الدرس في شرح كتاب تقريب التدمرية للشيخ العثيمين 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش أصول التعامل مع صفات الله تعالى، ويبين ضرورة الاتساق في إثبات أو نفي الصفات. يشدد على أن إثبات الصفات يجب أن يكون بلا تمثيل أو تعطيل.
يشرح موقف السلف من الصفات الإلهية، ويبين أن الإيمان بها يجب أن يكون كما جاء في النصوص الشرعية دون سؤال عن الكيفية. يعتبر السؤال عن الكيفية بدعة.
يتناول الطرق الخاطئة في فهم الروح كما سلكها المتكلمون والفلاسفة، ويبين أن الطريق الصحيح هو ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم والكتاب والسنة.
يختم الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويشكر الحضور، ويعد بمتابعة الدروس في المستقبل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مواصلة في مجالسنا، العلامة الفقيه محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله تعالى، تقريب التدمرية. نعم، بسم الله الرحمن الرحيم. النصوص على ظاهرها على الوجه اللائق بالله عز وجل، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكيف ولا تمثيل. ويتبين هذا بأصلين ومثلين وخاتمة. فأما الأصلان، فأحدهما: أن يقول لمن يثبت بعض الصفات دون بعض، القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر. مثال ذلك: إذا كان المخاطب يثبت لله تعالى حقيقة الإرادة وينفي حقيقة الغضب، ويُفسره إما بإرادة الانتقام وإما بالانتقام نفسه، يثبت من حقيقة الغضب. فإن كان إثبات حقيقة الغضب يستلزم التمثيل، فإثبات حقيقة الإرادة يستلزم التمثيل في أحدهما كالقول في الآخر. وعلى هذا يلزمك إثبات الجميع أو نفي الجميع. فإن قال: لا تمثل إرادة المخلوق، فإن قال: هذه إرادة المخلوق، وإما إرادة الله فتلق به. فإن قال: والغضب بالمعنى الذي قلت غضب المخلوق، وأما غضب الله فيليق به. وهكذا القول في جميع الصفات التي نفاها، يقول له فيها ما يقوله هو فيما أثبته. الأصل الثاني: أي قال لمن يكذب بذات الله تعالى ويم الله تعالى ويمثل في صفاته أو ينفيها، القول في الصفات كالقول في الذات. يعني أن من أثبت لله تعالى ذاتا لا تمثل ذوات المخلوقين، كذلك ينبغي أن يثبت له صفات بلا تمثيل. ويخاطب بهذا الأصل أهل التمثيل وأهل التعطيل من المعتزلة ونحوهم. فيقول لأهل التمثيل: ألستم تثبتون ذاتا لله بلا تمثيل؟ فأثبتوا له صفات بلا تمثيل. ويقول لأهل التعطيل من المعتزلة ونحوهم: ألستم تقولون بوجود ذات؟ فكيف استواءه؟ فيقول له: القول في الصفات كالقول في الذات. فإن استوى على عرشه، يلزمه أن يقر باستواء حقيقي غير مماثل لاستواء المخلوقين، ولا معلوم الكيفية، كما أقر بذات حقيقية غير مماثلة لذوات المخلوقين، ولا معلومة الكيفية. والسؤال عنه بدأ. فقوله: الاستواء معلوم، أي معلوم المعنى في اللغة العربية التي نزل بها القرآن. كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾، وقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾، ثم تذكر نعمة ربك. كيفية لا نعلمها. وقوله: والكيف مجهول، أي أخبرنا أنه استوى على عرشه، ولم يخبرنا كيف استوى. والثاني: أن العلم بكيفية الصفة فرع عن العلم بكيفية الموصوف، وهو الذات. فإذا كنا لا نعلم كيفية ذات الله، فكذلك لا نعلم كيفية صفاته. والثالث: أن الشيء لا تعلم كيفيته إلا بمشاهدته أو مشاهدة نظيره أو الخبر الصادق عنه. وكل ذلك منتف في استواء الله عز وجل على عرشه. وهذا يدل على أن السلف يثبتون للإستواء كيفية، لكنها مجهولة لنا. وقوله: والإيمان به واجب، أي أن الإيمان به واجب. فجتمع في خبره كمال العلم وكمال الصدق وكمال الإرادة وكمال الفصاحة والبيان، فواجب قبوله والإيمان به. وقوله: والسؤال عنه، أي عن كيفيته، بدعة. لأن السؤال عنها لم يعرف في أحد من النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفائه الراشدين، وهو من الأمور الدينية. فكان إيراده بدعة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هلك المتنطعون". وهذا القول الذي قاله مالك وشيخه ربيعة في صفة نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا، وغيره من الصفات، إنها معلومة المعنى مجهولة الكيفية، وإن الإيمان بها على وجه المراد بها واجب، والسؤال عن كيفيتها بدعة. المثال الأول: نعيم الجنة. فقد أخبر الله تعالى أن في الجنة طعاما وشربا ولباسا وزوجات ومساكن ونخلا ورمانا وفاكهة ولحما وخمرا ولبنا وعسلا وماء وحلية من ذهب ولؤلؤ وفضة وغير ذلك. وقد قال: حق على حقيقته، وهو في الإسم موافق لما في الدنيا من حيث المعنى، لكنه مخالف له في الحقيقة. أما موافقته لما في الدنيا في المعنى، فلأن الله ما فهمنا ولا عقلنا. وأما مخالفته له في الحقيقة، فقوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْرِي نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "كان اتفاقها مع ما في الدنيا من الأسماء لا يستلزم اتفاق المسميات في الحقيقة، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله". فإن مباينة الخالق للمخلوق أعظم وأظهر من مباينة المخلوق للمخلوق. وقد انقسم الناس في هذا المقام إلى ثلاث فرق. الفرقة الأولى: السلف والأئمة وأتباعهم، آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر. والفرقة الثانية: طوائف من أهل الكلام، يؤمنون بما أخبر الله به عن اليوم الآخر من الثواب والعقاب، وينفون كثيرا مما أخبر الله به عن نفسه. والفرقة الثالثة: لا يؤمنون بما أخبر الله به عن نفسه ولا عن اليوم الآخر، بل ينكرون حقائق هذا وهذا. فمذهبهم فيما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر أنه تخيل لا حقيقة له. وأما في الأمر والنهي، فكثير منهم يجعلون للمأمورات والمنهيات تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها. المثال الثاني: الروح التي بها الحياة، وهي أقرب شيء إلى الإنسان، بل هي كيان الإنسان. وقد وصفت في النصوص بأنها تقبض من البدن وتصعد به إلى السماء وتعود إلى البدن. إلا ما علم عن طريق الوحي. وطرب فيها طرابا كثيرا لكونهم لا يشاهدون لها نظيرا. وإذا من أهل الفلسفة وصفوها بأمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود. فقالوا: لا هي داخل البدن ولا خارجة، ولا مداخلة لها ولا مباينة، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط. كما يسفون بذلك الخالق الواجب الوجود. فإذا قل لهم: إثبتوا هذا القول ممتنع في العقل ضرورة. قالوا: هذا ممكن بالدليل. أن القليات ممكنة موجودة، وهي غير مشار إليها. وقد أشياء في الخيال لا يمكن وجودها في الخارج. كأن يتخيل كأن يتخيل ارتفاع النقيضين أو اجتماعهما مع أن هذا ممتنع. وأعلم أن الطراب المتكلمين والفلسفة في الروح كثير، وله سببان: أحدهما قلة بضاعتهم مما جاء به الوحي في صفاتها. والثاني: أنهم لا يشاهدون لها نظيرا. فالروح ليست من جنس هذا البدن، ولا من جنس العناصر والمواد منها. وإنما من المشهودة. وجعلها المتكلمون من جنس الأجسام المشهودة. فطريق الفلسفة فيها تعطيل، وطريق المتكلمين فيها تمثيل. وكل الطريقين خطأ. والصحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الروح إذا كنهها وحقيقتها كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وبهذا نعرف أن الله عز وجل وفق أهل السنة وأهل الدليل لأكمل طريق وأحسن مسلك. لأنهم وفقوا لطريق السلف الصالح، طريق الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة. وبهذا القدر نكتفي، وإلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. ونكمل إن شاء الله في درس لاحق. وجزاكم الله خيرا.