الدرس في شرح كتاب تقريب التدمرية للشيخ العثيمين 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع مذهب الممثلة ويرد عليه، ويبين أن إثبات الصفات لله تعالى يجب أن يكون على نحو يليق بجلاله. يرفض التشبيه أو التمثيل للمخلوقين في إثبات الصفات.
يتناول المقطع الطوائف التي أنكرت أسماء الله وصفاته مثل الأشاعرة والماتوريدية، ويشرح منهجهم في إثبات ونفي الصفات بناءً على العقل. ينتقد اعتمادهم على العقل في فهم الصفات.
يناقش المقطع آراء المعطلة في نفي الصفات الإلهية ويرد عليها، ويؤكد على وجوب إثبات الصفات جميعًا على نحو صحيح يليق بجلال الله دون تشبيه.
مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ عُثَيْمِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فِي تَقْرِيبِ التَّدْمِرِيَّةِ. وَقَفْنَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَبَعَثَ، وَرَحِمَ اللَّهُ الْمُؤَلِّفَ، وَرَحِمَنَا جَمِيعًا، تَائِبِينَ عَنْ سَبِيلِ الرَّسُولِ. وَأَتْبَعَهُمْ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ أَسْمَاءٌ مُثَبَّتَةٌ وَمُعَطَّلَةٌ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ غَلَا فِي جَانِبٍ وَقَصَرَ فِي جَانِبٍ، الْإِثْبَاتِ فَخَرَجَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَنْ الِاعْتِدَالِ فِي الْجَانِبَيْنِ. فَالْكُسْمُ الْأَوَّلُ الْمُمَثِّلَةُ، وَطَرِيقَتُهُمْ: جَوَّهْنَا وَأَيْدَنَا وَأَعْيُنُنَا وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَشُبِهَتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَنَا فِي الْقُرْآنِ، وَاجِبٌ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْلُومِ فِي الشَّاهِدِ. وَمَذْهَبُهُمْ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ بِالسَّمْعِ وَالْعَقْلِ وَالْحِسِّ. أَمَّا السَّمْعُ: فَقَدْ نَفَى أَنَّ يَكُونَ لَهُ مُمَثِلٌ مَعَ إِثْبَاتِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ لَهُ. وَفِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّ تَضْرِبَ لَهُ الْأَمْثَالَ، فَجَمَعَ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالنَّهْيِ. وَأَمَّا الْعَقْلُ: فَدَلَّ بَيِّنٌ فِي الصِّفَاتِ، لِأَنَّ صِفَةَ كُلِّ مَوْصُوفٍ تَلِيقُ بِهِ. فَالْمَعَانِي وَالْأَوْصَافُ تَتَقَيَّدُ وَتَتَمَيَّزُ بِحَسَبِ مَا تُوضَعُ فِي كُلِّ مَوْضُوعٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْقَوْلَ بِمُمَاثَلَةِ الْخَالِقِ لِلْمَخْلُوقِ يَقْتَضِي بُطْلَانَ الْعُبُودِيَّةِ الْحَقِّ، لِأَنَّهُ لَا يَخْضَعُ عَاقِلٌ لِأَحَدٍ، وَيَدُلُّ لَهُ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ الْمُطْلَقِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ تَبَايُنٌ فِي الْحَقِيقَةِ. فَلِلْفِيلِ جِسْمٌ وَقُوَّةٌ، وَلِلْبَعُوضَةِ جِسْمٌ وَقُوَّةٌ، وَالتَّبَايُنُ بَيْنَ جِسْمَيْهِمَا وَقُوَّتِهِمَا، وَالْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى. بَلِ التَّبَايُنُ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ وَاجِبٌ، وَالتَّمَاثُلُ مُمْتَنِعٌ، غَايَةُ الِامْتِنَاعِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَتَدَبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾. وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ غَيَّرَهُمْ سَوَاءٌ، وَلَمَا حَصَلَ الْبَيَانُ الَّذِي تَتِمُّ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى الْخَلْقِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِذَا خَاطَبْنَا عَنْ الْغَائِبِ بِشَيْءٍ، وَاجِبٌ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْلُومِ فِي الشَّاهِدِ. فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، إِنَّمَا أَخْبَرَ بِهِ مُتَعَلِّقًا إِلَى نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ، فَيَكُونُ لَائِقًا بِهِ، لَا مُمَاثِلًا لِمَخْلُوقَاتِهِ. وَلَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْهَمَ مِنْهُ الْمُمَاثَلَةَ، إِلَّا مَنْ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَمْ يُقَدِّرْهُ حَقَّ قَدْرِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْ مَدْلُولَ الْخِطَابِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّيَاقُ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْمُمَاثَلَةُ مُرَادَةً لِلَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ تَسْتَلْزِمُ نَقْصَ الْخَالِقِ جَلَّ وَعَلَا، وَاعْتِقَادُ نَقْصِ الْخَالِقِ كُفْرٌ وَضَلَالٌ. وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِكَلَامِهِ الْكُفْرَ وَالضَّلَالَ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾، وَقَالَ: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾. هَذَا الْمَبْحَثُ، كَمَا نَرَى، يَدُورُ حَوْلَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: وَهِيَ أَنَّ تَشَابُهَ وَتَمَاثُلَ الِاسْمِ وَالصِّفَةِ، لَا يَسْتَلْزِمُ تَمَاثُلَ الْمُسَمَّى وَالْمَوْصُوفِ. وَضَرَبَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِهَذَا الدَلَائِلَ الْعَقْلِيَةَ وَالشَّرْعِيَةَ، وَكَذَلِكَ الْحِسِّيَةَ. وَبِهَذَا يَعْلَمُ أَنَّ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ التَّعْطِيلِ مِنَ الْمُمَثِّلَةِ وَالْمُؤَوِّلَةِ، وَهُمْ مُعَطِّلَةٌ كَذَلِكَ، كَانَ بِسَبَبِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ. وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ، عِنْدَ التَّأَمُّلِ، تَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ. وَكَلَامُ الشَّيْخِ بِهَذَا وَاضِحٌ، وَالْأَدِلَّةُ الَّتِي ذَكَرَهَا، وَهَذَا بِاسْمِ الْقَوْلِ فِي الْأَسْمَاءِ الْأُخْرَى. وَالْقَاعِدَةُ بِهَذَا كَذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ: أَنَّنَا نَقُولُ الْقَوْلُ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ فَرْعٌ عَنْ الْقَوْلِ فِي الذَّاتِ. فَكَمَا أَنَّنَا نُثْبِتُ لِلَّهِ ذَاتًا لَا كَالذَّوَاتِ، تَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ، وَنُثْبِتُ لِلْمَخْلُوقِينَ ذَوَاتٍ تَلِيقُ بِنَقْصِهِمْ وَعَجْزِهِمْ. فَكَذَلِكَ نُثْبِتُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَسْمَاءً وَصِفَاتٍ تَلِيقُ بِعَظَمَتِهِ وَكَمَالِهِ، كَمَا نُثْبِتُ لِلْمَخْلُوقِينَ أَسْمَاءً وَصِفَاتٍ تَلِيقُ بِنَقْصِهِمْ. وَلَا يَعْنِي ذَلِكَ وُجُودَ الْمُمَاثَلَةِ، وَإِنَّمَا يُثْبِتُ لِلَّهِ مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، كَمَا يُثْبِتُ لِلْمَخْلُوقِ مَا يَلِيقُ بِضَعْفِهِ وَنَقْصِهِ. فَكَمَا قُلْنَا فِي الذَّاتِ، نَقُولُ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ. وَمَا أُجِيبَ بِهِ عَنْ الذَّاتِ، يُجَابُ بِهِ عَنْ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ. إِنْ قَالَوا: لَا يُمْكِنُ أَنْ نُثْبِتَ خَالِقًا بِدُونِ ذَاتٍ، وَلِذَلِكَ نَحْنُ نُثْبِتُ لِلَّهِ ذَاتًا لَا كَالذَّوَاتِ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ مِنْ إِثْبَاتِ الذَّاتِ وُجُودَ الْمُمَاثَلَةِ. فَنَقُولُ: كَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُوجَدَ ذَاتٌ دُونَ أَسْمَاءٍ وَصِفَاتٍ، لَا يُوجَدُ ذَاتٌ لَا فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي الْعَقْلِ وَلَا فِي الْحِسِّ، لَيْسَ لَهَا أَسْمَاءٌ وَلَا صِفَاتٌ. مَا مِنْ ذَاتٍ إِلَّا وَلَهَا اسْمٌ أَوْ صِفَةٌ. فَكَمَا أَثْبَتُّمْ ذَاتًا مُقَدَّسَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، تَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، لَا تُمَاثِلُ ذَوَاتِ الْمَخْلُوقِينَ. فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تُثْبِتُوا لَهُ أَسْمَاءً وَصِفَاتٍ تَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَقُدْسِيَتِهِ وَعَظَمَتِهِ، لَا تُشْبِهُ أَسْمَاءَ وَصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ. فَالْقَوْلُ فِي الذَّاتِ فَرْعٌ عَنْ الْقَوْلِ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ. نَعَمْ، فَصْلٌ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي: الْمُعَطِّلَةُ، وَهُمْ الَّذِينَ أَنْكَرُوا مَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى وَوَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، إِنْكَارًا كُلِّيًّا أَوْ جُزْئِيًّا، وَحَرَّفُوا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ نُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. فَهُمْ مُحَرِّفُونَ لِلنُّصُوصِ، مُعَطِّلُونَ لِلصِّفَاتِ. وَقَدْ نَقَصُوا هَؤُلَاءِ إِلَى أَرْبَعَةِ طَوَائِفَ. الطَّائِفَةُ الْأُولَى: الْأَشَاعِرَةُ، وَمَنْ ضَاهَاهُمْ مِنَ الْمَاتُورِيدِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَطَرِيقَتُهُمْ: أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا لِلَّهِ الْأَسْمَاءَ، وَبَعْضَ الصِّفَاتِ، وَنَفَوْا حَقَائِقَ أَكْثَرِهَا، وَرَدُّوا مَا أَمْكَنَهُمْ رَدُّهُ تَأْوِيلًا. فَأَثْبَتُوا مِنَ الصِّفَاتِ سَبْعَ صِفَاتٍ: الْحَيَاةُ، وَالْعِلْمُ، وَالْقُدْرَةُ، وَالْإِرَادَةُ، وَالْكَلَامُ، وَالسَّمْعُ، وَالْبَصَرُ، عَلَى خِلَافٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّلَفِ فِي كَيْفِيَةِ إِثْبَاتِ بَعْضِ هَذِهِ الصِّفَاتِ. وَشُبْهَتُهُمْ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ: أَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا فِيمَا نَفَوْهُ أَنَّ إِثْبَاتَهُ يَسْتَلْزِمُ التَّشْبِيهَ، أَيْ التَّمْثِيلَ. وَقَالُوا فِيمَا أَثْبَتُوهُ: إِنَّ الْعَقْلَ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ. فَإِيجَادُ الْمَخْلُوقَاتِ يَدُلُّ عَلَى الْقُدْرَةِ، وَتَخْصِيصُ بَعْضِهَا بِمَا يُخْتَصُّ بِهِ يَدُلُّ عَلَى الْإِرَادَةِ، وَإِحْكَامُهَا يَدُلُّ عَلَى الْعِلْمِ. وَهَذِهِ الصِّفَاتُ: الْقُدْرَةُ، وَالْإِرَادَةُ، وَالْعِلْمُ، تَدُلُّ عَلَى الْحَيَاةِ، لِأَنَّهَا لَا تَقُومُ إِلَّا بِحَيٍّ. وَالْحَيُّ إِمَّا أَنْ يَتَصِفَ بِالْكَلَامِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَهَذِهِ صِفَاتُ كَمَالٍ. أَوْ يُبْدِّدَهَا، وَهُوَ الْخُرْسُ وَالصَّمَمُ وَالْعَمَى، وَهَذِهِ صِفَاتُ نَقْصٍ، مُمْتَنِعَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. هَذَا الْبَابُ مُخَالِفٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَأَئِمَّةِ الْأُمَّةِ مِنْ بَعْدِهِمْ. فَمَا مِنْهُمْ أَحَدٌ رَجَعَ إِلَى الْعَقْلِ فِي ذَلِكَ. وَإِنَّمَا يَرْجِعُونَ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَيُثْبِتُونَ لِلَّهِ تَعَالَى مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ، أَوْ أَثْبَتَهُ لَهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. نُثْبِتُ لِلَّهِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَلَا نَتَعَدَّى الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ. الثَّانِي: أَنَّ الرُّجُوعَ إِلَى الْعَقْلِ فِي هَذَا الْبَابِ مُخَالِفٌ لِلْعَقْلِ، لِأَنَّ هَذَا الْبَابَ مِنْ الْأُمُورِ الْغَيْبِيَةِ الَّتِي لَيْسَ لِلْعَقْلِ فِيهَا مَجَالٌ. وَإِنَّمَا تُلَقَّى مِنْ عِنْدِ السَّمَاءِ. فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُدْرِكَ بِالتَّفْصِيلِ مَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. فَيَكُونُ تَحَكُّمُ الْعَقْلِ فِي ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلْعَقْلِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الرُّجُوعَ فِي ذَلِكَ إِلَى الْعَقْلِ مُسْتَلْزِمٌ لِلِاخْتِلَافِ وَالتَّنَاقُضِ. فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَقْلًا يَرَى وُجُوبَ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ، كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي هَؤُلَاءِ. فَتَجِدُ أَحَدَهُمْ يُثْبِتُ مَا يُنْكِرُهُ الْآخَرُ، وَرُبَّمَا يَتَنَاقَضُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ، فَيُثْبِتُ فِي مَوْضِعٍ مَا يُنْكِرُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، أَوْ يُنْكِرُ نَظِيرَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. فَلَيْسَ لَهُمْ قَانُونٌ مُسْتَقِيمٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْفَتْوَى الْحَمَوِيَةِ: «فَيَا لَيْتَ شِعْرِي بِأَيِّ عَقْلٍ يُوزَنُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ». وَرَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، حَيْثُ قَالَ: «أَوَكُلُّ مَا جَاءَنَا رَجُلٌ أَجَدَلُ مِنْ رَجُلٍ تَرَقَّيْنَا مَا جَاءَ بِهِ؟ جِبْرِيلُ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَدَلِ هَؤُلَاءِ؟». وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ تَنَاقُضَ الْأَقْوَالِ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِهَا. الرَّابِعُ: أَنَّهُمْ إِذَا صَرَفُوا النُّصُوصَ عَنْ ظَاهِرِهَا إِلَى مَعْنًى زَعَمُوا أَنَّ الْعَقْلَ يُوجِبُهُ. فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى نَظِيرُ مَا يَلْزَمُهُمْ فِي الْمَعْنَى الَّذِي نَفَوْهُ، مَعَ ارْتِكَابِهِمْ تَحْرِيفَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. مِثَالُ ذَلِكَ: إِذَا قَالُوا: الْمُرَادُ بِيَدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْقُوَّةُ، دُونَ حَقِيقَةِ الْيَدِ. لِأَنَّ إِثْبَاتَ حَقِيقَةِ الْيَدِ يَسْتَلْزِمُ تَشْبِيهًا بِالْمَخْلُوقِ الَّذِي لَهُ يَدٌ. فَنَقُولُ لَهُمْ: يَلْزَمُكُمْ فِي إِثْبَاتِ الْقُوَّةِ نَظِيرُ مَا يَلْزَمُكُمْ فِي إِثْبَاتِ الْيَدِ الْحَقِيقِيَةِ. لِأَنَّ لِلْمَخْلُوقِ قُوَّةً، فَإِثْبَاتُ الْقُوَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى يَسْتَلْزِمُ التَّشْبِيهَ عَلَى قَاعِدَتِكُمْ. وَمِثَالٌ آخَرُ: إِذَا قَالُوا: الْمُرَادُ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، إِيرَادَةُ ثَوَابِ الْمَحْبُوبِ، أَوْ الثَّوَابُ نَفْسُهُ، دُونَ حَقِيقَةِ الْمَحَبَّةِ. لِأَنَّ إِثْبَاتَ حَقِيقَةِ الْمَحَبَّةِ يَسْتَلْزِمُ التَّشْبِيهَ. فَنَقُولُ لَهُمْ: إِذَا فَسَّرْتُمْ الْمَحَبَّةَ بِالْإِرَادَةِ، لَزِمَكُمْ فِي إِثْبَاتِ الْإِرَادَةِ نَظِيرُ مَا يَلْزَمُكُمْ فِي إِثْبَاتِ الْمَحَبَّةِ. لِأَنَّ لِلْمَخْلُوقِ إِِرَادَةً، فَإِثْبَاتُ الْإِرَادَةِ لِلَّهِ تَعَالَى يَسْتَلْزِمُ التَّشْبِيهَ عَلَى قَاعِدَتِكُمْ. وَإِذَا فَسَّرْتُمُوهَا بِالثَّوَابِ، فَالثَّوَابُ مَخْلُوقٌ مَفْعُولٌ، لَا يَقُومُ إِلَّا بِخَالِقٍ فَاعِلٍ. وَالْفَاعِلُ لَابُدَّ لَهُ مِنْ إِرَادَةِ الْفِعْلِ. وَإِثْبَاتُ الْإِرَادَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِلتَّشْبِيهِ عَلَى قَاعِدَتِكُمْ. ثُمَّ نَقُولُ: إِثْبَاتُكُمْ إِرَادَةَ الثَّوَابِ، أَوْ الثَّوَابَ نَفْسَهُ، مُسْتَلْزِمٌ لِمَحَبَّةِ الْعَمَلِ الْمُثَابِ عَلَيْهِ. وَلَوْلَا مَحَبَّةُ الْعَمَلِ مَا أُثِيبَ فَاعِلُهُ. فَصُورُ تَأْوِيلِكُمْ مُسْتَلْزِمَةٌ لِمَا نَفَيْتُمْ. فَإِنْ أَثْبَتُّمْهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُمَاثِلِ لِلْمَخْلُوقِ، فَفِي التَّمْثِيلِ وَقَعْتُمْ. وَإِنْ أَثْبَتُّمْهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُخْتَصِّ بِاللَّهِ، وَاللَّائِقِ بِهِ، أَصَبْتُمْ. وَلَزِمَكُمْ إِثْبَاتُ جَمِيعِ الصِّفَاتِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ قَوْلَهُمْ فِي مَنْفِيِّهِمْ: إِنَّ إِثْبَاتَهُ يَسْتَلْزِمُ تَشْبِيهًا، مَمْنُوعٌ. لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لَا يَسْتَلْزِمُ مُمَاثَلَةَ الْمُسَمَّيَاتِ وَالْمَوْصُوفَاتِ، كَمَا تَقَرَّرَ سَابِقًا. ثُمَّ إِنَّهُ مَنْقُوضٌ بِمَا أَثْبَتُوهُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ. فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَ هَذِهِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى، مَعَ أَنَّ الْمَخْلُوقَ مُتَّصِفٌ بِهَا. فَيَسْتَلْزِمُ التَّشْبِيهَ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ. فَإِنْ قَالُوا: إِنَّنَا نُثْبِتُ هَذِهِ الصِّفَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهٍ يَخْتَصُّ بِهِ، وَلَا يُشْبِهُ مَا ثَبَتَ لِلْمَخْلُوقِ مِنْهَا. قُلْنَا: هَذَا جَوَابٌ حَسَنٌ سَدِيدٌ. فَلِمَاذَا لَا تَقُولُونَ بِهِ فِيمَا نَفَيْتُمُوهُ؟ فَتُثْبِتُونَهُ لِلَّهِ عَلَى وَجْهٍ يَخْتَصُّ بِهِ، وَلَا يُشْبِهُ مَا ثَبَتَ لِلْمَخْلُوقِ مِنْهُ. فَإِنْ قَالُوا: مَا أَثْبَتْنَاهُ، فَقَدْ دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى ثُبُوتِهِ. قُلْنَا: هَذَا ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَوَاضِعِ. فَقَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَوْضَحَ مِنْ أَدِلَّتِكُمْ فِيمَا أَثْبَتُّمْهُ. مِثَالُ ذَلِكَ: الرَّحْمَةُ الَّتِي أَثْبَتَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُهَا بِالْعَقْلِ، وَلَكِنَّهَا أَبْيَنُ وَأَوْضَحُ لِظُهُورِهَا لِكُلِّ أَحَدٍ. الثَّالِثُ: أَنْ نَقُولَ: إِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. لِأَنَّ انْتِفَاءَ الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ لَا يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْمُدَلَّلِ. إِذْ قَدْ يَثْبُتُ بِدَلِيلٍ آخَرَ. فَإِذَا قَدَرْنَا أَنَّ الدَلِيلَ الْعَقْلِيَّ لَا يُثْبِتُهُ. فَإِنَّ الدَلِيلَ السَّمْعِيَّ قَدْ أَثْبَتَهُ. وَحِينَئِذٍ يَجِبُ إِثْبَاتُهُ بِالدَلِيلِ الْقَائِمِ، السَّائِلِ عَنْ الْمُعَارِضِ الْمُقَاوِمِ. فَإِنْ قَالُوا: بَلِ الْعَقْلُ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ ذَلِكَ. لِأَنَّ إِثْبَاتَهُ يَسْتَلْزِمُ التَّشْبِيهَ. وَالْعَقْلُ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ التَّشْبِيهِ. قُلْنَا: إِنْ كَانَ إِثْبَاتُهُ يَسْتَلْزِمُ التَّشْبِيهَ فِيمَا نَفَيْتُمُوهُ. فَلَا فَرْقَ. وَحِينَئِذٍ: إِمَّا أَنْ تَقُولُوا بِالْإِثْبَاتِ فِي الْجَمِيعِ، فَتُوَافِقُوا السَّلَفَ. وَإِمَّا أَنْ تَقُولُوا بِالنَّفْيِ فِي الْجَمِيعِ، فَتُوَافِقُوا الْمُعْتَزِلَةَ وَمَنْ ضَاهَاهُمْ. وَأَمَّا التَّفْرِيقُ: فَتَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ. هَذَا الْمَبْحَثُ جَعَلَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَوْضِيحِ طَرِيقَةِ الْمُعَطِّلَةِ وَمَذَاهِبِهِمْ، وَالرَّدِّ عَلَيْهِمْ. وَكَمَا رَأَيْنَا: أَنَّ شَيْخَنَا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَصَلَ الرَّدَّ مِنْ أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ. كَمَا رَأَيْنَا فِي إِضَاحِي هَذَا الْمَعْنَى. وَأَجَابَ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ شَرْعِيَةٍ وَسُنِّيَةٍ. تُثْبِتُ مَا عَطَّلُوهُ وَحَرَّفُوهُ، دُونَ أَنْ تُعْتَرِضَ بِشَيْءٍ مِنَ التَّحْرِيفِ أَوِ التَّعْطِيلِ. كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ تُعْتَرِضَ رَدُّهُمْ عَلَى الْمُمَثِّلَةِ، وَظَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ. فَكَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ الْمُمَثِّلَةَ ظَلُّوا بِتَحْرِيفِ النَّصِّ إِلَى التَّمْثِيلِ. وَأَنْتُمْ لَا يُعْتَرَفُ لَكُمْ بِتَمْثِيلٍ وَلَا تَكْيِيفٍ، وَلَا بِتَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ. فَيَكُونُ كَذَلِكَ جَوَابًا عَلَيْكُمْ فِيمَا وَقَعْتُمْ فِيهِ مِنْ تَحْرِيفٍ وَتَعْطِيلٍ. لِأَنَّ الْجَمِيعَ فِي طَرَفَيْ ضَلَالٍ. لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا عَنْ نُصُوصِ الشَّرْعِيَةِ الثَابِتَةِ. أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي يُخَالِفُ الظَّاهِرَ، زَعَمَ الْمُمَثِلَةُ أَنَّ الْيَدَ كَأَيْدِيهِمْ. وَقُلْنَا: هَذَا كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى أَدِلَّةِ الشَّرْعِ. فَالْيَدُ لَا تَشْبَهُ يَدَ الْمَخْلُوقِينَ. وَهَكَذَا نَقُولُ فِي سَائِرِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، مِنْ بَابٍ أَوْلَى. وَقُلْتُمْ: نَعْمَةٌ. أَيْنَ الدَّلِيلُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى؟ بَلِ الْوَاجِبُ إِبْقَاءُ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ. ثُمَّ بِاخْتِصَارٍ، يَنْتَقِلُ إِلَى فِيمَا فَرَّ إِلَيْهِ. فَقَالُوا: مَثَلًا حَرَّفُوا الْيَدَ بِالنِّعْمَةِ، وَحَرَّفُوا الرَّحْمَةَ بِالثَّوَابِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا أَثْبَتُّمْ نُثْبِتْهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ. فَنَقُولُ: كَذَلِكَ أَثْبِتُوهُ فِي تِلْكَ الصِّفَاتِ: الْحَيَاةِ، وَالْإِرَادَةِ، وَالْقُدْرَةِ، وَالسَّمْعِ، وَالْبَصَرِ. نَعَمْ، وَالْعِلْمِ. يُثْبِتُونَهَا مَعَ أَنَّهُمْ لَا يُثْبِتُونَهَا عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ. أَوَّلًا الْأَشَاعِرَةُ، لِأَنَّهُمْ يُحَرِّفُونَ هَذِهِ الصِّفَاتِ السَّبْعَ، كَذَلِكَ بِبَعْضِ التَّحْرِيفَاتِ. كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ وَمُبَسَّطٌ فِي كُتُبِ الْعَقَائِدِ، فِي مَبَاحِثِ هَذِهِ الصِّفَاتِ. فَفِي الْعِلْمِ لَهُمْ ضَلَالٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِبَابِ الْقَدَرِ فِيهِ. وَفِي الْإِرَادَةِ عِوَرَةٌ، وَهُمْ جَبْرِيَةٌ فِي بَابِ الْقَدَرِ. وَهَكَذَا كَذَلِكَ فِي السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ. الْكَلَامُ عِنْدَهُمُ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ. وَالسَّمْعُ كَذَلِكَ يُثْبِتُونَهُ مُقَيَّ