شرح كتاب تقريب التدمرية للشيخ العثيمين 2

شرح كتاب تقريب التدمرية للشيخ العثيمين 2

الدرس في شرح كتاب تقريب التدمرية للشيخ العثيمين 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

سبب تأليف رسالة التدمرية وأهميتها

شرح سبب تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية لرسالة التدمرية بناءً على طلب طلاب من تدمر، وهدفت إلى تثبيت أهل السنة وتوجيههم وإيضاح الحق في أمور التوحيد والصفات والشرع والقدر. الرسالة تهدف إلى بيان الحق وتصحيح المفاهيم.

مفهوم نفي وإثبات الألوهية والصفات الإلهية

يشرح المقطع مفهوم نفي وإثبات الألوهية والصفات الإلهية في العقيدة الإسلامية، ويوضح الفرق بين الخبر والطلب في الشريعة، ويبين منهج أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات الإلهية. هذا المنهج يعتمد على إثبات ما أثبته الله لنفسه دون تمثيل أو تعطيل.

الأصل الأول في توحيد الصفات ومنهج أهل السنة

يجب وصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله، إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. هذا المنهج يقتضي إثبات ما أثبته الله لنفسه ونفي ما نفاه عن نفسه دون تحريف أو تعطيل أو تكيف أو تمثيل.

ضلال الممثلة والمعطلة وردود أهل السنة

يشرح الشيخ كيف ضل الممثلة والمعطلة في إثبات الصفات الإلهية، حيث وقعوا في التمثيل أو التعطيل، ويبين أهمية اتباع أهل السنة والجماعة في إثبات الصفات دون تمثيل أو تعطيل، ويذكر قاعدة الإمام مالك في الرد على من سأل عن كيفية استواء الله على العرش.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الرسالة النافعة الماتعة في كتاب تقريب التدمرية لشيخنا محمد صالح سيمين رحمه الله تعالى، والتي هي عبارة عن تقريب لأصل عظيم ألفه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كما تقدم سبقه الإشارة إليه. وكنا أخذنا في درسنا السابق المقدمة التي ذكر فيها الشيخ رحمه الله تعالى مواضيع عدة، وعرفنا أهم ما يحتاج إلى ذكره في تلك المقدمة بما يغني عن الإعادة. اليوم، إن شاء الله، نشرع فيما ذكره رحمه الله في الكتاب. نعم، بيان سبب تأليف هذه الرسالة. بيان المؤلف سبب تأليف هذه الرسالة بقوله: «أما بعد، فقد سألاني من تعينت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجلس من الكلام في التوحيد والصفات، وفي الشرع والقدر». ثم علل وجوب إجابتهم بأمرين: أحدهما مسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الأصلين، لأنه لا بد أن يخطر على القلب في هذين الأصلين ما يحتاج معه إلى بيان الهدى من الضلال، والحق من الباطل. والثاني كثرة اضطراب الناس فيهما، والخوض فيهما بالحق مرة وبالباطل تارات، فيلتبس الحق بالباطل على كثير من الناس. ومن ثم احتيج إلى البيان. قوله رحمه الله تعالى: «بيان سبب تأليف هذه الرسالة»، لأن الشيخ رحمه الله بين هذا في الأصل، فناسب أن يذكره رحمه الله في هذا الاختصار. وأشار إلى ذلك الشيخ رحمه الله بقوله: «أما بعد، فقد سألني من تعينت إجابتهم». ويشير بهذا إلى السبب الأول، كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى. فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، كما تقدم معنا، ودلت عليه مؤلفات وكتبه الأخرى، كان في نفسه أن يؤلف هذه الرسالة، وساعد على تأليفها وحثه تشجيعه للمبادرة إليها سؤال هؤلاء من أهل هذه البلاد، وهم من تدمر، وتدمر بلد معروفة في سوريا إلى يومنا هذا. وكان هناك مجموعة من طلابه من يأتي إليه من تلك البلاد، كما ذكر في ترجمته، وذكر ذلك عدد من طلابه وممن ألف في ترجمته. وكان هؤلاء جالسوه كثيرا، وسمعوا منه كثيرا، فرأوا أنه يحسن بهم، لأجل أن تكون عندهم قاعدة يرجعون إليها عند الحاجة، أن يكون هناك شيء مختصر فيما يتعلق بمباحث الأسماء والصفات والإيمان والقدر. هذا هو سبب تأليف هذه الرسالة لثلاثة أمور: أولا، لأنه شيخهم ويثقون بعلمه وديانته، وأنه لن يعطيهم إلا الصواب. ثانيا، لأنهم سمعوا منه الشيء الكثير، وشق عليهم أن يختصروه، فرأوا أن اختصار الشيخ أفضل من اختصارهم لأنفسهم. وثالثا، أنهم خافوا أن يمنعوا عن الشيخ لكثرة دخوله وخروجه السجن، فيفوتهم ما لا يمكنهم إدراكه. فكأنهم يقولون: «يا شيخنا، أعطنا الخلاصة الآن، وأعطنا البقية فيما بعد»، يعني لأجل أن يأخذوا الخلاصة، هذه الخلاصة تنفعهم انتظارهم لأخذ الكل، قد لا يتم، يفتنون بالوشاية به عند بعض الأمراء، فيدخلونه السجن، ويخرج، ويدخلونه وهكذا. فهذه الأسباب، كما ذكر بعض أهل العلم، هي التي دفعت هؤلاء لهذا السؤال، وهي وجيهة. وأما قوله: «ثم علل وجوب إجابتهم بأمرين، أحدهما مسيس الحاجة لتحقيق هذين الأصلين، والثاني كثرة اضطراب الناس»، ومعناه أن الشيخ كذلك دفعه للجواب ما ذكره الشيخ رحمه الله في الكتاب، وفي كتب أخرى، لأن هذا مما يهم الناس، أو يهم الداعي لله أن يوصل هذا إلى الناس. فإذن، إخراج مختصر بهذا الباب مهم، فهذا جعله يوافق على إخراج هذا الشيء. وهذا يؤكد لنا أن الشيخ كان في نفسه هذا قبل أن يسأله هؤلاء الطلاب. الناس فيه المخالفون في هذا الباب كثير، خصوصا في زمن الشيخ، باب الأسماء والصفات، كما نعرف، الفرق المشهورة كثير، فضلا عما تفرع عنها: جعدية، جهمية، معتزلة، كلابية، أشاعرة، ماتريدية، هذه أصول، والخوارج فرق، والرافضة فرق، والمتصوفة فرق، وهكذا. فكل فرقة جمعت من هذه الضلالات أنواعا وأشكالا. فلذلك، كما قال: «كثرة اضطراب الناس»، احتاج إلى قاعدة وأصل يرجعون إليه. هذا هو الذي دفعه لإخراج هذا المختصر. وأمر آخر كذلك، ما تقدم من سؤال هؤلاء. إذن، هناك شيء من جهتهم، وشيء من جهته. الذي من جهتهم هو السؤال، والذي من جهته هو هذان الأمران. ومعناه أنه كان في نفسه أن يخرج شيء، ولكن شجعه على ذلك ما تقدم من السؤال. نعم، ثم قال رحمه الله: «الكلام في التوحيد والصفات، وفي الشرع والقدر». الكلام في التوحيد والصفات من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات من قبل المتكلم، المقابل بالتصديق أو التكذيب من قبل المخاطب، لأنه خبر عما يجب لله تعالى من التوحيد وكمال الصفات، وعما يستحيل عليه من الشرك والنقص ومماثلة المخلوقات. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم﴾، ففي قوله: «لا إله إلا هو»، إثبات التوحيد، وفي قوله: «الحي القيوم»، إثبات كمال الصفات، وفي قوله: «لا تأخذه سنة ولا نوم»، نفي النقائص عن الله، المتضمن لإثبات الكمالات. وأما الكلام في الشرع والقدر، فهو من باب الطلب الدائر بين الأمر والنهي من قبل المتكلم، المقابل بالطاعة أو المعصية من قبل المخاطب، لأن المطلوب إما محبوب لله ورسوله، فيكون مأمورا به، وإما مبغوض لله ورسوله، فيكون منهيا عنه. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، ففي قوله: «أعبدوا الله»، الأمر بعبادة الله، وفي قوله: «ولا تشركوا به شيئا»، النهي عن الإشراك به. والفرق بين الخبر والطلب في حقيقتهما وحكمهما معلوم لكل أحد. فالواجب على العباد إزاء خبر الله ورسوله التصديق والإيمان به، على ما أراد الله ورسوله، تصديقا لا تكذيب معه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. والواجب على العباد إزاء الطلب امتثاله، على الوجه الذي أراد الله ورسوله، من غير غلو ولا تقصير، فيقومون بالمأمور، ويجتنبون المحظور، كما قال تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾، وهذه توطئة لما سيأتي بعده من قواعد ومباحث ومسائل، وهي مختصرة من أصل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. قوله رحمه الله: «الكلام في التوحيد والصفات، والشرع والقدر»، كما تقدم، هذا من المباحث المهمة التي اضطرب فيها الناس، أولا، وثانيا، أن الناس يحتاجون إلى زيادة إيضاح وتثبيت فيها. فمن كان على سنة، يحتاج أن يزداد ثباتا، ليكون عنده الحمية ألا يدخل عليه الشر. ومن كان على ضلال، والاضطراب بسبب البيئة التي يعيشها، وعلماء السوء الضلال، فلذلك صدر بهذا الفصل، وهو عبارة عن إجمال قبل التفصيل، إجمال قبل التفصيل، كما أن القرآن كله أجمل في سورة الفاتحة، وفصل في السور بعده. فكذلك الكتاب أجمل بهذه المقدمة، وهذا الفصل الذي تناول الإشارة إلى أهمية مبحث التوحيد والصفات، والشرع والقدر. ثم ذكر رحمه الله تعالى بيان هذا المعنى، يعني التوحيد والصفات، الذي يتناول النفي والإثبات. والإثبات، وقد تقدم معنى النفي والإثبات، مثل: «لا إله إلا الله»، نفي الألوهية عما سوى الله، وإثباتها لله سبحانه وتعالى. ومثل الشيخ بقوله: مثال ذلك قوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم﴾. ففي قوله: «لا إله إلا هو»، إثبات التوحيد، وفي نفس الوقت، فيه نفي الألوهية عما سوى الله. ففيها نفي وإثبات. وفي قوله: «الحي القيوم»، إثبات كمال الصفات، توضيح وزيادة، تنزيه لله سبحانه وتعالى بما يستحقه من صفات الكمال، ونعوت الجلال جل وعلا. فالحي والقيوم هما من صفات الإله الذي يستحق التوحيد وحده لا شريك له. وفي قول الله سبحانه وتعالى: «لا تأخذه سنة ولا نوم»، من باب أولى أن ننفي الموت، من باب أولى أن ننفي العجز. فمن لا تأخذه سنة ولا نوم، من باب أولى ألا يكون عنده من النقائص المنافية للكمال. وهذا هو قوله: «نفي النقائص عن الله، المتضمن لإثبات الكمالات». فإنه لا يلحق شيء من النقص في وجه من الوجوه. وإذا نفي الأقل، فالأشد من باب أولى. وهذا هو قوله: «المتضمن لإثبات الكمالات»، الكمالات كمال الحياة الذي ينافيه السنة والنوم، وكمال القيوم الذي ينافيه العجز، إثبات كمال الصفات إلى آخره. ومع ما ذكر كذلك يتناول هذا إثبات طريقة أهل السنة والجماعة، لأن أهل السنة والجماعة يسيرون مع الدليل حيث صار، ولله الأسماء الحسنى، فدعوه بها. من أين لنا الأسماء؟ من الكتاب والسنة. من الكتاب والسنة. وهذا هو ما تقدم من أن علم أهل السنة والجماعة موروث، مأخوذ بالدليل، مأخوذ بالدليل. ولهذا دلل شيخ الإسلام بقوله: مثال ذلك قوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾، تدليلا على صحة ما عليه أهل السنة والجماعة. وأمر آخر كذلك، إثبات هذا يؤكد صحة ما عليه أهل السنة والجماعة من أنهم أهل حجة، وأهل حق، سنة. هذا من جهة المنقول. وهكذا كذلك، بكونها تقتضي إثبات الكمال لله عز وجل، وهذا من جهة المعقول. فأهل السنة والجماعة يثبتون لله ما يليق به من الكمال والجلال، بالمنقول والمعقول، بالمنقول الثابت، والمعقول كذلك الذي لا ينافيه شيء. وكذلك قوله: «وأما الكلام في الشرع والقدر»، فهو من باب الطلب، وسيأتي الكلام فيه. ثم بين الفرق بين الخبر والطلب. الخبر عن الله عز وجل كلها صدق وحق. والطلب هو الذي يراد منه العمل والتنفيذ. ولهذا يكون أمرا أو نهيا، كما ذكر: «الدائر بين الأمر والنهي». ومن تخلف عن الأمر، وكذلك اقتحم النهي، فهو العاصي. فإذا الناس مع الأمر والنهي، أو الطلب، بين ماذا؟ محبوب لله، أو مبغوض ومكروه عند الله، في شريعة الله، بحسب امتثالهم لهذا الأمر والنهي. من أين لنا أن نعرف من هو الذي يستحق أن يوصف بمحبوب الأمر والنهي؟ فهو الذي على الصواب، وهو المحبوب عند الله. ومن خالف ذلك، فهو على الخطأ والضلال، وهو المبغوض عند الله. وأدلة الكتاب والسنة بالجملة تدل على هذا. كما قال تعالى: ﴿تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا﴾، وقال: «كتاب الله وسنتي». وفي حديث ابن عباس: «نبي يرث عن نبي عند الحاكم بسندين صحيح». وفي حديث العرباض المشهور بالسنن الصحيح: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور». والحديث بل قول الله عز وجل: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾. ما هو الذي أنزل إلينا من ربنا؟ الكتاب والسنة. الكتاب والسنة. وهكذا كذلك مثل الشيخ على هذا بأمثلة. قال: مثال ذلك قوله: ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، هذا طلب بعبادة الله، ونهي عن الإشراك به. ثم بين الشيخ رحمه الله الفرق بين الخبر والطلب، أن هناك فرقا في الحقيقة والحكم. فالحقيقة: خبر المراد منه التصديق. ومن جهة الحكم كذلك، فأخبار الله عز وجل الواجب التصديق بها، والإيمان بكل ما جاء فيها. والأوامر أو الطلب، فإن كان أمرا أو نهيا، المراد منه الامتثال، الامتثال، كما تقدم، بفعل المأمور، واجتناب المنهي عنه. هذا ظاهر. ثم مثل الشيخ كذلك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَيْهِ﴾، إلى آخر الآية. وذكر بعض ما يدل على الاستجابة للطلب، من فعل المأمور، وترك المنهي عنه. كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. وتفصيله فيما بعده من آيات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، و﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾. فيه أن الناس، كما ذكر، أمام مع الطلب، إما أن يمتثل، وإما أن لا يمتثل. والامتثال يكون باعتدال. ولذلك الناس مع الأمر طرفان ووسط. فإما امتنع عنه بالكلية، وإما قصر عن بعضه. وهذا هو التساهل. ودين الله بين الغالي والجافي. وهذا هو قول سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. الوسط ليس بالعقول، ولكن بالشرع المنقول. وكذلك جعلناكم أمة وسطا. جاء بحديث بسند صحيح تفسيره: الوسط العدل، الخير. ذلك الخيرية باتباع الدليل، وعدم التأخر عنه، وفعله على أكمل وجوه وأحسنها. ومنها الخيرية مراعاة المصالح من المفاسد. الله عز وجل ما أمرنا إلا لأنه يريد الخير لنا. وما نهانا إلا ليدفع السوء عنا. فأوامره كلها رحمة وعدل. ونواهيه كلها كذلك منه فضل تفضل علينا، ليمنعنا مما يضرنا. ولم يتركنا على جهالتنا، وعلى أهوائنا وشهواتنا، بل أحكم أمرنا بشرع الله سبحانه وتعالى العادل. فإذا كان كذلك، فمن الخيرية أنه قد يتخلف فعل المأمور إذا وجد العارض. ولهذا من لم يستطع القيام في الصلاة، لأنه يصلي قاعدا. ومن لم يجد الماء، ينتقل إلى التيمم. وهذا من فعل المأمور. ومن لم يستطع للماء ولا التيمم، يصلي صلاة فاقد الطهورين. وكل هؤلاء ممتثلون للمأمور، لكن امتثالهم بحسب حالهم. وهذا من خيرية هذه الأمة، وامتثالها لأوامر الله عز وجل، حتى اجتناب المنهي عنه. كما حرم علينا الميتة، ولكن عندنا الضرورة، نأكل منها بقدر ما ندفع الضرورة. الضرورة تبيح المحظورة، ولكن بقيد، بشرط عدم نقصانها عنها. فهذه القواعد، وهذه الثوابت، تسير بنظام عظيم، وبالفقه عميق. من يعرف هذا؟ أهل العلم. أهل العلم يعرفون هذا، كما هو مضبوط في العبادات، وفي المعاملات، وفي الآداب والأخلاق. فكذلك مضبوط في باب العقائد. كذلك هو مضبوط في باب العقائد، بما هو أشد وأدق مما هو في باب العبادات والمعاملات. وهذا ما نبه عليه في المقدمة السابقة. وهذا الآن شيء من التفصيل، وهو من براعة الاستهلال، الدخول من إجمال إلى شيء من التفصيل في إجمال. وسيأتي بعده شيء من التفصيل الأكثر، من خلال المسائل والقواعد والضوابط التي ستأتي معنا إن شاء الله تعالى. نعم، كما قال رحمه الله: «فصل». لذا تبين ذلك، فها هنا أصلان. الأصل الأول في الصفات، وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله، إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل، كما جمع الله تعالى بينهما في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فقوله: «ليس كمثله شيء»، نفي متضمن لكمال صفاته، مبطلا لمنهج أهل التمثيل. وقوله: «وهو السميع البصير»، إثبات لأسمائه وصفاته، ويبطل لمنهج أهل التحريف والتعطيل. فنثبت ما أثبته الله لنفسه، وننفي ما نفى الله عن نفسه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكيف ولا تمثيل. وهذا هو المنهج السليم، الواجب، المبني على العلم والحكمة والسداد في القول والاعتقاد. وله دليل أثري ونظري. وإن شئت، فكل سمعي وعقلي. وأما الأثري السمعي، فمنه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فلأن القول في أسماء الله وصفاته من باب الخبر المحض، الذي لا يمكن للأقل إدراك تفاصيله، فوجب الوقوف فيه على ما جاء به السمع. قوله رحمه الله تعالى في هذا الفصل: «أنه هنا أصلان، الأصل الأول في توحيد الصفات». هذا شيء من التفصيل بعد الإجمال لما تكلمنا في الفصل الذي قبله، المبحث المتعلق بالصفات والتوحيد. ناسب أن ذكر هنا ما يتعلق بالتوحيد وتوحيد الصفات على وجه أخص. والقاعدة الأولى التي هي من القواعد المهمة، وذكرها شيخ الإسلام في الأصل، وذكرها الشيخ ها هنا في فصل خاص، هو ما قال عنه ها هنا: «أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله، إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل». ومعنى إثباتا بلا تمثيل: يعني أننا نثبت إثبات وجود، كما أننا نثبت لله ذاتا لا كالذوات. وهذا لا يختلف فيه أحد، على كثرة من ضل في باب الأسماء والصفات. فكذلك نثبت لله صفات لا كالصفات. هؤلاء الذين ظلوا في باب الأسماء والصفات، من الجعدية والجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية، تقال لهم: «هل تثبتون لله ذاتا؟» سيقولون: «نعم». «تثبتون إثبات وجود؟» سيقولون: «نعم». «لا كالذوات؟» سيقولون: «نعم». تقال لهم كذلك: «نقول في الأسماء والصفات: نثبتها لله عز وجل إثبات وجود، لا نحتاج معها إلى تمثيل، ولا إلى تعطيل». المراد بالتمثيل: أن نشبهه بالمخلوقين، أو نستلزم إثبات أو نقول: «إن إثبات يستلزم أن نشابه المخلوقين». وكلا الأمرين سبب للوقوع في ماذا؟ في التعطيل، وفي التمثيل. فلذلك نقول: «إثباتا بلا تمثيل». فكذلك نثبت لله أسماء وصفات لا كالأسماء والصفات. إنما نثبت إثبات ماذا؟ إثبات وجود. وهذا هو قول أئمة أهل السنة: «أمروها كما جاءت»، يعني أمروها كما جاءت. أثبتوها إثبات وجود، وتركوا قضية التعرض لذلك، لا بتمثيل، ولا بتعطيل. لا تعترضوا الدليل. لا تعترضوا الدليل. وقول: «تنزيها بلا تعطيل»: الإثبات واضح. التنزيه ما هو؟ التنزيه: أننا نثبت الشق الآخر. نحن قلنا أن هذا الدين قائم على نفي وإثبات. الإثبات هو ما جاءت به الأدلة، والنفي ما جاءت به الأدلة. فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، أين النفي؟ «ليس كمثله شيء». وأين الإثبات؟ «وهو السميع البصير». مثل: «لا إله إلا الله». فإن هذا الدين قائم على نفي وإثبات، تخلية وتحلية. فالإسلام تحلية، والكفر بما سواه تخلية. وإثبات كلمة التوحيد تحلية، ونفي ما ينافي التوحيد تخلية. وهذا هو النفي والإثبات. وهكذا نقول في باب الأسماء والصفات: «ليس كمثله شيء»، هذا هو التنزيه. لكنه تنزيه ماذا؟ بلا تعطيل. بلا تعطيل. يعني لا يجعلك يا أيها من ظل في باب الأسماء والصفات، حرسك على التنزيه، يوقعك في التعطيل. وهذا هو الذي بسببه ظلت هذه الطوائف فروا من التمثيل، فوقعوا في التعطيل. أرادوا التنزيه، فوقعوا في التعطيل. وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، الآية واضحة. ليس كمثله شيء، فنفى. ونزه الرب العظيم. وهو الذي أثبت أنه السميع البصير. إذن لا تعارض بين أول الآية وآخرها. لا تعارض بين أول الآية وآخرها. أما هؤلاء، فمنهم من أخذ الشقة الأولى من الآية، وهم من المعطلة. ومنهم من أخذ الشقة الثانية من الآية، وهم من الممثلة. والوسط الذي يحبه الله سبحانه وتعالى، وكذلك هنا، لفتة في قوله: «ليس كمثله شيء»، أشار الشيخ في شرحه أنها فسرت بالصفة والذات. ومثل على ذلك بأمثلة وأدلة، منه قوله جل وعلا: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾، يعني صفة الجنة، أو ذات الجنة. وغير ذلك مما أشار إليه، لأجل أن نعرف التفسير الصحيح للآية. وكذلك أشار الشيخ رحمه الله هنا إلى مسألة مهمة: أن أهل السنة والجماعة حين يثبتون ما هم عليه من الحق، يثبتونه بطريقين: الطريق الأثري، والطريق النظري، أو يقال: «العقلي» أو «المعقول». فهذا يكمل هذا. فأهل السنة يثبتون ما هم عليه بالدليل والتعليل. الدليل: أدلة الكتاب والسنة، والتي سبق بعضها: «ليس كمثله شيء»، و«السميع البصير»، ومثل: «ولله الأسماء الحسنى، فدعوه بها». فهذه أدلة عقلية، وتسمى سمعية، وتسمى أثرية. وكلها أوصاف لشيء واحد. أثرية: لأنها أثرت، نقلت بالأثر، كتابا وسنة. أو كلام سلف الأمة. وسمعية: لأنها مسموعة بالكتاب والسنة، وما نقل عن سلف الأمة. وهكذا منقولة، أي نقلت بما حفظ من دين الله عز وجل، من القرآن والسنة، وكلام سلف الأمة. وأما الطريق الثاني، وهو المعقول أو النظري، فهو التعليل لإثبات الصواب الذي عليه أهل السنة. وسيأتي معنا من هذه الأدلة ما يثبت هذين الطريقين. أما الأدلة الشرعية، فلا شك أن أهل السنة أعرف الناس بها، أدلة الكتاب، وصحيح السنة، وما نقل من آثار سلف الأمة. أما الأدلة العقلية، فسيأتي معنا كذلك: أن أهل السنة أحق بها، ممن يدعي من أهل الكلام. وهذه الأسس التي ضلوا بها. فهكذا أهل الحق هم أعلم الناس بالحق، وأرحمهم بالخلق. ومن معرفتهم للحق: أنهم يعرفونه بالدليل والتعليل. الدليل هو المنقول، والتعليل هو المعقول. ومن هذا المعقول ما ذكر في المنقول: أن التنزيه، نفي التشبيه، لا يعني نفي ما أثبته الله لنفسه، حتى لا يكون هناك تعارض بين أول الآية وآخرها. فنحن حين ننفي عن الله عز وجل التمثيل، لا يعني ذلك أننا نقع في التعطيل. ومن هذه النفق المعقول بالمنقول، لا تجد تعارضا. لكن من أخذ بالمنقول، وترك المعقول، يجد التعارض. ومن أخذ بالمنقول، وترك المعقول، يجد التعارض. فالذين وقعوا بأخذ الأول دون الثاني، هم الممثلة. والذين أخذوا بالثاني دون الأول، هم المعطلة. وأهل السنة جمع الله لهم بين الأخذ بالمعقول والمنقول، فلم يحصل التعارض بين المعقول والمنقول. وهذا كذلك من العدل الذي وفق إليه أهل السنة. وهكذا كذلك مما يذكر في هذا الباب: أنه لا ينبغي أن تعترض الأدلة. لا ينبغي أن تعترض الأدلة. بل ينبغي أن تتلقى بالقبول. ومن هذا الاعتراض: أن تضرب الأمثال الخاطئة. وذكر الشيخ الآية: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. كأن هذه الآية تخاطب من ضل في هذا الباب، من الممثلة أو المعطلة، لأن كل منهم ضرب مثلا به، ضل. ظنوا أن إثبات الأسماء والصفات يقتضي ماذا؟ التمثيل. ففروا من التمثيل، وهذا هو المثال الذي ضربوه، ووقعوا في ماذا؟ في التعطيل. والعكس: فإن الممثل فروا من التعطيل، ووقعوا في ماذا؟ في التمثيل. فضربوا لله الأمثال الخاطئة. وهكذا كذلك خاضوا فيما لا يجوز الخوض فيه، لأنه من الغيب. ولهذا أهل السنة والجماعة يقولون: «أمروها كما جاءت». أثبتوها إثبات وجود. ولا تعترض عليها، بلما وكيف. ولا تعترض عليها بشيء من الأمثال. وهذا هو قوله: «ولا تقف ما ليس لك به علم». ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. ومما يناسب ذكرها هنا: مقولة عظيمة للإمام مالك. إن سئل عن الرحمن على العرش استوى، كيف استوى؟ فأجاب بذلك الجواب الذي صار قاعدة في هذا الباب، بقوله رحمه الله: «الكيف غير معقول». فهنا الإشكال عند هؤلاء، حين سألوا ما لا يجوز السؤال عنه، لأنه من الغيب. سألوا ما لا يجوز السؤال عنه، لأنه من الغيب. وهذا هو قوله: «ولا تقف ما ليس لك به علم». الكيف غير معقول. لكنه هل معناه أنه غير موجود؟ هو موجود، لكن علمنا لا يستطيع الوصول إليه، لأنه من الغيب. والغيب ليس للإنسان أن يصل إليه. فلذلك كان سبب ضلال هؤلاء: خوضهم فيما لا يجوز الخوض فيه. فيدخل في قوله: «ولا تقف ما ليس لك به علم». ويدخل في قوله: «فلا تضربوا». لسبب الضلال: هو الاعتراض على ما لا يجوز الاعتراض فيه، مما هو من الغيب، الذي لا يجوز الخوض فيه. وهكذا كذلك من الكلام على الدليل للنظر العقلي: أن هذا الباب لا يمكن للعقل الوصول إليه. لماذا؟ لأنه من الغيب. إذا كنت لا تستطيع أن تصل إلى كنه بعض المخلوقات، وحقيقتها، فكيف بالله سبحانه وتعالى العظيم؟ فكيف بالله سبحانه وتعالى العظيم؟ فإذن، هذه قاعدة مهمة في باب النظر والعقل. وقاعدة أخرى: وهي أننا إذا أثبتنا كمالا لمخلوق، فمن باب أولى أن نثبته لخالق هذا المخلوق. أثبتت السمع والبصر للإنسان، واعتبرت عدم السمع والبصر نقصا وعيبا في المخلوق. فكيف تنفيه عن الله؟ هذا بدليل ماذا؟ وصلنا إليه بالمعقول، وبالدليل النظري. ولكننا نثبت السمع والبصر، ونثبت لله السمع والبصر، ونفي عدمهما عن الله، أجدى بماذا؟ بالنظر والعقل. إذ أننا نعتبر عدم وجود السمع والبصر في حق المخلوق: نقصا. فكما نزهنا ذلك عن المخلوق، ينبغي أن ننزه عنه الخالق. فإذن، القاعدة: كل كمال في المخلوق، الله عز وجل أولى به. وكل نقص في المخلوق، الله سبحانه وتعالى منزه عنه، من باب أولى. لأنه الخالق سبحانه وتعالى. هذا بالدليل النظري والعقلي. وهل يؤيدها ويعارضها الدليل النقلي والسمعي؟ يؤيدها. إذن فاز أهل السنة بالدليلين: السمعي، وكذلك العقلي. والأثري، والنظري. فهاتان قاعدتان مهمتان، ينبغي الوقوف عندها، لمعرفة صحة الطريق أهل السنة والجماعة. نعم، والجمع بين النفي والإثبات في باب الصفات هو حقيقة التوحيد. وذلك لأن التوحيد مدار واحد، يوحد. ولا يمكن صدق حقيقته إلا بنفي وإثبات. لأن الاقتصار على النفي المهضي تعطيل محض. والاقتصار على الإثبات المهضي لا يمنع المشاركة. مثال ذلك: لو قلت: «ما زيد بشجاع»، فقد نفيت عنه صفة الشجاعة، وعطلته منها. ولو قلت: «زيد شجاع»، فقد أثبت له صفة الشجاعة، لكن ذلك لا يمنع أن يكون غيره شجاعا أيضا. ولو قلت: «لا شجاع إلا زيد»، فقد أثبت له صفة الشجاعة، ونفيت أن يشاركه غيره فيها. فكنت موحدا له في صفة الشجاعة. إذن لا يمكن توحيد أحد بشيء إلا بالجمع بين النفي والإثبات. واعلم أن الصفات الثبوتية التي وصف الله بها نفسه كلها صفات كمال. وال