شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 39

شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 39

الدرس في شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 39، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

شرح كتاب الاعتكاف: فضله وأحكامه

يستهل الشيخ عبد الرحمن بن مرع العدني شرح باب الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان مستدلاً بالآيات والأحاديث النبوية التي تبين مشروعيته في الأمم السابقة وقيام النبي صلى الله عليه وسلم به، ويعرف الاعتكاف لغةً وشرعاً، مبيناً أنه سنة مؤكدة ليست واجبة إلا بالنذر، ويجوز قطعها بغير حرج، وأن مقصودها الخلوة بالله والإقبال على الطاعات المتنوعة.

أحكام الاعتكاف: مدته ومكانه وترجل الحائض

بيّن الشيخ أنه لا حد لأكثر الاعتكاف واختلف في أقله، والراجح جوازه في القليل والكثير، وشرطه الكينونة في المسجد، ونهى عن نية الاعتكاف بمجرد لبثه في المسجد. ثم شرع في شرح باب ترجل الحائض رأس المعتكف مستدلاً بحديث عائشة، مبيناً جواز النظافة والتجمل للمعتكف، وردّ الرهبانية المبتدعة وما تشبه بها الصوفية من ترك النظافة والتعبد بالجهل.

أحكام خروج المعتكف من المسجد ووجوب البقاء

يشرح المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يخرج من المسجد أثناء الاعتكاف إلا للضرورة كقضاء الحاجة، وأن إخراج رأسه لتسريح شعره يدل على اشتراط البقاء في المسجد لصحة الاعتكاف. كما يبين أن الخروج لغير ضرورة لا يأثم به المعتكف لكن يفوت عليه أجر الاعتكاف الكامل، ويجوز الصعود لسطح المسجد المسور لأنه يعتبر من المسجد.

التنظف والطهارة للمعتكف

يُعرّف الغسل بأنه الماء المستعمل في الاغتسال والفعل نفسه، ويُبيّن أن للمعتكف حق التنظف بأنواع الطهارة كالأغسال، والتطيب، والاستياك، وتقليم الأظفار، وترجيل الشعر، وغير ذلك من مظاهر النظافة.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم لكم شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب الاعتكاف. قال: باب الاعتكاف في العشر الأواخر، واعتكاف المساجد كلها، لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾. وقال أيضا: ﴿ وَإِذْ عَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾. قال رحمه الله: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، قال: حدثني ابن وهب، عن يونس، أن نافعا أخبره عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان. قال: حدثنا عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده. وقال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فاعتكف عاما حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه، قال: «من اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، فقد أريت هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، فالتمسوها في كل وتر». فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد، فأبصرت عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبينه أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين. نعم، هذا الباب أو هذا كتاب الاعتكاف، وذكر أبوابا عدة في هذا الكتاب. والاعتكاف من العبادات العظيمة والجليلة التي شرعها الله سبحانه وتعالى لعباده، وهي من العبادات التي قد شرعها الله عز وجل في الأمم المتقدمة، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَإِذْ عَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾. هذا يدل على أن هذه العبادة، وعبادة الاعتكاف، كانت مشروعة في الأمم المتقدمة، فليست هي خاصة بهذه الأمة. والاعتكاف لغة بمعنى الحبس واللزوم. ﴿ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾ بمعنى الحبس والمكوث واللزوم، سواء حبس نفسه وأقام على خير أو على شر. قال الله عز وجل: ﴿ فَمَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ﴾. وقال: ﴿ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ ﴾. وفي الآية الثالثة: ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ ﴾. فالعكوف والعقوف بمعنى الإقامة والحبس. «محبوسا» أي ملزوما. وأما في الشرع فهو الإقامة في المسجد للتعبد لله سبحانه وتعالى. وهذه العبادة عبادة عظيمة وجليلة شرعها الله عز وجل لأجل أن يخلو العبد بربه، ويتلذذ بذكره ومناجاته، وتنويع العبادات في هذا الاعتكاف. فيشرع عليه أن يشتغل بأنواع من العبادات: مثل الصلاة، مثل تلاوة القرآن، مثل الدعاء، مثل التوبة، مثل الاستغفار. وكما ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله أن الفوز والسعادة -معنى كلامه- يكون بالإقبال على الله سبحانه وتعالى. ولهذا شرع الله عز وجل مجموعة من العبادات التي تعين على جمع القلب على الله والإقبال على ربنا سبحانه وتعالى. فهناك أمور تعيق عن الإقبال على الله عز وجل، من ذلك فضول الطعام والشراب، فلهذا شرع الله سبحانه وتعالى الصوم ليخفف من هذه الفضلات. فضول الطعام والشراب والشهوات أيضا مما يؤدي إلى الانشغال عن الإقبال على الله سبحانه وتعالى. فضول المجالس وفضول الكلام، فلهذا شرعت هذه العبادة الاعتكاف لأجل الخلوة مع الله سبحانه وتعالى. فإذا عرف أن نعته ذلك، فإنه يستغل فرصة الاعتكاف بالإقبال على الله، والانفراد والخلوة، والبعد عن كثير من المجالس التي تعيق المعتكف عن حصول المقصود من هذه العبادة، وهي الخلوة والطاعة، عن الخلوة والإقبال على الله سبحانه وتعالى وحده. قال: باب الاعتكاف في العشر الأواخر. الاعتكاف عبادة من العبادات الجليلة، والاعتكاف سنة مستحبة، متأكد استحبابها. والدليل على قيام الاعتكاف سنة: قوله عز وجل: ﴿ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾، مدح له. وهذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يعتكف في كل رمضان في العشر الأواخر منه، ويعتكف أزواجه معه، ثم بعد وفاته اعتكف أزواجه بعده عليه الصلاة والسلام. فهذا يدل على أنه عبادة مشروعة، متأكد استحبابها. فهي ليست واجبة إلا على من نذر، على من نذر أن يعتكف في هذا الشهر أو في هذا العشر، فإنه واجب عليه لأجل نذره. ولا يجب بمجرد الشروع فيه، من دخل في الاعتكاف ثم بدا له أن يقطع لأمر عرض له، فلا بأس أن يقطع الاعتكاف، فإنه لا يجب بمجرد الشروع فيه. لا يجب بمجرد الشروع فيه، خلافا لبعض أهل العلم. بل هو مستحب في أوله وفي أثنائه وفي آخره، له أن يقطعه ولا شيء عليه. لو أن يقطعه ولا شيء عليه. فالاعتكاف سنة مستحبة، وفعلها السلف الصالح. قال: في العشر الأواخر. يعني لا خلاف بين أهل العلم أنه لا حد في أكثر الاعتكاف، لو أن يعتكف يوما أو يعتكف عشرة أيام أو يعتكف شهرا أو أكثر، لا خلاف بين أهل العلم في أنه لا حد لأكثره. لكن اختلفوا في أقله، ما هو أقل الوقت الذي لا بأس بالاعتكاف فيه؟ منهم من قال: يوم وليلة. ومنهم من قال: يوم. هل هناك فرق بين قول الأول والثاني؟ منهم من قال: يوم وليلة يعني 24 ساعة. ومنهم من قال: يوم، يوم كامل، يعني من الصباح من الفجر إلى غروب الشمس. ومنهم من قال غير ذلك. لكن الراجح أن الاعتكاف يصح في القليل والكثير لعموم الآية: ﴿ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾. لكن أفضل الاعتكاف هو اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم، أنه اعتكف في العشر الأواخر من رمضان، وهو أفضل الاعتكاف. أما ما عداه فلا يدل على أنه لا يصح. لا بأس، دخل المسجد يريد أن يعتكف من الفجر إلى الظهر، لا بأس. اعتكف يعني من المغرب إلى الفجر، لا بأس. لكن هذا الذي يفعله بعض الناس، أنه ينوي من خروجه من بيته في غير رمضان أنه ينوي الاعتكاف مدة لبثه في المسجد، هذا غير مشروع، كما نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قال: «لا ينوي الاعتكاف مدة لبثه في المسجد». معناه أن هذا غير مشروع، وأن هذا لم يكن من هدي السلف. لأن تجد في بعض مساجد يعني الصوفية أو جماعة التبليغ ونحو هؤلاء، تجد لوائح: «نويت اعتكاف، اعتكافي في مدة لبثي في المسجد». رأيت في بعض المساجد مثل هذه اللوحات، كأنهم يذكرون الناس أنه بمجرد حضورهم للصلاة ينوي الاعتكاف حتى يكون في عبادة. هذا ليس من هدي النبي، ولم يكن من هدي السلف أنهم يفعلون ذلك. قال: اعتكاف في المساجد كلها. يعني فيه دلالة على ترجيح الإمام البخاري رحمه الله أن الاعتكاف محله المسجد. هذا هو الراجح من أقوال العلم، وهو قول عامة أهل العلم: أن من شرط الاعتكاف الكينونة في المسجد، لأن الله يقول: ﴿ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾. ووجه الدلالة من الآية: أن الله قال: ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾. ومعلوم أن الجماع ينافي الاعتكاف، فلولا أن المسجد شرطا في صحة الاعتكاف، لما خص الله عز وجل النهي عن المباشرة في المسجد. لكن لما كان الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد، قال الله: ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾. فشرط الاعتكاف يكون في المسجد. لكن ما هو المسجد الذي يعتكف فيه؟ هل لا يعتكف إلا في المساجد الثلاثة: مسجد مكة، والمدينة، أو بيت المقدس؟ أو لا يعتكف إلا في مسجد تقام فيه الجمعة والجماعة؟ ذكروا أقوالا، والراجح أنه يصح الاعتكاف في كل مسجد، في كل مسجد. والأفضل في المسجد الذي يعتكف فيه أن يكون تقام فيه الجماعات والجمعة، لأن المعتكف يحتاج إلى أن يخرج لأجل الجمعة، فالأفضل أن لا يعتكف إلا في مسجد تقام فيه الجمعة. ويصح أن يعتكف في مسجد لا تقام فيه الجمعة، لكن لو جاء وقت الجمعة فعليه أن يخرج ويصلي صلاة الجمعة في المسجد الذي تقام فيه الجمعة. وبقيت مسائلنا الفرصة في الدرس القادم إن شاء الله. إلى هنا والحمد لله، لا إله إلا الله ولا شريك له، أشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه على آله وصحبه وسلم كثيرا. وما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الاعتكاف: باب الحائض ترجل رأس المعتكف. قال: حدثنا محمد بن مثنى، قال: حدثنا يحيى، عن هشام، قال: أخبرني أبي، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يضع إلي رأسه وهو مجاور في المسجد فيرجله، وأنا حائض. هذا باب: الحائض ترجل رأس المعتكف. ما معنى الترجيل؟ الترجيل هو تسريح الشعر. الترجيل بمعنى تسريح الشعر. واستدل بحديث عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يضع إلي رأسه وهو مجاور. مجاور أي معتكف، من ألفاظ الاعتكاف الجوار، يقال: جاور بمعنى اعتكف. فيرجله، وأنا حائض. أرجله بمعنى أسريح رأسه. فيه دلالة على طهارة بدن الحائض، وأن النجاسة إنما هو الدم وما أصابه الدم، وعما سوى بدنها فهو طاهر على أصل الطهارة. وفيه أنه لا بأس للمعتكف أن يسرح رأسه، وأن يتنظف، وأن يقلم أظفاره، وأن يغتسل، وأن يتطيب، وأن يستاك، وأن يزاول جميع الأمور التي يحتاج إليها مما تكون فيها نظافة. فالاتكاف والانقطاع إلى مناجاة الله سبحانه وتعالى والخلوة بالله عز وجل، ولا يعني ذلك أن الإنسان يبقى قذرا. لا، هذا لا ينافي الاعتكاف، بل النظافة مشروعة، مطلوبة من المسلم في جميع أحواله. فلا رهبانية في الإسلام في ديننا، ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله. فعباد النصارى يظنون أنهم لا يكونون عبادا إلا بأن يذروا بأنفسهم، ويوقعوا أنفسهم فيما لا يرضي الله سبحانه وتعالى من ترك شعورهم وعدم الاعتناء بها، من مجاورة المقابر، من الأكل من القاذورات والقمائم، من التوحش كالوحوش، يمشون على أيديهم وأرجلهم، ويعيشون في الصحاري والبراري، ويتنزعون عن أكل اللحم أو أكل ما لذ من الطعام أو مس الماء وغير ذلك. وورث عن عباد النصارى هذه العادات السيئة وهذه الرهبانية المرفوضة كثير من عباد الصوفية، وهذا كله مرفوض من ديننا. فالنبي صلى الله عليه وسلم مع أنه في عبادة جليلة وهي الاعتكاف، ومع ذلك كان يخرج رأسه من المسجد لتقوم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بتسريحه وتنظيفه. فلعل من يعمل هذا من المعتكفين بحضرة الناس، يعني قال: هذا ما عنده روح الاعتكاف، الناس في عبادة اعتكاف ويسرح شعره. لا، هذا لا ينافي الاعتكاف، فالتقوى محلها القلب، وهذه الأمور لا تنافي الاعتكاف. قال: باب لا يدخل البيت إلا لحاجة. قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ليث، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن، أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل البيت إلا لحاجة، إذا كان معتكفا». أراد أن يصنف رحمه الله بهذه الترجمة أن يبين ما هي الأمور التي لأجلها يخرج المعتكف من اعتكافه. قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل البيت، وهو في المسجد فيرجله. هذا فيه دلالة على قيام المسجد شرطا في صحة الاعتكاف. ووجه الدلالة: أنه لو جاز للمعتكف أن يخرج، لخرج لأجل ترجيل شعره وتسريحه، ولم يكتف بإخراج بعض بدنه. الآن انظروا هذه الكلفة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، أنه في المسجد وبيوت أزواجه ملاصقة للمسجد، فكان يخرج رأسه وبقية بدنه في المسجد لتقوم أم المؤمنين بتسريحه. لولا أن البقاء في المسجد شرط في صحة الاعتكاف، لما تكلف النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفعل، ولا خرج بجميع بدنه، وهذا يعسر على عائشة في تسريحه، ويعسر عليه أن لا يتعب بإخراجه ومد رأسه إلى خارج المسجد. لكن لما كان المسجد هو محل الاعتكاف، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يخرج، وإنما أخرج جزءا من بدنه ورأسه لتقوم عائشة بتسريح شعره. فهذا يدل على أن المسجد شرط لصحة الاعتكاف، لا يصح الاعتكاف إلا في المسجد. وعما بالنسبة لظهر المسجد وضاحية المسجد، فكما ذكر أهل العلم أنه يعتبر من المسجد. ظهر المسجد هذا يعتبر من المسجد لعموم الآية: ﴿ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾. لا بأس للإنسان أن يطلع في سطح المسجد، لكن الأولى له -لأن المقصود من الاعتكاف هو الخلوة- أن لا يطلع على سطح المسجد، ليس مسقوفا، يعني من طلع ممكن ينشغل بالنظر إلى الآتي والذاهب والمناظر والسيارات والحركة وأنواع الطيور وغير ذلك، فيتشغل. لكن لو احتاج أن يطلع لحاجة، أو شعر بملل أو بفتور، وأحب أن يطلع على سطح المسجد، فسطح المسجد من المسجد أيضا. ضاحية المسجد بشرط أن تكون مسورة، بشرط أن تكون مسورة، هذه تعتبر تبعا للمسجد. فالخروج إلى السطح أو المساجد التي عليها سطح ومسور لا بأس. أما الساحة التي أمام المسجد وهي غير مسورة، هذه ليست من المسجد. لكن مثل مسجدنا يعني هنا السطح مصلى ومسور، فهذا تبع المسجد، الخروج إلى السطح لا ينافي الاعتكاف. قالت: وهو في المسجد فيرجله. وفي عناية النبي صلى الله عليه وسلم بشعر رأسه أنه كان يسرح ويعتني به. قالت: وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا. هذا هو الشاهد من الحديث. وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا. للحاجة، المراد بالحاجة هنا: البول والغائط. فلا بأس بالمعتكف أن يخرج خارج المسجد لأجل قضاء حاجته من البول والغائط. وهكذا ما كان في معناه من الأمور الضرورية. احتاج إلى أن يتعالج، يطلب الدواء أو يطلب الطبيب وهو خارج المسجد، لا بأس. احتاج إلى أن يأتي بالطعام، ليس هناك من يأتي له بالطعام، فيذهب إلى بيته ليأتي بالطعام أو إلى المطعم، لا بأس. احتاج إلى مزاولة أي أمر ضروري، هذا لا بأس. فالضرورات لا بأس، يعني لا تنافي الاعتكاف. وما عدا هذه الضرورات، الأصل فيها المنع. الأصل فيها المنع. ما معنى المنع؟ ليس معنى المنع أن من ارتكب يعني خلاف هذا المنع أنه يصير آثما. يعني مثلا: لا يجوز الخروج، يعني يقال: لا يخرج المعتكف إلا لضرورة. فمن خرج لغير ضرورة، هل يكون آثما؟ الجواب: لا، لا. لأن أصل الاعتكاف سنة مؤكدة، لكن فعله ينافي الاعتكاف، فلا يكون آثما. من اعتكف وصار تساهل، يخرج إلى أماكن يعني لا يسمح للمعتكف بالخروج إليها، فلا يكون آثما، لكن يفوت على نفسه أجر اعتكافه الكامل. فهذا التركيب: «كان لا يدخل البيت إلا لحاجة» يدل على أن المعتكف ممنوع من جميع أنواع الخروج إلا لضرورة. فلا يخرج لزيارة مريض، ولا يخرج لشهود جنازة، ولا يخرج لأي أمر من الأمور إلا للأمور الضرورية، والأمور التي ثبت في السنة فعلها. يعني حديث صفية أنها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تزوره ليلا، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم معها ليوصلها إلى بيتها. هذه شبه ضرورة، يعني المرأة تأتي في الليل ويخاف عليها، فيوصلها إلى بيتها، لا بأس. والخروج لغير ذلك، فهذا التركيب يدل على المنع. كل ما اختلف فيه العلماء: هل يجوز للمعتكف أن يخرج لأجله أو لا يخرج؟ الأصل فيه المنع، الأصل فيه المنع، إلا في الأمور الضرورية. ثم أخيرا نقرؤه قراءة. قال: باب باب غسل المعتكف. قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يباشرني وأنا حائض، وكان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف فأغسله، وأنا حائض. كأنه بالظاهر غسل. الغسل هو الماء الذي اغتسل به، والغسل هو الفعل، فعل الاغتسال. فهذا فيه الدلالة، كما تقدم، للمعتكف أن يتنظف بأنواع الطهارة، والغسل، والتطيب، والاستياك، والتنظف، وتقليم الأظفار، وترجيل الشعر، وغير ذلك. نكتفي بهذا القدر. اللهم اغفر لنا، والحمد لله. اشتركوا في القناة.