كتاب الحج 31

كتاب الحج 31

الدرس في كتاب الحج 31، الدرس الحادي والثلاثون : من : ( الحديث الحادي والعشرين بعد المائتين ... فتكون سنة فات محلها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح حديث الرمل وتفسيره

يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمر فيه بالرمل في الأشواط الثلاثة الأولى من الطواف حول الكعبة، مع تفسير معاني الكلمات الغريبة في الحديث. الحديث يرويه عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم.

معنى الرمل في الطواف وأسبابه

الرمل في الطواف يعني الإسراع في الأشواط الثلاثة الأولى حول الكعبة، وكان النبي وأصحابه يفعلون ذلك إظهارًا لقوتهم وردًا على سخريات كفار قريش، بينما كانوا يمشون رفقًا بين الركنين.

حكم الرمل وتطبيقه في الطواف

الرمل سنة مستحبة للرجال في طواف القدوم، وليس خاصًا بعمرة القضاء، ويختص بالرجال دون النساء؛ لأنه مطلوب منهن التستر. إذا فات الشخص الأشواط الثلاثة الأولى، فلا يقضيها لأنها سنة وليست واجبة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الحادي والعشرون بعد المائتين، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه مكة، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولن يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره لأحاديث كتاب الحج، وأقرب الألفاظ إليه هو ما ذكره البخاري رحمه الله في حديث 1602، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد -وهو ابن زيد- عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه مكة، فذكر الحديث. غير أنه في هذا الموضع خالف في موضعين في لفظه، وذلك في قوله: «قد وهنتهم حمى يثرب»، ففي هذا الموضع في البخاري قال: «قد وهنهم حمى يثرب» بدون التاء، وفي قوله: «ولن يمنعهم أن يرملوا»، قال في هذا الموضع في البخاري: «ولم يمنعه» بدون الميم «أن يأمرهم أن يرملوا». وبه نعرف أنه بهذا اللفظ الذي ذكره المقدسي رحمه الله ليس موجودًا لا في البخاري ولا في مسلم، لكن أقرب الألفاظ إليه ما سمعتم، مع اختلاف في هذين الموضعين. قال الشارح رحمه الله تعالى: الغريب: «وهنتهم» بتخفيف الهاء، أي: أضعفتهم. وقد رويت في هذه اللفظة ثلاث روايات: رويت «وهنتهم» بالتاء، بمعنى أضعفتهم، ورويت «وهنهم» كذلك، بمعنى أضعفهم، ورويت كذلك بالتشديد «وهنتهم»، بمعنى زادتهم ضعفًا فوق ضعفهم. قال: «يثرب» من أسماء المدينة النبوية في الجاهلية، يعني: كانت تسمى يثرب. قال ثالثًا: أن يرملوا، بضم الميم، الرمل: والإسراع في المشي مع تقارب الخطا، هذا معنى الرمل في اللغة، وهو كذلك في الشرع: الإسراع في المشي مع تقارب الخطا، ليس جريًا ولا مشي عادي، ولكنه مشي فيه شيء من السرعة. قال رابعًا: الأشواط، بفتح الهمزة، جمع شوط، بفتح الشين، وهو الجولة الواحدة إلى الغاية، أي غاية كانت، يسمى في اللغة شوطًا. والمراد هنا الطوافة حول الكعبة، فمن الحجر إلى الحجر، أي: من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود شوط، وهكذا إذا رد مرة أخرى شوط ثاني، وهكذا. قال خامسًا: «الإبقاء عليهم»، بكسر الهمزة، والمج الرفق بهم والشفق عليهم. قال: المعنى الإجمالي: جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سنة ست من الهجرة إلى مكة معتمرًا، ومعه كثير من أصحابه، وذلك في الحديبية في ذي القعدة، قال: فخرج لقتالهم، وصده عن البيت كفار قريش، فحصل بينهم صلح، وهو الذي سمعتم: صلح الحديبية، من مواده أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يرجعون هذا العام، ويأتون في العام القابل معتمرين، ويقيمون في مكة ثلاثة أيام. فجاءوا في السنة السابعة، وهي التي تسمى بعمرة القضاء أو عمرة القضية، وهو الذي وقع في هذا الحديث: حديث عبد الله بن عباس، فإنه كان في السنة السابعة، قال: لعمرة القضاء. فقال المشركون بعضهم لبعض تشفيًا وشماتة -يعني بالنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه-: إنه سيقدم عليكم قوم قد وهنتهم وأضعفتهم حمى يثرب؛ لأن المدينة -كما مر معنا- كانت مشتهرة بوباء فيها، من أتاها من الغرباء أصيب بالحمى، فكانت أرض موبوءة -يعني: فيها وباء- ولكن دعا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تنتقل الحمى إلى الجحفة فانتقلت. قال: فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم مقالتهم، أراد أن يرد قولهم ويغيظهم، فأمر أصحابه أن يسرعوا إلا فيما بين الركن اليماني والركن الذي فيه الحجر الأسود، فيمشوا رفقًا بهم وشفقة عليهم، حين يكونون بين الركنين لا يراهم المشركون الذين تسلقوا جبل «قعيقعان» لينظروا إلى المسلمين. فكان المشركون في جهة الحجر المسمى «بحجر إسماعيل»، فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا ظهروا إلى جهة المشركين أسرعوا، وإذا اختفوا خلف الجدار المعاكس ما بين الركنين أبطأوا؛ لينظروا إلى المسلمين وهم يطوفون، فغاظهم ذلك حتى قالوا: «إنهم إلا كالغزلان» -يعني نشاطًا وقوة-. قال: فكان هذا الرمل سنّة متبعة بطواف القادم إلى مكة، تذكرًا لواقع سلفنا الماضين، وتأسيا بهم في مواقفهم الحميدة ومصابرتهم الشديدة، وما قاموا فيه من جد الأعمال لنصرة الدين وإعلاء كلمة الله. رزقنا الله اتباعهم، واقتفاء أثرهم. وسيأتي معنا إن شاء الله مسألة استمرار هذه السنة: هل هي سنة أم فقط لذاك السبب؟ قال: ما يؤخذ من الحديث: أولًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رملوا في الأشواط الثلاثة الأولى، ما عدا بين الركنين، فقد رخص لهم في تركه إبقاء عليهم، وذلك في عمرة القضاء، وهي التي كانت في هذه السنة في السنة السابعة. قال: ويأتي استحبابه في كل الثلاثة، وتحقيق البحث في الحديث الذي بعد هذا إن شاء الله -يعني: هل يترك ما بين الركنين أو لا يترك؟ سيأتي الكلام عليه في الحديث الذي بعده-. قال ثانيًا: استحباب الرمل في كل طواف وقع بعد قدوم، وهو المسمى بطواف القدوم أو طواف الزيارة، وهو أول طواف يفعله الحاج والمعتمر إذا قدم مكة. قال: سواء أكان لنسك أم لا، قد يكون طواف قدوم من غير عمرة ولا نسك، وقد يكون لنسك، فإذا كان لنسك فإنه يتأكد، وإذا كان لغير نسك فإنه يستحب أخذًا بالعموم. أما كونه يتأكد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم -كما سيأتي- فعله ولم يتركه. قال ثالثًا: إظهار القوة والجلد أمام أعداء الدين، غيظًا لهم. طيب: هل هذه سنة مستمرة أم لا؟ أم هي فقط في حق من كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام في تلك العمرة: عمرة القضاء؟ الصحيح أنها سنة باقية؛ وذلك لأنه ثبت عن نبي صلى الله عليه وسلم استمرار فعلها، فقد فعلها عليه الصلاة والسلام بحجة الوداع، كما روى ذلك جابر بن عبد الله وغيره من الصحابة. بل قد مر معنا في حديث عمر في البخاري: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعله. وجاء بمسند الإمام أحمد بإسناد حسن عن عبد الله بن عباس قال: «رمل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حجته وعمره كلها، وأبو بكر وعمر والخلفاء». معناه: أن هذا الرمل استمر، لم يكن في عمرة القضاء فقط، فدل على أنه نسق، حتى لا نقول: إنه فعل لسبب فيزول الحكم بزوال ذلك السبب. فالصحيح أنه استمر عليه النبي عليه الصلاة والسلام، فهي سنة من النسق ينبغي لكل من فعل ذلك -أي: طاف طواف القدوم- عليه أن يرمل. قال رابعًا: أن من الحكمة في الرمل الآن تذكر حال سلفنا الصالح في كثير من مناسك الحج، كالسعي ورمي الجمار والهدي وغيرها، وهي نسك قد سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنحن نفعل كما فعل. قال خامسًا: الرمل مختص بالرجال دون النساء؛ لأنه مطلوب منهن التستر، ولأن هذا هو فعل نساء الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فهي سنة في حق الرجال، ليست بسنة في حق النساء. قال سادسًا: لو فات الرمل بالثلاثة الأولى فإنه لا يقضيه؛ لأن المطلوب الأربعة الباقية المشي، فلا يخلف هيئتهن، فتكون سنة فات محلها -يعني معناها: الذي فاتته هذه السنة لا يفعلها في الأشواط الأربعة لا، بل يبقى في الأشواط الأربعة على ما هي عليه يمشي- وهي فقط تستحب الأشواط الثلاثة الأولى. هذا خلاصة ما ذكر في هذا الحديث، وبه نكتفي.