَا بَيْنَ هَذَا الرَّبِّ الَّذِي تُثْبِتُونَهُ، وَبَيْنَ الْمَعْدُومِ. وَلَقَدْ صَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ فَإِنَّهُ لَنْ يُوصَفَ الْمَعْدُومُ بِوَصْفٍ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا الْوَصْفِ الَّذِي وَصَفُوا بِهِ الْخَالِقَ جَلَّ وَعَلَا. فَمَنْ قَالَ: لَا هُوَ مُبَايِنٌ لِلْعَالَمِ وَلَا مُدَاخِلٌ لِلْعَالَمِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ: لَا هُوَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ، وَلَا قَرِيبٌ وَلَا مُتَحَيِّزٌ، وَلَا صَمَدٌ وَلَا أَعْمَى وَلَا أَبْكَمٌ. وَهَذَا الْمَوْضِعُ كَذَلِكَ مِنْ مَوَاضِعِ التَّلَبُّسِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ الْمَنْفِيَّةِ. وَإِنَّمَا وَصَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَفْسَهُ بِهَا -كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ- لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: نَفْيُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ. الثَّانِي: لِإِثْبَاتِ كَمَالِ الضِّدِ. فَنَفْيُ الْمَوْتِ لِكَمَالِ الْحَيَاةِ، وَهَكَذَا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَفْيِ السِّنَةِ وَالنَّوْمِ لِكَمَالِ الْحَيَاةِ وَالْقَيُّومِيَّةِ، إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَبِهِ نَعْرِفُ أَنَّ النَّفْيَ الْمَحْضَ لَيْسَ بِمَدْحٍ. وَلِهَذَا لَمْ يُوصَفْ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِشَيْءٍ مِنَ النَّفْيِ الْمَحْضِ، بَلْ كُلُّ نَفْيٍ جَاءَ لِإِثْبَاتِ كَمَالِ الضِّدِ. كَمَا أَنَّ النَّفْيَ يُذْكَرُ مُجْمَلًا غَالِبًا، وَلَا يُذْكَرُ مُفَصَّلًا، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ قَطْعًا مَا عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ التَّعْطِيلِ مِمَّنْ قَالَ: طَرِيقَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمَنْفِيَّةُ، وَكَذَلِكَ خَالَفُوا بِكَوْنِهَا قُلُوبًا، وَنَفْيًا مَحْضًا لَيْسَ لِإِثْبَاتِ كَمَالِ الضِّدِ. وَنَفَوْهُ بِالْعَدَمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ، وَلَا فَوْقَ وَلَا تَحْتَ. هَذِهِ كُلُّهَا صِفَاتٌ سَلْبِيَّةٌ مَنْفِيَّةٌ. وَهَلْ أَت